أخبار عاجلة

ترامب وأوباما.. وباريس ٢٠٠٨!

ترامب وأوباما.. وباريس ٢٠٠٨!
ترامب وأوباما.. وباريس ٢٠٠٨!

باريس. فى السادسة من صباح السبت، الموافق ٢٩ سبتمير ٢٠٠٨. كنت أقف أمام بوابات معرض السيارات الفرنسى العملاق، Mondial de l›Automobile. أو معرض باريس الدولى للسيارات، الذى يعد أهم حدث فى الصناعة بعد معرض فرانكفورت. وقتها، كانت أزمة صناعة السيارات الأمريكية قد بلغت ذروتها. المصانع لم تعد قادرة على تغطية تكاليفها. منتجات لم تعد مطلوبة، خسائر خيالية، عمالة مهددة. التضخم كان يلتهم كل شيئ، مهددا صناعة «ديترويت» التاريخية!. مأساة صناعة السيارات الأمريكية، لم تكن أبدا وليدة الأزمة الاقتصادية العالمية. فى ٢٠٠٢ حذر خبراء الاقتصاد فى أمريكا، من نسب التضخم العالية داخل شركات السيارات. بجانب انخفاض المبيعات أمام المنافسين الأجانب، بالتحديد تويوتا وهيونداى وفولكس ڤاجن.

المشاكل ظلت تتصاعد، حتى جاءت الأزمة العالمية. ويمكن القول بأنها كادت أن تنال بالفعل من صناعة السيارات الأمريكية بالكامل، لولا ظهور رجلا واحدا فى المشهد. الرئيس الأمريكي باراك أوباما!. أسابيع قليلة حتى يستقبل البيت الأبيض الرئيس الجديد أوباما. أمريكا كانت فى وضع اقتصادى صعب. قطاع العقارات كان يعانى، معدلات البطالة عالية، مشاكل الائتمان...إلخ. قطاع السيارات كان يعيش أيضا أزمته الكارثية. الصناعة بأكملها كانت مهددة. ولكنها كانت طوق نجاه لإدارة أوباما، إنقاذها سوف ينقذ ركن كامل من أركان الاقتصاد الأمريكى.

كان هذا هو الوضع باختصار فى ذلك التوقيت. دخلت معرض باريس، الأجنحة الأمريكية كانت متواضعة. فى صالة خاصة مخصصة للاجتماعات التقيت «مورين كمبستون» نائبة رئيس مجموعة چنرال موتورز. ولم تكن تلك الدورة من معرض باريس مثل جميع دروات المعارض العالمية السابقة أو اللاحقة. فالملامح الحزينة والتصريحات المتواضعة كانت تطغى على معظم المسؤولين فى صناعة السيارات وقتها. الأزمة العالمية لم تكن رحيمة بهذا القطاع.

تحدثت مع نائبة رئيس المجموعة فى عددا من النقاط، وكان أول سؤال وجهته لها محددا جدا: هل تخطط GM لاسترجاع مركزها العالمى «الأول» فى المبيعات؟ وكان ردها بسيط. المجموعة تسعى إلى تقليل النفقات بإعادة الهيكلة، وزيادة الأرباح بتقديم منتجات مناسبة. بجانب تطلعها القوى للحصول على دعم غير محدود من الرئيس الأمريكى الجديد. المركز العالمى ليس ضمن الأولويات الأن. ولا أنسى أبدا، حديثى مع أحد السؤولين بشركة أوروبية، فى نفس اليوم. قال لى: «رئيس جديد فى البيت الأبيض، يعنى أملا جديدا فى الولايات المتحدة. ولا تستهين مطلقا بهذا الأمل. وحده جدير بإعادة الأوضاع إلى طبيعتها».

