أخبار عاجلة
شروط القاهرة والرياض تؤجل انهاء الخلافات -
إزالة 279 منزلاً وتعويض أصحابها برأس غارب -

الغثيان*.. من يدير الدولة؟

الغثيان*.. من يدير الدولة؟
الغثيان*.. من يدير الدولة؟

(1)

أحتاج إلى كميات كبيرة من «الموتيليام».. ما يحدث في إدارة البلاد يصيبني بالغثيان والدوار.

(1+)

«الوضع سيئ.. سيئ جداً، لذلك أشعر بالقذارة في كل مكان.. أشعر بالغثيان، لقد طاردني ذلك الشعور المقرف حتى داخل غرفتي الخاصة، ولم أعد أعرف أين أذهب، فقد أصابنى دوار ثقيل وتداعى جسدي منهارا على المقعد، وملأتني رغبة جبارة في التقيؤ، ومنذ ذلك الحين لم يتركني الغثيان».

(2)

ما يحدث في البرلمان هذه الأيام يخيفني كفيلم رعب مقزز.. لا أتحدث عن أشخاص، لكن عن أداء.. لا أتحدث عن جلسات محددة، ولا وقائع بذاتها، ولا قرارات بعينها، ولا حتى عن خلاف في تفاصيل. أتحدث عن توجهات مريبة تستخدم أكثر ما يفزعني و«يقرفني» ويدفعني للتقيؤ.. وأقصد «استخدام الحق في تمرير الباطل، وتكريسه، والالتزام الصارم به كدستور خفي مضاد لمصالح البلاد والعباد.

(2+)

«ليس بوسعي أن أكتب كتابة واضحة عن قصص اليوم وأمس، أو ما تعود الناس أن يسمونه بالحدث».

(3)

منذ شهور وأنا (على غير عادتي) أتابع أداء البرلمان، منتظراً «السمنة من بطن النملة»، فأنا أراهن على موقف وطني قد يتبلور تحت القبة عند نظر قضية «تيران وصنافير» بما تتضمنه من دلالات استراتيجية ووطنية خطيرة، أحلم ألا يختلف عليها نواب المعارضة ولا نواب «الموالاة»، لكن ما يحدث لا يبشر بخير.

(3+)

«لا أستطيع أن أكتب.. فما الذي سأصنعه بحياتي؟! (...) كم أود لو استسلم، لو أنسى نفسي، لو أنام، لكنني لا أستطيع، إنني أختنق، وأشعر بتلك القذارة تخترقني من كل مكان، من العينين.. من الأنف.. من الفم... وفجأة يتمزق الحجاب: لقد فهمت لقد رأيت».

(4)

لن أسأل: لماذا لم يطرح البرلمان على أجندته قضية فوضى القروض الضخمة، ويتقصى ما وراءها، ومدى جنايتها على الأجيال اللاحقة، وقبل ذلك كله مدى دستوريتها، لن أسأل عن المستوى الذي صدرت به تشريعات كثيرة سابقة، وعن الطريقة التي تم بها تمرير تلك التشريعات دون دراسة كافية، ودون إفساح المجال لنقاشات موسعة تضمن أن تحقق القوانين الهدف المرجو منها، وليس أهدافا عكسية، ولن أسأل عن سر تأخير إقرار عضوية النائب عمرو الشوبكي، برغم الأحكام القضائية النهائية، ولن أسأل عن ما حدث مع النائب علاء عبدالمنعم فيما يخص مشروع قانون المواطنة وعدم التمييز، ولا عن سلوك ولغة النواب تحت القبة وخارجها، سأسأل فقط: من أي جهة يدار البرلمان؟

(4+)

«يخيل إلى أن رأسي يمتلئ دخاناً.. إنه شعور متكرر: دخان.. دوار.. تشوش، لا أريد أن أفكر، أفكر بأنني لا أريد أن أفكر، يجب أن أفكر بأنني لا أريد أن أفكر! لكن هذا أيضاً تفكير!.. يبدو أننا لن نفلت أبداً من ذلك الدخان ومن ذلك الغثيان؟».

(5)

من أي جهة يدار البرلمان؟!

هذا سؤال برىء وجاد جدا، ليس اتهاماً، ولس تلميحاً منفلتاً للتشكيك، حتى لا يرفع بعض الفرسان من فوق «أحصنة الحلاوة» سيوف الحصانة والمتانة، ويريقون الدم على الجوانب، ليسلم الشرف الرفيع من الأذى، والسؤال مرة أخرى بكل براءة ونزاهة وشفافية: من أي جهة يدار البرلمان؟

(5+)

«إن العبثية تولد الآن تحت سن قلمي».

(6)

ثارت أقاويل كثيرة في فترة التحضير للانتخابات البرلمانية، عن جهات تتحكم في هندسة النتيجة، بما يتلاءم وهوى الدولة (وأعترف أنني فشلت حتى الآن في معرفة من هو، أو هي هذه الدولة)، وأنبه إلى أنني لا أتحدث بأثر رجعي (اللي فات شربناه وخلاص)، بل أتحدث عن أمارات الاستقلال والندية لمجلس تم تشكيله، ويقوم بدوره التاريخي والدستوري.. لمؤسسة جوهر وجودها هو ضمان نزاهة وملاءمة التشريعات لتحقيق مصالح الناخبين وليس المديرين للدولة، وأزيد فأقول أن من واجبها الأساسي أيضا أن تراقب وتضغط على أولئك المديرين التنفيذيين (منتخبين أو معينين لافرق)، لكنني برغم متابعتي المضنية، لم أجد ما يشير إلى أداء البرلمان لدوره الجوهري، بل مجرد أداء مظهري، يتضح منه بالتصريحات والخطب والممارسة والتوجه أنه ليس إلا كتيبة دعم للسلطة التنفيذية وليس للناخبين.

(6+)

«لقد حدث تغيير ما. لكن ما الذي تغير؟ وأين؟.. هل أنا الذي تغير أم هذه المدينة، أم العالم بأسره؟!.. ما أعرفه أنه مجرد تغير شكلي لا يوحي بشىء جديد فعلا».

(7)

كنت قد طالبت من قبل بمؤتمر موسع لإعادة تنظيم مؤسسات المجتمع المدني، والاستفادة من ضرورة وجوده، وترشيد الأخطاء التي نجمت عن تأخر الدولة في فهم الدور والآلية التي يجب أن تعمل بهما الجمعيات الأهلية كجناح يأخذ بيد مصر نحو المعايير الدولية، فلا يحبسها في قفص الدولة المملوكية العتيقة، أو يتركها فريسة للتبعية الخارجية، ولما صدمتني طريقة تنظيم المؤتمرات، وحصادها الاستعراضي الفارغ، لم أعد أراهن على فكرة المؤتمر، وانتظرت كلمة البرلمان عند نظر مشروع قانون الجمعيات الأهلية.

(7+)

«ما الذي يريده؟!.. لا بد أنه مدرك أن أحدنا لا يستطيع أن يصنع شيئاً للآخر».

(8)

لا يهم أن يكون لكل طرف قانون وتوصيات، فالتعدد مطلوب، والعنوان المطروح يكفي لكشف المواقف، فالحكومة تقدمت بقانون، وثلت نواب المجلس تقريبا تقدموا بقانون، والحقوقيون ونشطاء المجتمع الأهلي لم يتوقفوا عن إشهار توصياتهم وإعلان تحذيراتهم، لكن كل ذلك لم يخضع لنقاش، ولم أسمع فيه آراء معتبرة تحت القبة، كانت الأصوات الصارخة، وطريقة العمل تقدمان لي إجابة مخيفة، فحواها هي «ضرورة السيطرة» على منظمات المجتمع المدني وتحجيم دورها، وسد ممرات تمويلها من الخارج بلا بدائل داخلية، وغرامات وحبس وتوفيق أوضاع على وضع غير مفهوم، إلا أن الجهة التي تدير كل شيء باسم الدولة، قررت أن تدير أيضا منظمات المجتمع الأهلي، حتى إن الحكومة والبرلمان معا تجاهلا توصيات المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة مصرية تجملت الدولة بتدشينها ورعايتها، ويمكن اعتبارها بطريقة أو بأخرى من بين مؤسسات الدولة التي يحث (إن لم يكن ينص) الدستور (أبوحُسن نية) على الاهتمام بتوصياتها، لكن الجهة الغامضة التي تدير كل شيء (حتى مزاجي في الكتابة ومستوى ضغط دمي)، لا تعترف إلا بما تريد ولا نريد، وأظنها لا تعترف لا بحكومة، ولا ببرلمان، ولا بدستور، ولا بمواطنين طبعاً.

(8+)

«الليل يخيم، وهناك نافذتان مضيئتان في الجوار، وغداً سيهطل المطر على محطة الانتظار ويغسل الميدان الكبير، حينها سينتهي شعوري بالغثيان».

..........................................................................................................................................

* «الغثيان» عنوان رواية شهيرة لـ«جان بول سارتر»، والفقرات التي تحمل علامة (+) مقتطفات من الرواية

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مليشيا الحوثي تختطف 10 مواطنين من عمران أثناء زيارتهم لرفيقهم في المستشفى
التالى مصر تشارك في المؤتمر الـ13 لاتفاقية التنوع البيولوجي بالمكسيك