أخبار عاجلة
ضبط 149 هاربًا من أحكام جنائية و193 فضية مخدرات -
مروى تسجل أغنية «هي كلمة» لفيلم «الفندق» -

الاقتصاد المصرى «السَجين».. وقبل أن تتحول النُكتة إلى مِحنة..!

الاقتصاد المصرى «السَجين».. وقبل أن تتحول النُكتة إلى مِحنة..!
الاقتصاد المصرى «السَجين».. وقبل أن تتحول النُكتة إلى مِحنة..!

1- المقهى..

على مقهى «الشارع والمشروع» جلسوا جميعاً..!

يتصاخبون.. يتكايدون.. يثُرثِرون.. ولكن فى المُجمل لا يقولون شيئاً يَحمل أى معنى ولا قيمة ولا فائدة..!

أفتَوا فى كل شىء واختلفوا على كل شىء.. فى الدين.. فى السياسة.. فى الرياضة.. فى الفن.. فى الاقتصاد..!

وَسَّدُوا الأمرَ إلى غيرِ أهله فى كل شىء أو كادوا.. وهُم جميعاً إلا من رَحِمَ.. مُحبَطون ولا يُبالون بشىء..!

فى خِضَّم العراك اليومى.. طلب أحد أبناء «الشارع» شاياً.. فرد عليه صبى المقهى..«مافيش سُكَّر والله يا أستاذ»..!

وطلب الثانى أرز باللبن.. فأجابه الصبى مرة أخرى.. «والله مافيش أرز يا أخوانا.. وغالباً مفيش لبن»..!!

وهنا نَقَحَت عليهم جميعاً خاصة أبناء «المشروع» غُدَّة التَقَعُر.. وانبرى أحدُهم.. لينهَر القهوجى المسكين..: يعنى إيه.. مفيش.. مفيش.. إنت عاوز تقول إن فيه مشكلة اقتصاد فى الدولة والا إيه..؟!!

فأجابه الثانى من أبناء «المشروع» (بتَقَعُرِ أكثر): يبدو ذلك.. ولكن لو فيه.. فهى فى طريقها للحل..!

انزعج «المشروعى» الأول وسأل بخوف: مين اللى فى طريقها للحل.. «الأزمة».. أم «الدولة»..؟!

ليرد «المشروعى» الثانى برخامة لا تخلو من زهو: الأزمة طبعاً.. وبمدرسة مصرية جديدة فى الاقتصاد..!

2- المدرسة والنكتة..

تطلع رواد المقهى البائسون شغوفين ليسمعوا عن تلك المدرسة المصرية الجديدة.. والتى يلتمسون فيها المخرج والنجاة.. وتطلعوا أكثر لبعضٍ من «أبناء الشارع» النُبَهاء ممن يُتَوسَمُ فيهم العقل قبل الصدق ليفهموا منهم..

يعنى إيه مدرسة اقتصادية بالأساس..!

بدأ ذاك «الشارعى» العاقل يتحدث بوَجْل وهو يتمنى أن تنجو تلك المناقشة- «المصيرية»- من براثن الغوغاء التقليديين.. الذين ابتُلىَ بهم الواقع.. - من شتامين جهلاء ومرتزقة كل سلطان.. علَّ الوطنُ يَظفَرُ بلحظات من هدوء يلتقط فيها أنفاسه من بين مخالب هؤلاء.. وعلّنا نعرف أين وجهة مُستقبَله وكيف المسير إليها..َ!

بدأ شارحاً: الاقتصاد فى الدنيا غالباً على مدرستين.. تتداخلان كثيراً الآن..

إما الاقتصاد «المُوَجَّه» على مدرسة «جون ماينارد كينز» ومن بعده.. وده اللى الدولة بتستثمر وتُدير عجلة مشروعات كبرى.. ولكن وهى ضامنة لحرية الأفراد ولسلامة إبداعهم الاقتصادى وأموالهم من خلال «قانونِ سَيّد» الكل أمامُه سواء.. فقراءً وأغنياء.. مستثمرين أو مستهلكين.. لكل حقوقه وعليه واجباته.. حتى لو الدولة وأجهزتها هم المستثمر..

مع تشريعات خاصة لحماية الطبقات الأكثر هشاشة والأفقر والأضعف تعليماً حتى تقوى وتجد طريقها على سلم الترقى المجتمعى..!

استطرد «الشارعى» المستنير: إما الاقتصاد «الحُر» على مدرسة «فردريك فون هايك» و«ميلتون فريدمان» ومن بعدهم.. وتلك التى تُترَك حركة السوق فيها كقوى الطبيعة.. تتحكم فى «الوجود والصعود والصراع» الاقتصادى.. دونما أى نظر أو إجراءات حِمائية من الدولة للمجتمع.. فالمجتمع أقرب إلى غابة اقتصادية.. البقاء فيها للأصلح.. حالة «داروينية» اقتصادية..!

وهى دى المدرسة اللى انتهت إلى أزمة مالية كبرى فى عام ٢٠٠٨ لتحدث عنها ردة إلى الاقتصاد شِبه «المُوَجَه».. وصعود أكثر لمدرسة الاقتصاد الاجتماعى كما فى دول أسكندنافيا ومعظم دول الغرب الآن وحتى الولايات المتحدة..!

الأهم أنه فى كلتا المدرستين.. لم تجد أيهما صدى أو تنتج أى قيمة إلا من خلال عقيدة سياسية واضحة..

عقيدة حُكم.. حَسَمت أولاً.. لماذا «الدولة».. قبل أن تحدد لماذا «الاقتصاد»..!

يعنى- بعبارة أسهل- كان هناك حسم لمعنى الدولة ودورها فى حياة مواطنيها..

هل هى دولة «الردع بالقانون» وليس «القمع».. دولة أولوية منع الاحتراب المجتمعى.. كما عند «توماس هوبز»..

أم دولة «الحرية» أو التى دورها فقط أن تُخَلى بين الناس وبين حرياتهم.. دونما التدخل فيما يعملون.. كما عند «جون ستيوارت ميل»..

أم دولة «العدالة والكفاية الاجتماعية» كما عند «بياتريس ويب» وجماعة الفابيان من بعدها..

أم دولة «مصادرة حياة البشر» لمجرد كونهم رعاياها.. فَـ «هُم وأفكارُهم وحُرياتهم وأموالهم».. ملك لها كما كانت فى النموذج الشيوعى الشرقى..!

ببساطة أكثر.. لم تُبنَ عقيدة اقتصادية إلا على أرضية عقيدة سياسية أو عقيدة حُكم واضحة.. كما لم تُبنَ عقيدة عسكرية إلا على أرضية وطنية واضحة تقول من العدو.. وتُحدد طبيعة الصراع..!

وهنا تدخل مجموعة من «أبناء الشارع» البسطاء ليسألوا متلهفين: طيب وإحنا بقى عملنا إيه فى الاقتصاد بتاعنا أو حنعمل إيه.. «وَجِهناه» أم «حَررناه»..؟!

وكأنها كانت إشارة فإذا بأحد «أبناء المشروع» يقتحم المناقشة بجلافة كعادتهم وبثقة الجاهل يقول: لأ فى الحقيقة.. لا «وَجِهنَاه» ولا «حَررنَاه»..«سَجَنَّاه»..!!

ذُهِلَ الحضور لوهلة.. ولم يفهموا شيئاً.. فاستطرد «المشروعى» المتقعر..

أولاً ياجماعة.. دى مدرسة مِصرية صِرف.. تُغَاير كل ما فعله الغرب.. وتُناسب الخصوصية المصرية.. وهى نتاج طبيعى ليكون عكس الاقتصاد «الُحر» الذى أثبت فَشَلَه.. وتكثيف للاقتصاد «المُوجَه» الذى أثبت تُرهَلَه..

وبعدين عكس الاقتصاد «الحر».. حيكون إيه يعنى..؟!

أكيد الاقتصاد «المسجون»..!!!

استطرد المتقعر:.. يعنى يا إخوانّا … بدل ما الأصول المالية اللى جُوه البلد حد يبددها بسوء تصرف الاقتصاد «الحر».. أو الدولة تدير أصولها كما يجب.. أهو نِجْمَع الأصول المالية فى «حَصّالة» كبيرة.. ونطلع كل المخبوء فى البلد.. وبعدين أكيد نِشَغَّل الاقتصاد.. والمواطن أهو يِستحمل معانا شوية.. وأكيد اقتصاده حيشتغل حيشتغل..!

استفز كلام الرجل بعضا من حضور المقهى ممن ما زالوا يقبضون على بعض من عقل.. وظنوا من فرط سخف «المشروعى» حتى وإن بدا جاداً.. أنها نكتة.. لا أكثر..!

ولكن حين تمالكوا أنفسهم.. وجدوا أن كلام الرجل لم يجافِ الحقيقة فى كثير.. حتى وإن أراد هو أن يُبَاهِى بما لا يُبَاهَى به.. بكلام أقرب للهذيان..

وجدوا أن جذور «النُكتة» مغروسة فى أرض «المِحنة»..!

3- الحال..!

وجدوا أن «الاقتصاد المصرى» بالفعل «سجين»..!!

سجين سطحية التفكير وغوغائية الطرح..

سجين التفكير بغريزة البقاء..!

سجين كونه أداة للإغاثة أو التسكين.. وليس مدرجاً للتنمية وميداناً للأمن القومى..!

سجين الفكر الريعى والخدمى لا الإنتاجى..

سجين غياب العدالة الناجزة وتسييس منظومة الأمن..

سجين الخوف من الإبداع وتجفيف منابعه أكثر من تجفيف منابع الإرهاب..

سجين الخوف من الحرية..

سجين كُره العدل..

سجين التوريث المؤسسى للإدارة والحكم..

سجين احتكار القرار الاقتصادى فى السياق الأمنى..

سجين الانكفاء على الذات..

سجين الانتقائية والاجتزاء فى الحل.. والسطحية فى تشخيص المشاكل الاقتصادية وفصلها عن جذورها الاجتماعية والسياسية..!

سجين الإمعان فى التسويف.. والإصرار على تناول قضايا الاقتصاد اليوم بما عجز أن يداويها بالأمس..!

سجين الخطاب المزدوج الذى يتحدث عن التنمية ولا يقدم إلا نُذُر الإغاثة.. ولا يفهم غير الإغاثة..!

سجين الحديث الشعبوى عن الانفتاح والشفافية.. ونحن نؤسس لبارانويا المؤامرة..!

سجين النقل بلا عقل.. عن القديم والحديث سواءً بسواء.. فإذا بحثنا فى ماضينا نقلنا بلا عقل.. وإذا استشرفنا -مضطرين- ما فى حداثة الحاضر.. نقلنا أيضاً بلا عقل..!

سجين العقلية الأحادية واحتكار الوطنية..!

سجين أوهام تقول إن الاقتصاد هو الموارد.. هو أموال تجبى.. ومرافق تبنى..

أوهام لا تعرف أن الاقتصاد هو «قاعدة الثقة» التى تؤمن المواطن مستثمراً أو عاملاً على يومه وغده.. هو «سياق الحرية» الذى يفضى للإبداع وللتنافسية المنتجة.. هو «عدل الإتاحة وعدل الثواب».. قبل عدل العقاب والملاحقة..!

4- الاقتصاد..

بالضرورة تحرير سعر الصرف كجزء من سياسة نقدية رشيدة هام.. ولكن سعر الصرف ليس هو الاقتصاد..!

وبالضرورة تحصيل الدولة لعائدات الضرائب والخدمات واجب وضرورى.. ولكن الجباية ليست هى الاقتصاد..!

وبالضرورة النظر فى ما جاء فى حزمة الحلول الفنية الواردة إلينا من «بنك دولى أو صندوق نقد» أو غيره له وجاهة.. وقد يؤخذ بها.. ولكنها تبقى ليست الاقتصاد..!

فبغير أن تعرف الدولة المصرية ماذا تريد من مواطنيها ولمواطنيها.. لن يكون هناك اقتصاد..!

فبعيداً عن موروث حديث الهيبة ومفردات الأبوة والبنوة التى غالباً ما تنتهى إلى الوصاية وإلى توهم مصادرة حياة الناس..

وبعيداً عن الجُمَل العاطفية المطاطة التى لا تتنمى لقاموس سياسة ولا منطق.. والتى لا تؤسس ملكية لوطن ولا تحمى انتماءً له..!

سؤال لكل من اعتقد فى مصر وطناً.. لنا جميعاً..

هل تريد مصر أن تكون هى الدولة «القامعة الطاغية» باسم ضمان السلام المجتمعى والأمن.. ولن تستطيع..!

أم هل تريد أن تكون الدولة «الضامنة للحريات» والحارسة لها.. التى تُخَلى بين الناس وبين أحلامهم وقدرات إنفاذها.. ولِتُفلح إن صَدَقت..!

أم تريد أن تكون هى الدولة الكافلة للعدالة والكفاية والرفاه لمواطنيها وهى بالضرورة حارسة لحرياتهم.. قائمة على العدل بينهم.. ولتطمح لذلك ولا تخشاه.. فالطريق يبدو طويلا ولكنه مُجزٍ وخَيِّر..!

لتعرف الدولة عقيدتها.. علّنا نُفرِجُ عن الاقتصاد وربنا يفك حبسه.. وقبل أن تتحول النكتة إلى محنة.. وأكم من نكات استحالت محناً..!

فَكِّرُوا تَصِّحُوا..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك