أخبار عاجلة
محللون: مؤتمر «فتح» رسّخ نفوذ «عباس» -
«ترامب» ينتقد السياسية النقدية والعسكرية للصين -

«حزب الرئيس».. بين الأصل والصورة

«حزب الرئيس».. بين الأصل والصورة
«حزب الرئيس».. بين الأصل والصورة

أطروحات فكرية جادة تُطرح فنتداولها، فنثير حراكاً سياسياً حقيقياً. نختلف معها أو نؤيدها، ذلك أمر مُقدّر، يعزز من فرصتنا بالفعل فى اقتناص تحول ديمقراطى حقيقى، ربما لا يلقى دعماً واجباً من كثير من الممارسات على الأرض.

من ذلك أن فكرة «حزب الرئيس» يُعاد طرحها من جديد، إذ كانت قد طُرحت أكثر من مرة منذ تولى الرئيس السيسى مقاليد السلطة. فيما يشير إلى إلحاح الفكرة ورسوخ محتواها القيمى فى قناعات فريق لم يغب عن النخبة. وبعيداً عن أى جدل دستورى، فإن الأمر معلق بكثير من الحقائق التى ينبغى علينا إدراكها على نحو دقيق.

إذ كان قد حلا للبعض أن الدعوة رِدّة إلى الخلف حيث الأصل، «الاتحاد الاشتراكى»، العقيم، وصورته الباهتة وقد سميناها زيفاً «الحزب الوطنى». فليست ثورة يناير المجيدة إلا فى مواجهة كل هذا المشوار الشاق العاق لآمال أمته، فى حياةٍ سياسيةٍ حرةٍ، لها من عمرها المديد زخمٌ تراكمى تلاحق بموجبه آفاق بعيدة بلغتها تجارب زاملتنا مرحلة الاستقلال، وأكدت لمن يعتبر أن تنمية اقتصادية حقيقية منوط أمرها بتنمية سياسية حقيقية تقودها، وهو ما تسعى إليه الموجة الثورية التصحيحية التى انطلقت فى الثلاثين من يونيو، فإذا بنا نتجاذبها اليَمْنَةُ واليَسْرة، نكاد نقتلعها بعنف من قيمها الأساسية.

وخَال لفريق آخر أن الأمر لا يعدو إلا أن يكون تقريرا واقعا، إذ الأصل أن شعبية الرئيس السيسى طاغية، ومنوط به إحداث تنمية سياسية تواكب جهوده فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. والأمر على هذا النحو يستند إلى الصورة المهتزة لمفهوم الحزب فى مصر، بما لا يتناسب ومجتمع يسعى إلى تحول ديمقراطى جاد وحقيقى، بعد أن فشلت الأحزاب فى التقدم نحو السلطة إبان أحداث ثورة يناير لافتقادها المقومات الحقيقية للأحزاب، باعتبار الأخيرة كيانات سياسية، تمتلك رؤى واضحة تسعى بها إلى اكتساب شعبية تؤهلها إلى حيازة السلطة. بينما أحزابنا غاب عنها أيضاً أى دور جلىّ مؤثر فى ترتيبات الموجة التصحيحية فى الثلاثين من يونيو، ومن ثم ينبغى ألا نرهن الوطن بقدراتها المحدودة.

والواقع أن الأصل فى الأحزاب أنها إحدى الأدوات الحديثة للتنمية السياسية، ومن ثم فإن حال أحزابنا إجمالاً يعبر بالفعل عن مدى التطور، أو التراجع الحادث فى التجربة الحزبية فى مصر. مثلما قناعاتنا المتداولة فى هذا الخصوص تشير بقوة إلى مدى كفاءة النخبة، وحجم قدرتها على ملاحقة تطور الفكر السياسى. فإذا بنا نُفضّل البقاء أسرى أطروحات، لو كانت نجحت يوماً لما كنا نراوح موقعنا من الديمقراطية، فنطرحها باعتبارها جديداً على الطريق!، وما هى فى الواقع إلا صورٌ مستنسخةٌ لأسباب الثورة، لا أدوات لتحقيق أهدافها ومبادئها.

الأصل أيضاً أن الأحزاب غَرسٌ ديمقراطى طبيعى، ومن ثم ليس له إلا أن ينشأ صاعداً من القاعدة الشعبية باتجاه قمة الهرم السياسى، وليس العكس. إذ نشأت الأحزاب جراء تنامى الرغبة فى تداول السلطة، وتوسيع المشاركة السياسية، وبالتالى فمنطلقات الحزب تتوافر فى القاعدة، وما رأس السلطة إلا أسمى أهدافها. أما أن تستهدف رأس السلطة شعبية فى القاعدة الجماهيرية، فليس فى ذلك حزب بالمعنى المعروف فى التجارب الديمقراطية الحقيقية.

الأصل أن منابع محددة تنشأ منها الأحزاب، لا يخلو الأمر من قاعدة شعبية «فكرية» تتحد على مجموعة من المبادئ والأهداف، بما يشكل القوام الفكرى للحزب، فيما يعبر عن الظرف المجتمعى، والسياق الإقليمى والدولى. مثلما نشأ حزب الوفد لمواجهة الاستعمار البريطانى، كما نشأت الأحزاب تاريخياً من البرلمانات، حيث كانت الكتل النيابية نقطة الانطلاق لظهور الأحزاب، وقد تنشأ الأحزاب، خارج البرلمان، كنتاج لنشأة فكرة الانتخابات لتجابه ثقافة توريث مقاعد البرلمان للنخبة الرأسمالية. وهنا أيضاً لا بديل عن مرتكزات فكرية يجتمع حولها فريق من الناس يشكلون فيما بعد حزباً سياسياً. ومن المجتمع المدنى أيضاً نشأت أحزاب، من بينها حزب العمال البريطانى، الذى نشأ من تجمع ضم نقابات عمالية وجمعية فكرية صاغت قيم وأفكار العمال فى برنامج سياسى متكامل، ما جعل من الحزب تعبيراً عن قيم مجتمعية حقيقية، لا تعبيرا عن شعبية ذاتية.

الأصل كذلك، والأقرب إلى الحالة الراهنة، أن أحزاباً تنشأ من رحم أزمة تنمية سياسية، وهى أحزاب بالضرورة تنطلق من فكرة عامة، لا من شخصية بذاتها، من ذلك كل الأحزاب العربية التى انطلقت لتعبر عن فكرة القومية العربية، لا عن عبدالناصر تحديداً.

تلك كانت الأصول الأبرز المنشئة للأحزاب السياسية، وما أظنها تدعم إلا حزبا يتبلور بشكل طبيعى، يستلهم أفكاره من قيم ومبادئ الثورة المصرية المجيدة فى يناير 2011، وموجتها التصحيحية فى الثلاثين من يونيو 2013، مستفيداً من الطريق الشاق الذى قطعته حتى الآن، وهو أمر فى حاجة إلى تراكم طبيعى لا قرار تنفيذى. وغير ذلك، نستنطق «صورة» ونصدقها، وما هى فى الواقع إلا «أصل» قناعاتنا الحقيقية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك