أخبار عاجلة
معتز مطر - مع معتز حلقة الاحد 2016/12/4 - الجزء الاول -
تصريحات نارية من #حسين_عبد_الغني -
حملة مكثفة في الخرج على باعة شاي الجمر ! -
7 نصائح مذهلة لخفض مستوى الكوليسترول بالدم -

متى نغزو العالم بقطع «المورته» الفلاحي؟

متى نغزو العالم بقطع «المورته» الفلاحي؟
متى نغزو العالم بقطع «المورته» الفلاحي؟

هل توقفت يومًا أمام ثلاجة الأجبان في واحدة من الأسواق الكبيرة أو «الهايبر ماركتس» التي انتشرت في أرجاء الدنيا؟

هل انتبهت إلى أنواع الجُبن الغريبة، الملفوف منها في قطعة خيش، أو المعبأ في علبة خشبية صغيرة، أو في لفافة من الورق المقوى... أو غير ذلك؟

هل دفعك فضولك مرة لقراءة الكلمات المكتوبة على أي من هذه المنتجات؟

ان لم تكن فعلت، فاقرأ هذا النموذج: «قطعة الجبن هذه، مصنوعة بيدي فلاحة إيطالية من قرية “سانتو ستيفانو دي سيسانو” وضعت فيها خبرة استمدتها من أجدادها عبر مئات السنين. وتمتاز قرية “سانتو ستيفانو دي سيسانو” بجو معتدل ونسبة رطوبة تساعد على منح الجبن نكهته المميزة، ولكن يبقى الأصل في السر الذي لا تبوح به الأم سوى لابنتها الغالية …نحن لم نفعل شيئًا سوى أننا نقلنا إليك هذه القطعة الفريدة مع ضمان الجودة والنظافة”.

هذه الجملة من اختراعي، لكنها لا تخرج عن النمط الذي قرأت شبيهًا له على عشرات المنتجات، بداية من عبوات التوابل والأعشاب والزيتون والمخللات وصولًا إلى عبوات السمك المجف، وما بين هاته وتلك من منتجات، قد تعجب من اهتمام أحد بها في هذا العالم.

ماذا لو وضعنا محل قرية “سانتو ستيفانو دي سيسانو” الإيطالية، مدينة “سمالوط” في صعيد مصر، وقلنا إنها المدينة التي يُعتقد بأن السيدة مريم عليها السلام مكثت بها لبعض الوقت أثناء إقامتها في مصر؟ أو مدينة “فُوَّه” في دلتا مصر، والتي كانت عاصمة لأحد أقاليم الوجه البحري في العصر الفرعوني ونشأت بها صناعة النسيج اليدوي وكانت مهدًا لفنون تلوين النسيج بصبغات الأعشاب والنباتات؟

ماذا لو فعلنا ذلك مع مختارات متقنة الصنع محبوكة المذاق من الجبن أو الزبد الفلاحي أو الصعيدي، أو الحلوى الدمياطي، أو السردين الرشيدي، أو الفسيخ الفُوّي، أو الخبز الشمسي، أو الكعكالسيوي، أو النسيج أو التحف الخشبية أو المعدنية... أو.. .، أو... أكمل القائمة بنفسك مما تعرف أن أيادي نساء مصر ورجالها تُنتجه في قرى ونجوع ومدن على امتداد مليون كيلو متر مربع عبر قارتي أفريقيا وآسيا تتعدد مناخاتها وثقافاتها وأذواقها إلى حد الإبهار.

بلا أدنى شك سوف يصل هذا المنتج بهذه الرسالة إلى قلب ومزاج شخص على الأقل من كل خمسة أشخاص يشاهدونه على رفوف الأسواق عبر العالم، ولا تنس أنك تبيع مع المنتج صورة مصر التي في الخيال... فإذا كان عدد المستهلكين ألف شخص مثلًا فإنك بذلك تضمن بيع 200 عبوة، فماذا لو كان عدد المستهلكين مليون، 10 مليون، 100 مليون... كلها أرقام قليلة جدا في سوق يشمل العالم كله.

لا شك إذن في أنك سوف تجد لمنتجك عددًا كبيرًا من المستهلكين يُحسب أفراده بالملايين، فقط علينا أن نبدأ ونحترم المنهج العلمي ونحترم شروط الجودة والنظافة والتغليف الجميل والجذاب.

هل يمكن أن نغزو العالم بقطعة «مورتة» فلاحي عظيمة كُتب على غلافها متقن الصنع والتصميم: «هذا المنتج تتم صناعه في مصر منذ سبعة آلاف عام، فاستمتع به الآن»؟

ما المطلوب إذن لنفعل ذلك؟

بدايةً يحتاج المشروع إلى قرار سياسي، وهو أمر يستدعي أن يفهم صاحب القرار معنى الصناعات الثقافية وأن يقتنع بجدواها، لكي يقوم بمنح العمل مشروعيته، وهو دور يمكن للكثير من المثقفين المصريين القيام به، وأخص منهم بالذكر الدكتور شاكر عبدالحميد – وزير الثقافة الأسبق- المهتم بهذا الأمر.

الخطوة التالية للقرار السياسي، هي تكليف رجل عالم، بقيادة لجنة أو هيئة ذات هدف واضح وصلاحيات محددة، لدراسة تجارب الدول السابقة في هذا الصدد والتي نجحت في ترويج منتجاتها الخاصة وتوفيرها بشكل دائم وجيد في الأسواق العالمية.

