أخبار عاجلة
اخبار السعودية اليوم - معركة الأباطرة الثلاثة -
ضبط سيارة مسروقة من الإسكندرية بالبحيرة -

القديمة تِحْلَى

القديمة تِحْلَى
القديمة تِحْلَى

لأكثر من خمسين سنة.. ظلت علاقة راسخة بين الدولة وجهاز إعلامها الحكومي.. علاقة ظن الجميع تقريبًا أنها بمثابة شراكة الأسرة الواحدة.. علاقة ظلت تتوطد وتتشابك حتى وصلت إلى أقوى درجات الارتباط الإنساني.. فكان الإعلام الحكومي بمثابة الزوجة الوفية لِرَجُلِها.. إنْ نظر إليها سرّته.. وإنْ أمرَها أطاعته.. وإنْ غاب حفظته.. وظل الحال هكذا لعقود متعاقبة منذ بدايات الستينيات.. إلا أنه في الفترة الأخيرة.. يبدو أن الدولة مَلَّتْ مِن الزوجة الأولى وشرعت تبحث عن زوجة ثانية تتواءم مع تغيرات المرحلة المفعمة بحديث عن التجديد والحرية والديمقراطية والرأي والرأي الآخر.. وعن الغد والمستقبل بنهضته المأمولة.. بعدما باتت الدولة تسأم أي حديث عن الماضي وأخطائه ومَرَارَاته المعلومة.. وبعدما تناست الذكريات الحلوة التي قضتها الزوجة الأولى المخلصة الوفية في كنفها وتحت حمايتها.

ولما كانت الدولة تخشى الملامة.. ولما كانت تحاول ألا تُوصف بالبعل الظالم الجاحد.. عمدت إلى الحفاظ على جعل زوجتها الأولى باقية على قيد الحياة.. وأمدتها بما يحفظ فقط أنفاسها لا صحتها العامة.. وكذلك راعت الدولة تبعات هذه الزيجة وحقوق العِشْرَة الطيبة.. التي أنجبتْ عشرات الآلاف ممن ينتسبون إلى ماسبيرو- ودومًا أفتخر بأنني ابن لماسبيرو وسأظل- حيث وصل عدد الأبناء - حاليًا- إلى ما يقرب من ثلاثين ألف موظف، بعدما لجأت الزوجة إلى أسلوب كثرة الأولاد حتى لا تجعل الزوج ينظر لغيرها.. أو يحتاج لغير أسرتها.. وحتى تشعره بأنه بعزوته بأبنائه يستغني عن أي إعلام آخر هنا أو هناك..

صحيح أن الزوجة الأولى ربما تكون أخطأت في تعاملها مع زوجها.. ربما ظلت لعقود مستسلمة منبطحة أكثر مما ينبغي.. ربما تجمدت.. ربما انشغلت بهموم أبنائها عن إرضاء زوجها.. ربما تمادت في إهمالها لنفسها.. وتأخرت عن مثيلاتها.. ربما أرهقت الزوج بكثرة مصاريف بيتها واحتياجات أولادها.

لكنَّ الثابت أيضًا أن الزوج لم يساعدها على التغيير.. بل كان سعيدًا بانبطاحها وانكسارها وضعفها يومًا بعد يوم.. كان مغرمًا بتنفيذها كل أوامره دون نقاش.. كان فخورًا بسيطرته التامة عليها.. كان ومازال واثقًا أنه مهما فعل فلن تخرج عن طوعه.. بل إنه يعتقد يقينًا في أن زوجته عليها أن تناصره على طول الخط.. ظالمًا كان يومًا أو مظلومًا.

المشكلة الحالية هي أن الدولة لا تريد الإعلان عن حالة الانفصال- الفعلي لا الرسمي- بينها وبين الزوجة الأولى.. وترفض الاعتراف بأنهما أصابهما الخرس الزوجي.. وفي الوقت نفسه، الدولة لا تقوى على المُجاهَرة بزيجتها الثانية التي تتم في سرية تامة.. والطرفان هنا لم يفكرا بعدُ في تبعات هذا الزواج السري.. أو ذلك النوع مِن الارتباط الذي يقترب بشدة من حالة زواج المتعة.. فهو زواج مرهون بمرحلة محددة ولربما بأهداف بعينها. أهمها أن تجد الدولة من يدافع عن قراراتها بِألْسِنَة تعتقد - واهمة- أنها غير منسوبة إليها.. وفي المقابل يزهو الإعلام الخاص الباحث عن الربح أنه أضحى موصولًا بمؤسسات الدولة الحكومية ودوائر صُنع القرار.. وأنه بات جزءًا منها.. وبالتالي فله عليها حق الحماية وقت الشدائد.. ولا ضرر من الحديث عن أدوار وطنية تقوم بها الزوجة الثانية بتكليفات بمهام معينة من الزوج الأول من وقت إلى آخر وفي دوائر نخبوية معينة.. لا سيما أن الزوجة الأولى تَمَكّن منها المرض.. وأمست أقرب إلى الانضواء على نفسها.. واجتراع آلامها.

المزعج في الأمر أن هناك من يرى أن زواج الدولة من نماذج في الإعلام الخاص.. هو زواج باطل.. وأنه أقرب إلى الزنى لا العلاقة المشروعة.. لأنه يفتقد إلى أهم عناصر الزواج.. عنصر الإشهار.. وهنا يحذر كثيرون من أبناء أنجبتهم هذه الزيجة.. ولمعت أسماؤهم في السنوات الأخيرة.. واختلفت حولهم الآراء بشكل لافت للنظر.. بشكل جعلهم – كما يصفهم البعض – بالطفل المُشَوّه أو مجهول النسب.. بمعنى أنه لا ينتسب إلى مهنته بل ينتسب إلى والده.. والخوف – كل الخوف – إذا ما تبدل الزوج أو رفض الإعلان عن أُبُوَّتِهِ لهؤلاء الأبناء.. فالسماء وحدها حينها تعرف ماذا سيكون مصيرهم.

أيضًا الزوجة الثانية- بعمد أو دون عمد- دأبت على عدم تحسين صورة ضُرّتها في عيني زوجها.. بل أصبحت تنتهز أنصاف الفرص من أجل إظهار مَسَاوِئ الزوجة الأولى أمام الجميع.. متناسية أن الإساءة إليها هي في نهاية الأمر إساءة إلى الزوج.. المسؤول عن الاهتمام ببيته ورعاية أولاده وتحسين ظروفهم والتكفل باحتياجاتهم وتقويمهم عند الخطأ.

وبقليل من الصدق مع الذات.. سنجد أنه من شبه المستحيلات أن تنجح الدولة في أن تكون عادلة مع الزوجتين.. فمشاكل الزوجة الأولى تتعاظم عامًا بعد عام.. بينما الزوجة الثانية تتبارى في تدليل زوجها الجديد ساعة تلو الساعة.

الإعلام غير الرسمي سيظل إعلامًا خاصًّا لا حكوميًّا.. ونجاح مشروعاته الإعلامية متوقف على نجاحات مشروعات أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية.. فمن غير المنطقي أن يكون لدينا رجل أعمال يواجه صعوبات في استثماراته ويقرر أن يساند الدولة بمشروعات إعلامية تتكلف ملايين الدولارات سنويًّا.

لذلك.. سيظل الإعلام الحكومي هو المنوط به بأن يكون النموذج الذي يراعي مصالح كل المصريين.. دافعي الضرائب.. وكثيرون يَرَوْن- وأنا منهم- أن حال الإعلام في مصر لن ينصلح.. إلا إذا آمنت الدولة بحتمية إصلاح منظومة الإعلام الرسمي لا اللجوء إلى حل الزوجة الثانية.. وقديمًا قالوا في الأمثال: القديمة تِحْلى.. ولو كانت وحلة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك