أخبار عاجلة
تأييد حبس «مستريّح الأميرية» 3 سنوات -

من وحي «فاطمة» وفي حب «الساحر»

من وحي «فاطمة» وفي حب «الساحر»
من وحي «فاطمة» وفي حب «الساحر»

تركت قلبي منذ ربع قرن تقريباً في قاعة عرض، دخلت به وخرجت بدونه، بإرادتي.

قلت في نفسي يومها هذا المكان أمينا عليه أكثر من صدري وأنا، سأتركه هنا لأشتاق إليه، وفي الحقيقة كنت لا أريد أن أشتاق إليه، كنت أبحث عن دافع لأفتقد السينما، لأعود إليها كل ليلة وأجالس قلبي أو أضمه إلى صدري، أشحن طاقتي وأعود لأمارس حياة المستنزفين، المجبورين.

كنت في السابعة أو أقل بشهور، وفاطمة تحبني جدا، لكنها تحب السينما أكثر، وأنا أغير عليها من نسمة هواء «فلماذا لا تحبينني أكثر؟»، سألتها عشرات المرات وفي كل مرة كانت ترد: «سأخبرك هناك بكل شيء»، لكنها لم ترح قلبي أبدا بإجابة «متى؟».

ذات ليلة، دخلت عليّ فاطمة كالفراشات فاردةً جناحيها، خطوتان سريعتان باتجاهي وبدأت تدور على قدمٍ واحدة بتنورتها الوردية، ألقت حقيبتها في لفة، وطيّرت حذاءها في أخرى، وقالت بابتسامة مُحب: «اليوم سأخبرك بكل شيء» وأنا كالمخطوف نسيت مدح خفتها ونفذت طلبها دون تردد «روح البس أشيك حاجة عندك وتعالى».

عودتني فاطمة منذ عهدي الأول بالمشي أن تشدّ على كفي في الطريق، إلا هذه المرة، كانت حُرة، وكنت من خفتها أرى أقدامها ترتفع عن الأرض سنتيمترات حتى تخيلتها ستطير كالملائكة، وحتى لا تقتلني الغيرة، أقنعت نفسي بأنني صرت كبيرًا بما يكفي لتطلق سراحي وأعبُر الطريق وحدي، وربما لهذا آن أوان أن تكشف لي سرها وتُريح قلبي من كرهٍ يكنّه لشاشة سينما.

على بعدِ خطوات، بوابة إحدى دور العرض، وأفيش مرسوم لرجلٍ على موتسيكل يعزف العود، يبدو وكأنه جني المصباح، حتى إنني اعتقدت لوهلة أنه فيلم رسوم متحركة، لكن خِفت أن أسأل فاطمة فأفضح وجهي الجاهل بحبيبتها إذا لم يكن هكذا، فيقلّ حُبها لي ويزداد للسينما وأنا المحارب لكسب نطفة جديدة داخل قلبها.

تأكدت من جهلي مع أول لقطة، وتمتمت داخل نفسي بالحمد على تجاوزي السؤال، وجلست أتابع.

في الواقع، كنت أراقب فاطمة أول العرض، أسرق نظرتين وأعود لأتابع الفيلم وأنا أشدُّ على أسناني من الغيظ، لم تعد ملكي ولا ملك نفسها حتى، تجاوزت كل شيء وصارت لا ترى سوى ذلك السحر الذي يأخذها من الدنيا بمن فيها، بينما أنزف غضبًا وغيرة.

صمتٌ مفاجئ عن الكلام، يتخلله صوت تنهدات فاطمة، وموسيقى ربانية آتية من حيث تنظر، جعلتني ولأول مرة أنسى غيرتي، بعد أن سُرقَت عيناي منها ومني، وراحت تتابع كفًا يتحسس جدران البيوت القديمة، وأصابعٌ تدق كعقارب الساعة، وأقداما تخطو بحرص على الطريق داخل حارة عتيقة، حتى استدل الكفيف على قِبلته.

«صباح الخير يا عم مجاهد»

يقولها شيخنا، ثم ينصرف ليصنع حكاياته عن البهجة والحزن والحب والخيانة، يكشف ألاعيب الحارة وأبنائها، كما لو كان عالمًا ببواطنِ الأمور، أو هو كذلك فعلاً، يغوص في أعماقها كبحارٍ ماهر، وهو غارق في شبر، ويتحدى أصحاب الحيل والنفوذ، وهو أبعد ما يكون عن القوةِ والعضلات، لكن عقله يزن سبع قارات ببحارها، والكل يعرف ذلك.

تارة تراه بفضولِ طفلٍ تجاه لعبته الجديدة، وجنون صبي يريد أن يكتشف الدنيا بالمغامرة. يقود موتوسيكل، وما المانع؟ ويأخذ نمر من ألقاه في النيل أيضًا، وإذا لزم الأمر «يشوف في النور وفي الضلمة كمان».

وتارة أخرى بقلبِ شابٍ في العشرين، يريد أن يمتلك نساء الدنيا بين كفيه، الحسناوات منهن تحديدًا، ولا تسأل كيف يعرف الحسناوات، لأنه يعرف الزفر من ريحته، وابنه من خطوته، وطريقه من لمسة على الجدران وطرقعة صوابع، لا يَغلب، ولم تغلبه المحنة والظروف، يقرأ الطالع ويفضح المستور ولا يبالي.

«عارف يا يوسف، أنا ساعات بقوم من النوم يا أبني نَفَسي مقبوض وحاسس إني هاتخنق، ببقى عاوز حاجة واحدة بس، أسوق موتوسيكل وأطير بيه»

أنا الطفل الذي كان على أتم استعداد لحرقِ كل سينمات العالم لتحبه فاطمة أكثر من أي وكل شيء، صرتُ أشفق عليها من نظرةٍ في شاشة، ذبت، كقلبٍ مسّه الشوق تمامًا، ودون وعي أصبحت لا أردد على نفسي سوى: «دلوقتي أنا مش عايز ألمس الأرض.. عايز أطير»، ولا أرى جمال العالم الحقيقي إلا مغمض العينين، لأن في هذ الحالة فقط سأرسمه على طريقتي، سأتحسس الأشياء حولي علها تفصح عن سرها الذي يعرفه شيخنا تمام المعرفة، حتى يد فاطمة لمستها حين مرر كفيه على وجه ابنه وقال بقلب ممتلئ بالحب: «كبرت يا يوسف ووشك اتنحت».

كيف لهذا الكفيف أن يرى الدنيا أفضل مني ومن ملايين الأعين؟ وكيف وقعت في حبه هكذا من النظرة الأولى؟.. مسكينة يا فاطمة.

أخبط كفًا على كف وأفوق للحظة أُعدِّل فيها تساؤلاتي لنفسي، ففي الحقيقة، كيف لممثل أن يتسلل إلى روحي إلى هذه الدرجة حتى أختزل براح العالم في شاشة مستطيلة أتوه معه فيها؟ كيف وأنا مدرك تمامًا أنه ممثل؟

لم أحتمل السكوت أكثر، فصرخت في وجهها فجأة «من هذا يا فاطمة؟»، لتنتفض من غفلتها وترد بدون تردد «إنه كبيرهم الذي علمهم السحر».

عرّفته فاطمة قبل أن يكتشفه رضوان الكاشف، منحته اللقب الذي يستحقه قبل الفيلم بسنوات، ومنحتني قًبلة الحياة على رأسي بعدها، وكأنها تقول لي «اليوم أتممت لك قصة حبي».

«وكل واحد مننا يركب حصان خياله»

يقول العارف بالحب، أنه عندما رأى حبيبته عرفها من النظرة الأولى، فذهب إليها وهمس: «أتدرين، وأنا طفل عمره سنتين، كنت لا أنام إلا على كف عمتي زينب، وكنت أزحف من حارتنا لحارتها، وذات ليلة هرع أخي الكبير ليبحث عني في البلد كلها، حتى وجدني أزحف قليلا وأمشي قليلا، كنت أبحث عن بيتِ زينب.. أقول لكِ شيئًا، شعرت الآن أنني كنت أبحث عنكِ أنتِ»، وأقول أنا لفاطمة: «أتدرين، أحبك جدا، لكنني صرت الآن أحبك جدا وجدا وجدا.. لأنكِ تحبين السينما».

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق وزير الزراعة: التعديات على الأراضي «جريمة في حق الأجيال القادمة»
التالى رباط عنق أسود من فضلك