بالتوازي مع ذلك يجب أن يبدأ مشروع رسم خريطة الصناعات الثقافية في أنحاء مصر، وأقرب تصور ممكن لهذا الأمر هو تشكيل فرق إحصاء وبحث -نقترح أن تضم طلاب السنوات النهائية من الجامعات والمعاهد في التخصصات ذات الصلة ضمن مشروع تخرج يحصلون بموجبه على درجات- ثم تثقيف هؤلاء الطلاب عبر دورات تدريبية وورش عمل حول الصناعات الثقافية، وحول طرق جمع البيانات وإجراء الاستقصاءات اللازمة لجمع وإحصاء والتعريف بالمهن والحرف والمنتجات التي يمكن التعامل معها في مشروع صناعات ثقافية أو تراثية: أماكنها، مواصفاتها، طبيعتها... وكل ما يمكن الحصول عليه من معلومات حولها. ثم تصنيف وترتيب هذه المنتجات وفرزها بطرق منهجية ودراستها للوقوف على خصائصها التنافسية وترتيبها وفق أولويات متطلبات الأسواق المحلية والاقليمية والعالمية.

الخطوة التالية هي جلب نماذج ودراستها فنيًا وتكليف خبراء بعقد مقارنات لها مع منتجات العالم الشبيهة سواء في الشكل أو في الوظيفة... للوصول إلى أدق الخصائص التنافسية للمنتجات المختارة واقتراح ما يلزم من إضافات وتطويرات لدعمها وتقوية موقفها التنافسي في الأسواق المختارة.

بعد ذلك من المنطقي أن يتم تكليف خبراء بعمل دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية وتحديد كميات الانتاج الاقتصادي التي تضمن أفضل تكلفة وأفضل عائد، ثم التنسيق مع خبراء في التسويق لدراسة أفضل وسائل ترويج وتسويق المنتجات، وتحديد الأسواق المفضلة وغير ذلك من تفاصيل قبل الشروع في إنتاج عينات منضبطة وتسويقها في الأسواق المحتملة وقياس النتائج التي يتم على أساسها الشروع في استقبال طلبات الشراء الداخلي أو الخارجي وتوقيع العقود والتنسيق للانتاج إلى آخر ذلك من إجراءات.

كل ما نريده من الحكومة إذن هو “تجربة” أو بلغة الجيش “بيان على المعلم” شفاف ومعلن وجاد وواضح، وحين ينجح فسوف يتبارى رجال الأعمال صغارًا وكبارًا في التنقيب عن منتج شعبي يصلح مصدرًا للربح، سوف يدقون أبواب الحرفيين والصنايعية والفلاحين يسألونهم: ماذا لديكم يصلح منتجًا في الصناعات الثقافية؟ أعطونا منتجًا ثقافيًا لنبيعه من فضلكم... وبذلك تروج الثقافة ويروج الاقتصاد. فهل تفعلون ذلك رحمكم الله.

هل يبدو الأمر صعبًا؟

هل يبدو غير مفهوم حتى الآن؟

ربما يصبح مفهومًا أكثر حين نتحدث عن نماذج من المنتجات التي ينطبق عليها حديثنا الطويل أعلاه، خذ عندك:

- قطعة السمك المجفف التي تُنتج في منازل الصيادين في القرى المجاورة لبحيرة المنزلة أو البرلس وغيرهما، ينتجونها للاستعمال الشخصي منذ مئات السنين ويعرفها الجميع بطعمها المميز الذي يحمل في طياته سر الصنعة.

- قطعة الجبن القديم التي تصنعها فلاحات وجه بحري أو قبلي، وقطعة “المورتة” أو “العجوزة” التي تكاد تأكل أصابعك وراءها وتتلمظ شوقًا لها لمجرد أن تصل رائحتها إلى أنفك.

- قطعة «الهريسة» أو «اللديدة» أو حلوى «الحمام» التي يبدع حلوانية «مطوبس» في صنعها ويوصي المصريون أصدقاءهم المسافرين بحملها إليهم.

- قطعة الكليم اليدوي المرسوم الذي يجيد أهل مدينة «فوه» فن غزله وصباغته بمواد طبيعية ويورثون هذه الفنون إلى أبناءهم حتى اليوم.

- قطعة الأرابيسك اليدوي التي ينبهر بها العالم ويضطرون إلى شراء نسخ صينية مقلدة لها لأنك لم تنجح في توفير بديل يحمل بصمتك.

- قطعة الأثاث الدمياطي التي يسمع بها القاصي والداني ولكنهم يستسهلون الأثاث الصيني والماليزي الأقل جودة لمجرد أننا لم نبذل جهدنا في توفير قطعة الأثاث داخل عبوة من الكرتون مرفقة بكتالوج يعلم الناس كيفية الفك والتركيب بسهولة.

- أواني الفخار بكافة أنواعها وأشكالها التي يشتري العالم منها ما تعادل قيمته ملايين الدولارات يوميًا لا يصلنا منها شئ لأننا لم ننجح في توفيرها وتغليفها وترويجها بكفاءة عفاريت الصين وشرق آسيا أو حتى دول المغرب العربي الشقيق.

هل تعجبت من بساطة المنتجات؟

تعجب أيضًا من عدم قدرتنا حتى الآن على جعلها منتجات ثقافية تغزو أسواق العالم كما يغزو العالم أسواقنا بمنتجاته الشبيهة.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك