أخبار عاجلة
«الداخلية» توضح سبب ضبط «مدحت بركات» -
فيديو| حكاية شاب باع كليته "علشان يشتري توك توك" -

غُلاة ومُكفِّرون باسم الله

غُلاة ومُكفِّرون باسم الله
غُلاة ومُكفِّرون باسم الله

ليس المهم أن تعصم نفسك من الخطأ، ولكنَّ الأهم أن تعصم ذهنك من الخطأ، لأنَّ خطأ الذهن أفدح وأفضح، إذا ما كنتَ من أهل الفقه، أو من المشتغلين بالدين عمومًا.

فلو حدَّد المرء ألفاظه، وراجع ما يصدر عنه من كلام، ما قامت حروب، ولا ماتت لغات، ولا اندثرت حضارات، ولا اختفت بلدان، ولا سقطت خلافات، ولا تلاشت إمبراطوريات.

لأن الخلاف لا الاختلاف هو- وحده- ما يجلب الضعف، ويخلق الفرقة، ويبث الشتات فى الأمة الواحدة، ويوم انقسمت دولة الأندلس إلى طوائف، وتحارَبَ ملوك إماراتها، سقطت مدنها الواحدة تلو الأخرى، وهو الدرس الذى لا نريد أن نعيه ونفقهه جيدًا ونضعه مثالا أمام أعيننا حتى لا نقع فى الخطأ نفسه ونكرِّره، ولكن يبدو أنها عادتنا نحن العرب ولن نشتريها من أحدٍ، فى أننا نحب أن نُلدغ من «الجُحر» نفسه مرات، وليس مرتين فقط.

فلو أن شيوخنا نهجوا نهجًا إسلاميًّا حقًّا، وتنحّوا عن الحُكم على من يخالفونهم بالتكفير، لعمَّت الحرية، واستقرت أسس الحوار والجدل، ولتم التعامل مع من يخطئ فى اجتهاده على أنه مُجرَّد خطأ وليس صوابًا، من دون اتهامه بالتكفير والزندقة والخروج من المِلَّة، لأننا بالمنطق نستطيع أن ندرك الصانع لهذا العالم، كما يقول ابن رشد، ولذا لا تُكفِّر فكرةً لم ترُقْ لك، أو لكونها لم تأت على لسان من سبقوك من الأسلاف الصالحين، لأن ما جاء به الفقهاء والأئمة وسواهم ممن اشتغل بالدين ليس نُصوصًا مقدَّسة، ينبغى الحفاظ عليها، وعدم المساس بها، أو مناقشتها أو الاختلاف معها ومُساءلتها معرفيًّا ومنطقيًّا.

وهناك عدد كبير من المشتغلين بالدين مُقلِّدون واتباعيون، مهمتهم فى الحياة الدنيا إعادة إنتاج ما جاء به الأسبقون من دون تجديده، أو حتى تحريره وصياغته وتقديمه فى شكلٍ آخر، من دون أن يضيفوا أو يُغيِّروا شيئًا يُذكر، أو يُسهموا برؤيةٍ مغايرة، إذ إن أرواحهم لا تعرف الإبداع، حيث سجنت نفسها فى سجون الاتباع والمحاكاة.

فمثلًا عندما يحكم «الإمام» أبوحامد الغزالى (1059/ 1111 ميلادية) على الفارابى وابن سينا بالكُفر، فما الذى ننتظره- نحن- من شيوخ هذا الزمان، الذين يُكفِّرون الشعراء والفلاسفة والمُفكِّرين من المُجتهدين، وينفون عنهم إيمانهم، ويرمونهم بالزندقة، والخروج من المِلَّة؟

فالغزالى يصف الفلاسفة فى كتابه الأشهر «تهافت الفلاسفة» بأنهم «شرذمة يسيرة من ذوى العقول المنكُوسة والآراء المعكُوسة... لا يعدون إلا من زُمرة الشياطين الأشرار».

ويقول فى كتابه الأشهر أيضًا «المنقذ من الضلال» لقد «ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة... حتى اطلعت على ما فيه من خداعٍ وتلبيس».

وكأنَّ ابن سينا (370 هـجرية- 980 ميلادية/ 427 هـجرية- 1037 ميلادية) كان يدرك أنه سيأتى من بعده من يتهمه فى دينه، فقال قولته التى أراها ردًّا من قبر ابن سينا على الغزالى: «بُلينا بقومٍ يظنون أن الله لم يهد سواهم»، وكان الغزالى قد كفَّره فى كتابه الأشهر «المنقذ من الضلال»، وكفَّره أيضًا ابن كثير فى كتابه «البداية والنهاية»، وابن العماد الحنبلى فى كتابه «شذرات الذهب».

فلقد كان ابن سينا يؤمن بأنَّ «العقل البشرى قوةٌ من قوى النفس لا يُستهان بها»، فى وقتٍ أراد فيه مخالفوه من المُعترضين ألا يُعملوا عقولهم، ويسيروا فى الأرض التى حرثها الأسبقون عليهم، يجمعون ويصنِّفون ويرتِّبون ويكتبون الحواشى التى هى مجرد تعليقات على المتون التى أرساها الأولون، من دون اجتهادٍ أو إعمالٍ للعقل فى شؤون الدين والدنيا.

و‏ابن سينا‏- كما يراه ابن تيمية- «تكلم فى أشياء من الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم، ولا بلغتها علومهم، فإنه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية‏.‏ وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وأحسن ما يظهرون دين الرفض وهم فى الباطن يبطنون الكفر المحض‏»،‏ وجاء هذا الرأى فى الجزء التاسع من «مجموع فتاوى ابن تيمية». وقال ابن الصلاح (توفى فى 25 من ربيع الثانى سنة 643 للهجرة- 19 من سبتمبر 1245 ميلادية) فى فتاواه: (كان شيطانًا من شياطين الإنس) وقال الكشميرى (1292- 1352 هـجرية) فى «فيض البارى»: (ابن سينا الملحد الزنديق القرمطى غدا مدى شرك الردى وشريطة الشيطان).

وفى «اللسان» لابن حجر (773- 852 هـجرية)، نقل عبارة الذهبى (673- 748 هـجرية/ 1274- 1348 ميلادية)، وقال: (لا رضـى اللـه عنه). قال ابن قيم الجوزية (691- 751 هـجرية/ 1292- 1349 ميلادية) عنه: (فالرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنده ولا معاد ولا رسول ولا كتاب). وقال فى موضع آخر: (إمام الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر).

ولعل رأى ابن رشد فى كتابه «تهافت التهافت» الذى كتبه ردا على كتاب الغزالى «تهافت الفلاسفة» الذى أنجزه فى القرن الحادى عشر الميلادى حين قال إن أبا حامد الغزالى «لم يكن يطلب الحق وإنما أراد مداهنة أهل زمانه»، هو أبلغُ ردٍّ يمكن أن ينطبق على كثير من الفقهاء والعلماء الذين يعادون العقل والعلم، ويكرهون المنطق والفلسفة والفلاسفة، مع أن أبا حامد الغزالى نفسه سيدخل المنطق والفلسفة والتصوف ويطلق قوله الشهير «من لا معرفة له بالمنطق لا يُوثق بعلمه». ولعلنا نلاحظ أن كل الذين يرفعون السلاح فى وجه المسلمين وغير المسلمين هم من الذين تبنُّوا أفكار ابن تيمية (661- 728 هـجرية/ 1263- 1328 ميلادية)، الذى بدوره تبنَّى أفكار الغلاة من الحنابلة، فكفَّر الصوفيين والفلاسفة وعددًا من الفرق المسلمة كالأشاعرة والشيعة والمعتزلة، إنه مُمثل التطرُّف والتعصُّب والتشدُّد والتكفير والتحريم والاتهام بالزندقة والمرُوق.

ولو عُدنا إلى الكتب القديمة التى تُدرَّس فى المعاهد والكليات الأزهرية لرأينا كيف أنها مملوءة بالتهجُّم والتكفير لرموز الأمة الإسلامية الذين نفخر أمام الدنيا بأنهم مسلمون، وقد ذكرت هنا أنموذجًا واحدًا هو ابن سينا، الذى قُطِّعت أوصال سمعته، وطُعن فى دينه، حيث صار على يد أحدهم إمامًا للكافرين الضالين الملحدين، وهنا تعسُّف واضحٌ فى التأويل وقراءة النصوص، مع فشلٍ فى التدليل، وليس عيبًا أن يستصوب المرء آراءً مادام قد رآها خاطئة، ولكن العيب هو استهجان ما هو صواب لمجرَّد أنه جاهل بهذا الصواب، الذى لم يستطع عقله أن يدركه.

ومن يأخذ بظاهر النص (الشىء، الإنسان) دائمًا ما يصل إلى نتائج محمولة على يد الغلط، ويقع فى الخطأ، وتزل قدماه فى الطريق، وتنزلقان فى وحل المُغالاة، حيث يُعطِّل عقله، ويحبس المياه عن روحه، فتفسد زراعتها.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق محافظ الدقهلية يأمر بإعدام لحوم غير صالحة بمنفذ بيع
التالى رباط عنق أسود من فضلك