أخبار عاجلة

الأسد.. إلى الأبد

الأسد.. إلى الأبد
الأسد.. إلى الأبد

سمعنا كثيرا فى جيلنا ومما له صدى فى التاريخ، أن الحاكم باق إلى الأبد، حتى ولو ضحى بشعبه، أطفالا ونساء وشيوخا بأنصاف الملايين، قتلاً أو هجرة، تمسكاً بالسلطة حتى ولو ضحى بشعب بأكمله. فبعد التعظيم والإجلال والتفخيم وإسقاط بعض صفات الله عليه مثل: الجبار المنتقم، المهيمن وليس العادل، المقسط. ووضع أحد الحكام اسمه فى مركز الدائرة وحوله تسعا وتسعين صفة، متشبها بالله. لا فرق بين الحاكمية لله والحاكمية للسلطان، لا فرق بين الله والسلطان، ملك الملوك كما سمى نفسه أحد الحكام. وهو باق فى الحكم إلى الأبد. والبقاء صفة لله. لا يفلت العالم من قبضته، ولا يعصى البشر أمره. بيده المستقبل دون أن ينازعه أحد. كل شىء بمشيئته هو وحده فى العالم القوى. ويقوم هذا الخطاب على الغرور والاستكبار، وعلى قول فرعون لقومه «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى». خرج موسى من أهل فرعون ومن بيته. وسانده رجل من قومه «أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ». وكانت نجاة موسى ونهاية فرعون.

وهو تماما الفكر السياسى الشيعى الذى يعتبر الإمام تتجسد فيه روح الله. وهو باقى إلى الأبد. لا أحد يمكن الثورة عليه. فالإمام حاكم إلى الأبد. يُخوّن كل من يثور عليه أو يخرج عن طاعته. فهو الإمام المعصوم الذى يحفظ الأمة من الضياع. وهو لا يموت بل يحل فيه روح الإمام القادم. فهو حاكم إلى الأبد. ولا أحد يظن أن الإمام سيترك الحكم، لأنه معين من قبل الله. مع أن الرسل ميتون «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ».

وهذا هو سبب تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن، دائرة تأثير مصر فى الستينيات. فقد دمرت العراق بتأليه حاكمها، وغزوه جيرانه، إيران والكويت، مما أعطى الذريعة للولايات المتحدة الأمريكية لغزوه والقضاء على حكمه تحت ذريعة امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ثم شنقه هو نفسه يوم عيد الأضحى. وكانت النتيجة تدمير وطنه. وحدث نفس الشىء فى سوريا بتأليه حاكمها العلوى، والعلوية إحدى فرق الشيعة. ولم يستمع إلى صوت الشعب فى عصر الربيع العربى. واستعمل القوة والتدمير. بل سمح لقوات أجنبية، الاتحاد السوفيتى بالمشاركة فى تدمير وطنه حتى قضى على نصفه، نصف مقتول، ونصف مهاجر. وحدث نفس الشىء فى ليبيا، تغيير اسمها إلى الجماهيرية العظمى. وعظمتها من عظمة حاكمها، سلطانها ملك الملوك، سلطان الساحل والصحراء، وملك ملوك أفريقيا حتى قامت عليه الثورة أبان الربيع العربى، ومن يعلو يسقط. وبدل قصر العزيزية قُتل فى ماسورة صرف صحى. وحدث نفس الشىء فى اليمن. فبعد أن قامت الثورة أسوة بثورات الربيع العربى، وتم خلع الحاكم الأبدى انضم إلى فريق طائفى من الثوار ضد الثوار الأصليين. وقام بثورة مضادة حفاظا على الحكم. واستولى على العاصمة ونصف اليمن. فهو الإمام الباقى إلى الأبد، والوصى على الأمة. ولا يخلفه أحد غيره. وهو لُب الفكر الشيعى، الإمام الوصى على الأمة، والمعصوم من الخطأ. ولا أحد يبقى فى الحكم. فالبقاء لله وحده. وهناك خلط بين الحكم والسلطة. الحكم تتوالى عليه عدة سلطات. الحكم هو نظام ثابت للدولة لا يتغير. أما السلطة فمتغيرة طبقا لصراع القوى فى المجتمع. الأنا متغير وهو الحاكم أما الحكم فبنية فى الدولة. ويشهد التاريخ أن لكل حاكم نهاية. الحاكم لا يبقى إلى الأبد، الأسد أو غيره من الحكام. «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ». والكل، حاكم أو محكوم ميت «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ».

وجوهر الموضوع هو غياب الديمقراطية. وتغيب الديمقراطية حينما يغيب الرأى الآخر. وبالتالى يصعب تداول السلطة وتغيير الحاكم. فالحاكم الأوحد لا يرى من القمر إلا وجها واحدا. فإذا استدار فإنه يرى الوجه الآخر. وتضيع منه رؤية الوجه الأول. كما أن الإنسان لا يرى إلا أمامه. فإذا استدار ليرى الخلف فإنه يفقد الرؤية الأولى. وهذا هو موقف الحاكم الأوحد. لا يرى إلا وجهه. ولا يرى خلفه. ولا يستمع إلى أى رأى آخر. هذا هو منبع الديكتاتورية والاستبداد. أنا وحدى فى العالم. ورأيى هو رأى الجميع. والرأى الآخر فى السجون والمعتقلات، إرهابى أو تكفيرى. إلغاء الرأى الآخر ضد منطق الحياة. فقد اعترض إبليس على الله لأمره بالسجود لآدم. وهو مخلوق من نار وآدم من طين. وقَبِل الله الاعتراض. واستجاب لطلب إبليس لإعطائه الوقت كى يثبت لله أنه أفضل من آدم. واستجاب الله لطلبه «قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ». الرأى الآخر جوهر الديمقراطية، وتداول السلطة. لذلك كانت الشورى جوهر الحياة السياسية فى الإسلام «وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ». «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم». فالحاكم هو الشعب. وفيه تتداول السلطة. وإلا فلماذا نعجب بالديمقراطية الأمريكية التى تقوم على مرشحين من حزبين مختلفين، وإقامة مناظرات بينهما أمام الناس لتبادل الآراء؟ ومهما قيل فى عيوب الانتخابات والتلاعب بها وتزييفها وتدخل رأس المال فى تغليب رأى على آخر إلا أنه لا بديل عن الديمقراطية. فهى أفضل من الرأى الواحد. والوقوف على ساق واحدة. ثم تتبدل إلى الساق الأخرى فيكون الوطن دائما أعرج.

ما المانع من الحكم بالمشاركة لا بالمغالبة. بائتلاف وليس بطرف واحد، هى الفرقة الناجية والأخرى مغضوب عليها؟ تلك أزمة شعار «الأسد... إلى الأبد». فلا أحد خالدا إلى الأبد. وفى الشعارات السياسية عندنا: الله، الوطن، الشعب. وليس منها الملك أو وريثه. ترك محمد نجيب الحكم وكان الشعب يتمنى أن يبقى. وانتقل عبد الناصر إلى الدار الآخرة وكان الشعب يريده أن يبقى. وغادر خليفته الدنيا، وهو صاحب قرار الحرب والسلام. وكان الشعب يريد أن تستمر شجاعته حتى ولو انقلب على الناصرية. أما الرئيس الأخير الذى أزاحته ثورة يناير 2011 فقد طالت مدة حكمه حتى مل الشعب وطالبوه بالرحيل. كل البشر فانون كما قال الفلاسفة الروائيون تعبيرا عن «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك