ما بعد تعويم الجنيه!

المصرى اليوم 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كان قرار تعويم الجنيه حكيماً بقدر ما كان شجاعاً، حتى لو جاء متأخراً عما هو واجب، ولكنه فى النهاية كان استرداداً للرشادة الاقتصادية، وعودة إلى حالة طبيعية واجبة يمكن للاقتصاد المصرى بعدها أن ينمو، وللمجتمع فى مصر أن يكون أكثر صحة وعافية. ولن يختلف أحد على أن الشعب المصرى أثبت قدرة كبيرة على تحمل المسؤولية، فضلاً عن الآلام الأولية التى لابد منها بعد تشغيل الاقتصاد على أسس موضوعية وليست خيالية، فتكون العملة عاكسة للحالة الفعلية للتبادل بين المصريين، وبينهم وبين العالم الخارجى. ووجه المصريون صفعات ثقيلة لكل من حاول التلاعب بمشاعرهم واللعب على معاناتهم بافتعال تحركات جماهيرية تزعزع الاستقرار الوطنى، وتمنع الاقتصاد من العمل فى بيئة رشيدة. تعلم المصريون درس «الثورات» التى لا يوجد فيها إلا العنف والفوضى، ولا تعرف تغييرا ولا إصلاحا ولا بناء، وإنما اللعب على أوتار الأحقاد والضغائن؛ وأن نتيجتها فى النهاية هى تدهور الأحوال عما كانت عليه، والبدء دائما من نقطة الصفر مرة أخرى. لم تكن مصر تحتاج ثورة إضافية، وإنما تنتظر دعوة وطنية للإصلاح والنهضة والتقدم، ليس من باب الشعارات والكلمات الحماسية، وإنما للعمل الذى يبنى، والكلمات التى تنير. والقائمة المنتظرة بعد ذلك طويلة، والأعمال المتأخرة كبيرة، ومهما كان الضوء الملقى على المشروعات القومية الكبرى أو الأهمية الاقتصادية والأولوية التى نعطيها لها، فإنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن برنامج واضح للإصلاح فى كل أوجهه السياسية والاقتصادية والثقافية أيضا.

وفى لغة الأعمال، فإن هناك ما يسمى خدمة ما بعد البيع، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من سمعة المنتج وجدية البائع وقياس إخلاص المستهلك. وفى لغة المعلمين فى المدارس، فإن فَهم المدرس واستيعابه للموضوع شرط أساسى لبساطة العرض وعمق الفهم للتلاميذ. وفى لغة الصحافة والإعلام، فإن القدرة على تقديم القضايا فى «إنفوجرام» يلخص ويشرح ويوضح من أصول الأمور والنجاح والانتشار. وفى لغة الطب، فإن معرفة المريض بالمرض وفهمه للعلاج وما يفعله فى جسده يساهم كثيرا فى اقتراب الشفاء وعودة الصحة. وفى البلدان المتقدمة، فإن الطبيب يقضى وقتا غير قليل فى شرح ما غمض وما يحدث فى جسد المريض قبل وبعد العلاج؛ وكما يقال بين أهل الفتوى «إن من قال لا أدرى فقد أفتى»، فإن «الحكيم»، كما كان يوصف الأطباء فى بلادنا فى زمن قديم، لن يتردد فى القول إن العلم لا يعرف أمراً من الأمور بعد، ولكن البحث والتقصى يسير فى ذلك الاتجاه الذى يقودنا إلى المعرفة. كل ذلك يعنى أن «المعرفة» بما حدث قبل وبعد «تعويم الجنيه» هى من ضروريات الأشياء، وعلى أولى الأمر فى بلادنا ألا يكلّوا أو يملّوا من الحديث، ليس عن ضرورة تحمل الألم، وإنما توقيعه ضمن الإطار العام للحركة الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، ونمو الدخل القومى، والطريق إلى تحسين ورفع مستوى المعيشة. وبصراحة، فإن عمليات الشرح ليس «تسويقا» لبضاعة معطوبة، وإنما إدراكٌ واحترامٌ لرُشد المواطنين؛ كما أنها ليست مجرد دعوة وطنية للاستجابة، وإنما استنهاضٌ للقدرات وتعبئةٌ للموارد وبناءٌ للثقة بين الحكومة والأهالى.

وفى العلوم، فإن لكل قضية جانبها المفهومى، بقدر ما لها من جانب إجرائى وعملي؛ وفى العادة فإن الجانب الثانى هو الذى يعطى للأصول والمبادئ والخطط المصداقية الكافية للاتباع. من هنا فإن ما تفعله الحكومة وتقوله أيضا بعد تعويم الجنيه لن يقل أهمية عن قرار التعويم ذاته. وربما سوف يُدهش الكثيرون فى الحكم من أن المصريين يعلمون لماذا كان قرار التعويم ضرورياً، ولكنهم لن يفهموا قولاً إلا ويصدقه العمل. خذ مثلا قرارا مهما مثل تخفيض الإنفاق الحكومى الذى يضع نسبة ما لهذا التخفيض، ولكنه ليس مشفوعا بالإجراءات والقرارات العملية التى تضع ذلك موضع التطبيق، بينما مؤسسات وهيئات عامة تستنزف الموارد القومية، وتضيف لعجز الموازنة دون توقف. هنا فإن النسبة التى قررتها الحكومة ليست معلقة فى الهواء، وإنما تكون لها دلالات كمية تدل ليس فقط على الجدية، وإنما تقول للمواطنين إن الفرج قريب. يقول المَثل الشعبى إن الصبر مفتاح الفرج، والذى بدونه لا تفتح الأبواب والنوافذ، وتأتى منها نسمات فى قيظ الصيف، وشمسٌ دافئة فى برد الشتاء.

خذ أيضا حزمة أخرى من القرارات التى لا تدل فقط على الجدية وإنما على وضوح الاتجاه، وهى المتعلقة بممارسة الأعمال. وبصراحة فإن الاقتصاد لا يعمل فقط بالمشروعات القومية التى لها وظيفة تحريك الاقتصاد، ودَفْع بعضٍ من الدماء فى عروقه، ولكن الأصل فى الأمور هو المدى الذى يتم فيه تشغيل الاقتصاد الكلى للوطن، لأن ذلك هو الذى يعبئ الموارد المادية ويصعد بالطاقات البشرية. وعندما يكون الحجم الكلى للاقتصاد المصرى كما يظهر فى الناتج المحلى الإجمالى مقوما بالقدرة الشرائية للدولار يزيد بقدر ملموس على تريليون دولار فإن تشغيل هذا القدر من الثروة فى السلع والخدمات وعودتها إلى دورتها الطبيعية هو الذى يدفع الاقتصاد الوطنى إلى الأمام. هذا التشغيل مصاب بقدر هائل من انسداد الشرايين والشلل فى أحيان كثيرة، بل التوقف عن العمل تماما كما هو الحال مع المصانع التى توقفت عن الإنتاج منذ بدء عصر الثورات. هنا أمام الحكومة قائمة طويلة من القرارات المتعلقة بعملية التشغيل من أول بدء فكرة المشروعات حتى تشغيلها وتعاملاتها فى السوق الاقتصادية، ليس فقط لاتخاذها، وإنما أيضا للدلالة على جديتها فى قرار التعويم الذى سوف يكون جزءاً من مسار عام لنهضة الاقتصاد الوطنى. «التعويم» ليس مجرد فضيلة فى حد ذاته، واسترداد قياس رشيد للقيمة، وإنما هو جزء من عملية بناء الرشادة للاقتصاد المصرى التى طالت طويلا من الزمن دون الخروج من فاقة الاقتصاديات غير الرشيدة.

«المعرفة» بالحالة الاقتصادية وإصلاحها ضرورة، والتقشف الحكومى واجب، وتشغيل الأعمال وتفعيل الاقتصاد الكلى من البديهيات؛ ولكن ذلك كله لا يصل إلى حدود التمام ما لم يتحرك المواطن مشاركا وفاعلا فى عملية التنمية، لأنها الطريق ليس فقط لكى يفهم ويقدر، وإنما أيضا لكى يزرع ويحصد العائد. ومن الجائز أن نتحدث كثيرا عن المشاركة «الشعبية» وجمال ونُبل المواطن المصرى، ولكن المسافة بين القول والفعل سوف تظل كبيرة ما لم نتعامل مع مصر كما هى كبلد المائة مليون مواطن، وبلد المليون كيلومتر مربع، التى تتضاعف ثروتها ومساحتها كلما أضفنا لها طرقاً جديدة. المساحة، لمن لا يعلم، لا تقاس فقط بالكيلومترات، وإنما بالقدرة على الذهاب والإياب فيها بسرعات قياسية. وفى السابق، كما سوف يكون دوما فى اللاحق، فإن «اللامركزية» هى مفتاح المشاركة وتعبئة الموارد وإطلاق طاقات المواطن لكى يعمل وينمى ويستثمر ويرى عوائد العمل والاستثمار. وفى البرنامج الرئاسى للرئيس السيسى كانت لإعادة التخطيط الإدارى للمحافظات المصرية مكانة، كما ثار الموضوع من وقت لآخر وورد فى وثيقة «مصر ٢٠٣٠»؛ وتفعيل كل ذلك ووضعه فى مسار الحوار والقرارات سوف يضيف الكثير من المصداقية والجدية لمرحلة ما بعد تعويم الجنيه. لماذا لا نبدأ بالدعوة إلى مؤتمر وطنى للامركزية، كما جرى فى مؤتمر الشباب، تكون فيه ورش للعمل وأفكار تقودنا وتهدينا إلى كيف نقترب من القضية؟

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق