أخبار عاجلة
موسى والفقى يناقشان «الصعود إلى القمة» -
برلماني عن خطاب «السيسي»: كان صريحًا جدًا -

استيراد الماكينة الكاملة

استيراد الماكينة الكاملة
استيراد الماكينة الكاملة

لا يوجد فى العالم صندوق دولى لدعم التحول الديمقراطى والحكم الرشيد يمكنه أن يمول برامج إصلاحات سياسية للدول تنحو هذا النحو، و«يفرض» شروطاً أو معايير محددة لقبول هذا التمويل، على غرار صندوق النقد الدولى، الذى يمول البرامج الحكومية للإصلاح الاقتصادى، ويأخذها وفق عقيدته الثابتة باتجاه اقتصاد السوق المفتوحة، وتحفيز النمو، والتقشف وتقليل الإنفاق حتى لو بفاتورة صعبة يدفعها الناس من تقليل الخدمات المقدمة لهم، سواء فى الرعاية الاجتماعة أو فى تدخل الدولة المباشر فى ضبط الأسعار.

لدينا الآن خطة إصلاح اقتصادى ممولة من صندوق النقد، وموجهة كذلك من الصندوق. المكاسب من هذه الخطة كثيرة على المستوى البعيد كما يقال، أقلها قيمة القرض، مروراً بتعزيز الثقة فى الاقتصاد المصرى، انتهاء بقدرته على النمو وخلق الوظائف.

لا تعبر قناعات الصندوق فقط عن سياسات مجردة، وإنما عن قناعات أساسية وقيم ثابتة، ميزت تلك القيم بين معسكرين فى وقت من الأوقات كان الخلاف الرئيسى بينهما حول دور الدولة فى التنمية والاقتصاد ورعاية المواطنين بدعم مباشر، وحين تقبل الدولة بهذا البرنامج وتروج له، وتقدمه لمواطنيها باعتباره إنجازا كبيرا، فهى على الأقل اختارت هذه القيم وانحازت لها انحيازاً هو الأوضح تماماً منذ 40 عاماً.

لكن هذه القيم التى تراها ناجحة فى كثير من دول العالم، والغرب فى مقدمتها، ليست مجرد قيم اقتصادية معزولة فى الممارسة عن السياسة والمجتمعات الحيوية المتنوعة وثقافات حماية حقوق الإنسان كإنسان وكمستهلك، ومشاركته فى صناعة القرار عبر مؤسسات انتخابية، وعبر اختيار من بدائل متعددة جرى تجهيزها فى مناخ محفز وليس خانقاً أو طارداً.

فى أواخر العام 2010، كتب الدكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية الأسبق، مقالاً فى صحيفة «واشنطن بوست» عن مصر التى يراها أمامه. كانت الرسالة الرئيسية للمقال أن يقول للأمريكيين والعالم الغربى «نحن نشبهكم أنتم ولا نشبه المتطرفين ولا الراديكاليين، نؤمن باقتصاد السوق الحرة مثلكم، وبالقطاع الخاص كمحرك للنمو وقائد للتنمية، وبدور الدولة كمخطط ومراقب غير متداخل فى الصناعة ولا التجارة ولا الخدمات».

وقتها كنا نحاول أن «نشبههم» فى اقتصاد السوق، لكننا لم نشبههم فى معايير الحكم الرشيد ولا الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمقال الذى كان فى حدود الألف كلمة أو أكثر، لم تُذكر فيه كلمة الديمقراطية مرة، ولم يتطرق فيه لانتخابات نزيهة أو مجلس نواب ممثل لتنوع الشعب المصرى، ولا حياة حزبية حقيقية، ولا حتى منظومة حماية فاعلة من تلك اللصيقة الصلة باقتصاد السوق كحماية المستهلك ومكافحة الاحتكار ومناهضة تعارض المصالح والفساد.

هذه إذن قيم مكتملة، يمكن اعتبارها ماكينة كبرى، ما قيمة استيراد جزء منها فقط؟

قبل الانتخابات الأمريكية الأخيرة بأسابيع كتب الكاتب الأمريكى الشهير توماس فريدمان مقالاً عنوانه «3 مصادر للقوة الأمريكية»، اعتبر فيها أن نموذج بناء التفوق الأمريكى قائم على 3 محددات «ريادية الأعمال ودور الشركات فى عملية النمو وخلق الوظائف، والتنوع والتعدد اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وأخيراً جودة مؤسسات الحكم».

لا يوجد لدينا مصدر واحد من هذه المصادر ونحن نحاول أن نبنى نموذجنا فى المنطقة، وهو نموذج غير قابل للنجاح والتأثير دون ربط حركة الاقتصاد بحيوية السياسة وكفاءة المؤسسات، ما يعنى استيراد الماكينة كلها من «اقتصاد حر، شركات متعددة تعمل بحوافز محددة وتخلق الوظائف، مناخ استثمار موات ومشجع، مؤسسات تنظيم قوية وكفؤة، أجهزة حمائية حقيقية تكافح الفساد وتضمن للمستهلك حقوقه الكاملة، برلمان يعكس تنوعاً على الأقل متمسك بصلاحياته الدستورية، تنوعا سياسيا واجتماعيا وثقافيا مدارا برشد، قيم محاسبة ومكاشفة تضمن الحق فى المعرفة وتداول المعلومات، سياسة حيوية بأحزاب حقيقية قادرة على إنتاج السياسات دون الشعارات، والرؤى المحددة دون المزايدات، وقبل كل ذلك تعليم جيد يدعم هذه الماكينة الشاملة».

لكننا مازلنا بعيدين تماماً عن ذلك، حتى إن الإعلام القريب من الدولة لم يجد فائدة لمصر من فوز «ترامب» بالرئاسة الأمريكية سوى أنه «مش هيصدعنا بالكلام والضغط على حقوق الإنسان»، وكأن كل ما أعلنته وتعلنه مصر من التزامات نحو حقوق الإنسان كان مجرد استجابة لضغوط رؤساء أمريكيين سابقين.

لا نمو اقتصاديا ناجحا ومستداما بدون حقوق إنسان.. وهى حقوق تتجاوز الفكرة الشائعة عن المعاملة فى السجون وأقسام الشرطة، وتمتد إلى حقوق اقتصادية واجتماعية تضمن عدالة سوق العمل وحماية المواطن من الفساد والاحتكار، وضمان كفاءة ومستوى الخدمات المقدمة له والممولة من جيبه، وامتلاكه أدوات التعبير عن نفسه والمشاركة فى القرار والاختيار من بين بدائل متعددة. الماكينة كلها التى ستضمن لنا أن نكون نموذجاً ملهماً فى المنطقة، وليس القرض، أو نسبة نمو تُسجل فى الدفاتر ومؤشرات التصنيف، ولا نجدها فى الشارع.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الولايات المتحدة تعرض مساعدة باكستان فى انتشال ضحايا حادث طائرة الركاب
التالى رباط عنق أسود من فضلك