أخبار عاجلة
«زى النهارده».. وفاة الشيخ عطية صقر 9 ديسمبر 2006 -

د. ناجى صادق شراب يكتب: إشكاليات النظام السياسى الأمريكى

د. ناجى صادق شراب يكتب: إشكاليات النظام السياسى الأمريكى
د. ناجى صادق شراب يكتب: إشكاليات النظام السياسى الأمريكى

نقلا عن جريدة الخليج الإماراتية

تتباهى الولايات المتحدة بأن لديها أفضل الدساتير الديمقراطية، وأن نظامها السياسى يوصَف بـ«الديمقراطى المدنى»، ولقد سبق للرئيس كينيدى أن وصف الولايات المتحدة بـ«أمة من المهاجرين»، دلالة على قدرة النظام السياسى الأمريكى على صهر كل مَن تطأ قدمه أرض الولايات المتحدة فى بوتقة واحدة، ولذا عُرف النظام السياسى الأمريكى بـ«بوتقة الانصهار». وهذا الانصهار هو الذى يُحَوِّل كل مَن يحمل الجنسية الأمريكية إلى مواطن، يتمتع بنفس الحقوق والحريات والمساواة التامة أمام القانون، فلا فرق بين أمريكى أبيض أو أسود، أو رجل وامرأة، أو أمريكى مسلم أو غير مسلم. الكل سواسية أمام القانون، ومن حقهم تَقَلُّد كل المناصب العليا، بما فيها الرئاسة، والرئيس أوباما هو نموذج.

ويتفرد النظام السياسى الأمريكى مقارنة بالنظم الأخرى بأنه نظام مفتوح، بمعنى أن كل أو معظم المناصب السياسية وبعض القضائية تأتى عبر صناديق الانتخابات، الرئيس بالانتخاب، الكونجرس بمجلسيه بالانتخاب، حكام الولايات والمجالس المحلية، وهو ما يعطى للمواطن واللوبيات- وهى سمة أخرى للنظام- أن يؤثروا فى صنع القرارات السياسية، ويجعل كل هؤلاء يسعون لرضا المواطن. وتنطبق على النظام السياسى الأمريكى مقولة مونتسيكيو «السلطة تحد من السلطة»، وهو ما يُترجم بنظام الكوابح والجوامح.

صحيح أن العلاقة بين السلطات الثلاث تقوم على الفصل المطلق، لكن تخوفاً من استبداد كل سلطة وتحولها لديكتاتور، تم ابتداع هذا النظام، فالتشريعية تكبح جماح التنفيذية فى مرحلة التوقيع على سلطاتها، والتنفيذية تمارس الشىء نفسه أمام التشريعية، وتقوم القضائية بنفس الدور، وهو ما يضمن الاستقرار والتوازن والمساءلة والمحاسبة، بهدف الوصول للقرار الرشيد والسليم الذى يهدف إلى رضا المواطن. ويأتى على رأس هذا النظام السياسى أعلى مؤسسة سياسية أو قضائية، وهى المحكمة الدستورية العليا، التى وظيفتها السهر والمتابعة على التزام الكل بالدستور الأمريكى، فلا سلطة تعلو عليها، وبإمكانها إلغاء أى قرار أو تصرف رئاسى، والحكم بعدم دستورية أى قانون يصدره الكونجرس، إلى جانب وظائفها الأخرى، وهذا ما يضمن الالتزام بالدستورية.

هذه السمات والخصائص جعلت الفيدرالية الأمريكية أقرب إلى الدولة الواحدة. وهذه البيئة السياسية هى التى حولت الولايات المتحدة إلى الدولة الأولى فى كل المجالات العلمية والاقتصادية والتكنولوجية والطبية، الدولة التى تُهاب ويُحسب لقرارها. وما كان هذا النظام أن يعمل بدون منظومة من القيم السياسية من المساواة والمواطنة والتسامح، والحرية العقيدية، والإثنية، وكل الحريات والحقوق المدنية التى يزخر بها الدستور الأمريكى.

اليوم، هذه الخصائص والمقومات تتعرض لإشكاليات كبيرة، والولايات المتحدة مُهَدَّدة فى أكبر إنجازاتها، وهو إنجاز بوتقة الانصهار. ولعل مظاهر العنصرية بدأت تلقى بظلالها فى أعقاب الكثير من الأحداث التى طالت السود، وأدت إلى قتل العديد منهم، وهنا تبرز مقولة عالِم السياسة الأمريكية، صاموئيل هنتنجتون، مشيراً بقلق: «الأمريكيون يحملون مشاعر خاصة بالعنصرية والعرقية». ويشير المؤرخ الأمريكى شلينرنجر إلى أن «التاريخ الأمريكى لا يخرج عن هذه العنصرية، وأن الفئات من غير البِيض مُهَمَّشة فى المجتمع الأمريكى». ولو دققنا فى الأرقام التى تصدر عن مظاهر ومستويات الفقر والبطالة فسنجدها الأكثر ارتفاعاً لدى السُّود، حوالى 37 فى المائة من الأطفال السود تحت خط الفقر، ويعملون فى أعمال شاقة. والتفاوتات القضائية بين السُّود والبِيض واضحة وملموسة فى العديد من الأحكام، ولا يقتصر الأمر على السُّود، بل على الأمريكيين المسلمين، الذين باتوا يعانون الكثير من مظاهر التفرقة والتهديد والنبذ، أو ما يُعرف بانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا منذ أحداث 2001، واليوم تزداد شراسة، وتظهر فى الكثير من تصريحات المرشحين لانتخابات الرئاسة، خصوصاً ترامب، ووعده بطرد الملايين من المهاجرين، وببناء سور على الحدود مع المكسيك.

ولا يقتصر الأمر على هذه المظاهر، بل بدأت منظومة القيم الديمقراطية تفقد الكثير من مقوماتها ومكوناتها، بانتشار قيم العنف، وعدم التسامح، ورفض قبول الآخر، والتعصب لكل ما هو أبيض، والميل نحو القوة فى التعامل مع الكثير من القضايا، ومظاهر إطلاق النار أمثلة كثيرة، راح ضحيتها العديد من الأبرياء، لعل أبرزها أحداث أورلاندو. ومن الإشكاليات والتحديات الخطيرة التى تمس مستقبل النظام السياسى الأمريكى التحولات فى موازين القوى الإقليمية والدولية، وبروز العديد من التهديدات الخارجية مثل ظاهرة الإرهاب. هذه التحديات تفرض على الرئيس المقبل العودة لروح الدستور، ولصيغة التوافق التى يقوم عليها النظام السياسى الأمريكى، والتوازن بين متطلبات الدور الأمريكى والتحولات فى موازين القوة فى العالم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق منتخب الشباب يتعادل مع إسكو ودياً
التالى رباط عنق أسود من فضلك