أخبار عاجلة

أُبُوَّة هَوْجَاء وأُمُومَة مَبْتُورَة

تُمثِّل الغابات المطيرة كثيفة النباتات بجنوب الهند بيئة مثالية لأفاعى «الكوبرا الملك»، تلك الأفاعى السامة والمخيفة، والقادرة على ابتلاع أفعى «بيثون» عملاقة تفوقها حجما، فهذه الكوبرا صياد أريب، تتنوع فرائسها، لكن بين هذه الفرائس ما يجعلها حيوانا نادرا من الحيوانات القليلة التى تأكل بنى جنسها، ليس من الأنواع المختلفة فقط، بل من مثيلاتها، وأقاربها، بل أقرب أقاربها، فذكر الكوبرا الملكى يأكل أنثاه إذا جاع ويقتلها إذا غضب، لكن من ألطاف الله بالإناث أن الذكر يفقد شهيته للطعام فى مواسم التزاوج، ويُنحِّى الجوع إلى الطعام كنداء غريزى أساسى، ليحل محله نداء الرغبة، وهى رغبة تشمل الإناث كما الذكور، لكنْ كلٌ على طريقته.

تحرس بيضها ثلاثة أشهر دون طعام وتهجره عند الفقس حتى لا تأكل أبناءها

أفاعى الكوبرا الملكية، رغم ضراوتها، كائنات خجولة مُحبة للانفراد والعزلة، لكن ما إن يهل موسم التزاوج حتى تنطلق ذكورا وإناثا خارجة من مكامنها لتنتشر هائمة على غير هدى، لعل كلا منها يتقاطع فى طريقه مع ما يروى عطش رغباته، تهيم الأنثى تاركة وراءها خطا من «الفيرمونات» كرسالة كيميائية تعلن «أنا أنثى كوبرا ملكية أريد ذكرا»، عندئذ يستطيع ذكرٌ عابر أن يتجه إليها بتذوق هذا المسار بلسانه، فيسلكه حتى يصل إليها ويتصل بها دون سابق تعارف أو طقس تودُّد. لكن هذا المسار للأنثى الراغبة يمكن أن يُفضى إلى نهاية مميتة. فيحدث أن يقرأ الإعلان بلسانه ذكر من الذكور، لكنه يصل إلى الأنثى بعد فوات الأوان، ودون تمهيد بما هو معروف عن رقصات التودد عند معظم الحيوانت عند التزاوج، يقفز مباشرة إلى اللمس واللحس، فيظل يمسح بذقنه على ظهرها ويلعق هذا الظهر بلسانه لكنها تتباعد، ويكرر المحاولة لكنها لا تخفض رأسها مظهرة له تلك «العلامة الملكية» على قلنسوتها والتى إذا سمحت له بلعقها تكون قابلة باتصاله، لكن هذه الأنثى لا تُطأطئ رأسها مهما حاول الذكر مما يعنى أنها ترفض مُعاشرته. عندئذ يندفع لينالها عنوة فتقاومه بإصرار لا يفهمه على الفور، فهى حامل!

تسارع الأفعى الحامل بالانفلات والهروب من الذكر الهائج، فيدرك أخيرا أن هناك من سبقه إليها وأخصبها، فيُجَن جنونه، ويال جنون «الكوبرا الملك» حتى فى طلب الحب.. إنه يسبقها ويستدير إليها فاتحا شدقيه على اتساعهما، ويبدأ فى ابتلاعها من رأسها إلى ذيلها حتى تختفى فى جوفه، ثم يسكن. لكنه ليس ذلك السكون الطويل الذى يعقب التهام فريسة كبيرة تتطلب الهضم، فهو لن يهضمها، ربما لأنها تحمل آثار ذكر غيره، ولا يستغرق الأمر طويلا حتى يعلن نتيجة حقده الأعمى عليها، فيلفظها من جوفه كاملة، ميتة!

لا يكبر منها غير 2 من 30 رغم خروجها من البيض مدججة بالسم والأنياب

وعلى مسار فيرمونات إحدى الإناث طالبة القرب، يحدث أن يتلاقى اثنان من ذكور الكوبرا الراغبين، وسرعان ما يشب كل منهما على ذيله وبعض جذعه، يرتفعان بأكثر مما يفعلان أمام خصم من جنس مختلف، فهذه المرة يكون ارتفاع رأسيهما عن الأرض يقارب 120 سنتيمترا من طول كل منهما البالغ مترين فى المتوسط المعتاد، يلتف كل منهما على الآخر فى صراع يحسبه غير العارف بأمور الأفاعى رقصة مرح أو ود، لكن هيهات، فالارتفاع والالتفاف والمداورة تستمر ويتصاعد عنفها لساعات، تتحول إلى ضربات بالأجناب وتناطح بالرؤوس، وكُل منهما يحاول إسقاط غريمه أرضا، ويستمران فى هذه المصارعة الأفعوانية لساعات طويلة حتى يهوى أحدهما، أو يدرك ضعفه فيعلن عن انسحابه ويبتعد. أما الفائز الذى يسارع إلى الأنثى صاحبة الإعلان زحفا محموما على مسار فيرموناتها، فينتهى به الأمر إلى أن يصير أبا لأبنائها إن لم يسبقه إليها ذكر آخر، أو يتحول إلى قاتل حاقد عليها وعلى من سبقه إليها! وفى كل الحالات فإن الذكر ما أن يُنهى الوصل أو القتل، حتى يمضى فى طريقه لا يلوى على شيء!