جاء أوباما. وكما توقعنا، كان ملف صناعة السيارات ضمن الأولويات. وطلب الرئيس لقاء رؤساء چنرال موتورز، وفورد وكرايسلر. الثلاثة الكبار كما يسمونهم فى أمريكا. وكان اللقاء مبشرا للصناعة فقد تمت مناقشة القروض التى طلبتها الشركات وإعادة الهيكلة. ولكن وقتها أدرك الجميع أن أوباما ليس شخصا سهلا، وتدخل إدارته فى التفاصيل أمرا حتميا. ففى الاجتماع عنفهم الرئيس عندما علم أن المسؤولين الثلاثة استقلوا ثلاث طائرات خاصة من ديترويت إلى العاصمة. بدلا من السفر على طائرة واحدة، فى ظل ما تعاينه شركاتهم من أزمات!. إدارة أوباما كانت منتبهة جدا للتفاصيل، كانت تتدخل فى الإدارة وتتابع إعادة الهيكلة، وتتأكد باستمرار أن القروض سوف يتم سدادها فى المواعيد المحددة. كرايسلر لم تتحمل الضغوط، سقطت واستحوذت عليها مجموعة فيات الإيطالية. فورد أمريكا كانت تعانى، ولكن بوجود أرباح فورد أوروبا، كان وضع الشركة يبدو مستقرا. چنرال موتورز كانت الشركة الأهم بالنسبة لإدارة أوباما، فهى الكبرى.

خضعت لإعادة الهيكلة وتمت تصفية عدد من الفروع والتركيز على أربع علامات فقط. وتمت متابعة الأداء من قبل أوباما نفسه. فلم تكن تعليقاته تدور فقط حول الطائرات الخاصة والتكلفة. حيث قامت إدارته فى مارس ٢٠٠٩ بإقالة رئيس چنرال موتورز ريك واجونير من منصبه. أداؤه كان أبطأ من تطلعاتها. وأذكر تصريح واجونير جيدا الذى قال وقتها: «خلال اجتماع مع مسؤولين بالإدارة فى واشنطن، طلبوا منى التنحى، وهذا ما فعلته». وتم تعيين فريتز هندرسون خلفا له.

بدأ أوباما يضع خريطة جديدة للصناعة، بداية من المعايير الصارمة للانبعاثات وحتى تشجيع السيارات الصديقة للبيئة، كان يعلم جيدا أن هذه النقاط تحديدا هى سر تفوق الصناعة الأوروبية والأسيوية. ٨ سنوات تغيرت فيها بالفعل صناعة السيارات الأمريكية. تخطت الشركات أزماتها. أصبح المجال مفتوحا للابتكار، سياسات أوباما دعمت شركات مثل «تيسلا»، دعمت مبيعاتها ومركزها المالى، جعلتها تتطور. جعلت صناعة السيارات الأمريكية بالكامل تتطور. وضعتها على الطريق السليم بعد أن كانت قد ضلت الطريق تماماً.

بعد خروج أوباما من البيت الأبيض، ومع المستجدات التى ظهرت بمجرد فوز دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية، مستقبل الصناعة الأمريكية لم يعد واضحا. بالرغم من أن سياسات أوباما فيما يخص الانبعاثات والسيارات الصديقة للبيئة هى التى ساهمت فى تطور الصناعة الأمريكية بسرعة، إلا أن الشركات تسعى للتخلص منها الآن. وسوف تلجأ للرئيس الجديد الذى له فكر مختلف تماما بالتأكيد.

ترامب كان يركز فى خطاباته حول الوظائف التى فقدتها أمريكا، بسبب نقل الشركات لمصانعها فى المكسيك والصين ودول أخرى. ترامب يرى أن هذه وظائف مسروقة من الأمريكيين، ويتجاهل حقيقة أن تكلفة الإنتاج فى هذه الدول أقل!. إعادتها لأمريكا قد يكون مضيعة للوقت والموارد.

وجود عدد من المصانع فى الخارج، يفسح المجال أمام أقسام البحث والتطوير، وتتفرغ المصانع فى الداخل لإنتاج التقنيات المتقدمة. لا أعتقد أن ترامب سوف يلتفت لمعايير الانبعاثات، ولا تقديم دعم قوى للسيارات صديقة البيئة. إذا ركزت سياساته فقط على عمليات التشغيل، بغض النظر عن الدور الذى تقوم به هذه المصانع، فقد يعيد صناعة السيارات الأمريكية سنوات إلى الخلف. أعتقد أن الرؤية حول سياساته مع شركات السيارات سوف تتضح خلال أسابيع قليلة جدا. فقد رفعت له الشركات مذكرة لإعادة النظر فى معايير إدارة أوباما الصارمة. لذلك سوف تكون الفترة القادمة فارقة فى مستقبل صناعة السيارات الأمريكية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق انقضاء 7 دعاوى تتهم وزير المالية بعدم تنفيذ أحكام قضائية
التالى رباط عنق أسود من فضلك