ولأن كل ذلك كذلك، فإن الأنثى أيضا تُعجِّل بخروجها عن مسار فيرموناتها متى ما فازت بإخصاب بيضها لتهرب، حتى لا يأكلها من عاشرها وجوَّعته المُعاشرة، أو يقتلها من يصل إليها بعد فوات الأوان. وما إن تصل هذه الأنثى إلى ركنها المكين حتى تشرع فى بناء عش لبيضها إن لم تكن شيدته قبل خروجها للتزاوج. وهى إن كانت متعبة وداهمها مخاض وضع البيض فيما هى تبنى العش دون أن يكمل شكل الكومة، تشرع فى وضع بيضها على فرشة ورق الشجر المتساقط التى جمعتها وتلتف عليه، فيظن البعض أنها تدفئه، لكنها وهى من ذوات الدم البارد لا تستطيع منح بيضها أى دفء، وهى لا تفعل فى التفافها عليه أكثر من إحاطته بالحماية وتهديد أى طامع فيه إن غامر بالاقتراب، ترتفع برأسها فاتحة فمها مظهرة أنيابها ويتحول فحيحها إلى صوت غريب يشبه النباح، فمن يجرؤ على الاقتراب؟ وما إن تستريح بعد وضع البيض حتى تشرع فى جمع المزيد من أوراق الشجر ومراكمتها عليه، وتظل تفعل ذلك حتى يصير العش كومة يتدفأ داخلها البيض بما تنفثه عملية تحلل أوراق الشجر من حرارة، عندها تصعد الأم لتعتلى الكومة فى وضع الحارس المتأهب بالسم والأنياب لأى طامع فى أبنائها القادمين.

عملية بناء العش هذه ثم حراسته هى من أعجب الأمور التى تقطع بأن غريزة الأمومة المتفانية تبقى حتى لدى إناث هذه الأفاعى القاتلة، والتى تكفى كمية سم قدرها 7 ملليلترات مما تطلقه أنيابها فى نهشة واحدة، لقتل فيل كبير أو عشرين من بنى البشر! فهى التى لا أقدام لها ولا أيادى، وبينما هى متخمة بثقل البيض فى أحشائها، تظل تجمع أوراق الشجر المتساقطة بفمها ورقة ورقة، تروح زحفا وتعود زحفا ليوم كامل قد يمتد إلى أربعة أيام، وهى تفعل ذلك دون طعام، تكوِّن الكومة وتضع فيها ما بين 20 إلى 30 بيضة، ثم تعتلى الكومة فى نوبة حراسة تمتد لشهرين كاملين أو ثلاثة، مكملة صومها الطويل إلا من لعقات ماء يجود به المطر، فقط ما إن تلتقط بحساسية بطنها الذبذبات الدالة على بدء فقس البيض وخروج أفاعيها الوليدة داخل الكومة، حتى يقرصها الجوع، فتسارع بالهبوط عن الكومة والابتعاد مغادرة العش والطالعين فيه دون عودة، وبما لا يتناسب أبدا من حجم تضحياتها الأمومية السابقة، فما تفسير ذلك التناقض؟!

هناك تفسيران لسلوك تلك الأم الغريبة الغريب، أحدهما يقول بأنها وقد بدأ ينهشها الجوع، فيما تكون قد أنهت مهمتها وانجبت أفاعى تخرج من بيضها مدججة بأنياب كافية وأكياس سم كما الكبار، مما يعنى إمكانية اعتمادهم على أنفسهم فى مواجهة الحياة، ترى أنه يحق لها الذهاب للبحث عن فريسة تسد بها رمقها حتى لا تموت جوعا.

أما التفسير الثانى، فيقول إنها تفر بنفسها من نفسها حتى لا يُضعفها جوعهاـ وهى آكلة أفاعٍ- فتلتهم أولادها الطالعين! والتفسير الأخير أرجح، لأن الأفاعى الصغيرة الطالعة عادة ما تسارع بالفرار هى نفسها فور خروجها من البيض، حتى لاتلتهمها الأم؟

ومع ذلك، وبرغم ذلك، تظل النهاية مُفجعة، فمن بين 20 أو 30 كوبرا وليدة، لا يبقى سوى 1 أو 2 تكبران، لتكرِّرا شأن أبويهما، فيتكرر مصير ذريتهما التى يلتهم معظمها البوم فى الليل، والنموس والأفاعى الأخرى فى النهار.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق «كوبر» يطلب ودية يوم 11 يناير
التالى رباط عنق أسود من فضلك