أخبار عاجلة
مستقبل وطن ينعى ضحايا الكاتدرائية -

المُدن أيضا تشيخ وقد تموت!

المُدن أيضا تشيخ وقد تموت!
المُدن أيضا تشيخ وقد تموت!

صنع الله القرية، وصنع الإنسان المدينة، فما أوسع الهوة بين إبداع الخالق وإبداع المخلوق. وعلى قدر ألفة القرى وسكونها، تأتى وحشة المدن وصخبها. ووسط هذا الصخب وتلك الوحشة الضارية يضيع كثيرون، ويهيمون على وجوههم، متنقلين فى ذهاب وجيئة بين الحارات المتعرجة والميادين الوسيعة، وهم يحملون فوق جباههم لافتة تقول «غرباء» أو «طالبو عمل وسكن» أو «تائهون».

إنها العلامة التى ترقد أيضا فى قلب ونفس كل الذين يحملون أمتعتهم فى أيديهم وآمالهم فى عيونهم، زاحفين من الريف إلى المدن، إما أنهم ساعون وراء الرزق، أو طالبو علم، أو باحثون عن متعة، أو مغامرون راغبون فى تجريب عالم جديد، أو متمردون على الجدران المصمتة والخضرة اليانعة التى ملأت عيونهم فجاءوا ليفرغوا ما فيها تحت أقدام البنايات الشاهقة الموحشة، أو يلونونه بالأحمر الزاعق، والأصفر الفاقع، وأسود الأسفلت الذى يئن من دبيب الآدميين المتعبين، من صراع على المكانة الاجتماعية والمناصب السياسية والثروة.

لكن المدينة على تنصلها من القرية لا تستطيع أن تهجرها أو تطردها تماما من ذاكرتها، بل تستحضرها فى الأشجار المغروسة على جنبات الشوارع الوسيعة، وفى الحدائق التى تفرش بساطها الأخضر بين البنايات الشاهقة، وفى نافورات المياه التى ترسم أشكالا مختلفة، وتنثر حباتها الشفافة على وجوه العابرين، وفى الحركات الاجتماعية المدافعة عن البيئة، والمطالبة دوما بأن يكون اللون الأخضر فى كل مكان، وفى أيادى نساء جميلات يزرعن أصص الورد فى الشرفات، ورجال يرمون أذرع اللبلاب على صفحات الجدران الواقفة فى وجه الزمن.

وليست كل المدن سواء، فهناك العتيقة العريقة الضاربة فى جذور التاريخ، وهناك الطارئة الجديدة على الدنيا، وهناك التى تتجاور فيها بنايات الفرق بين الواحدة وأختها مئات بل آلاف السنين، وهناك التى لا تجد فرقا بين قديمها وجديدها سوى بضع سنوات أو عقود على الأكثر. وهناك المدينة التى نبتت على ضفاف قرية أو طوقتها فى دأب فزادتها ضخامة وغربة، فقال الناس «الريف قد تمدين»، وهناك أخرى كانت فى الأصل مدينة ونبت الريف حولها أو فى جوانب منها، كزوائد دودية، فقال الناس «المدينة تريفت»، فوجدنا الموظفين فى المنتصف، والفلاحين على الأطراف.

وهناك مدن عريقة أهملها أصحابها، فتركوا للمعمار الحديث، بقبحه الطافح وجهامته، فرصة ليزحف ويرمى ظلاله الكئيبة على البنايات الخفيضة الوديعة المسكونة بالتاريخ والفن، فاختلط الحابل بالنابل. وهناك مدن حافظ عليها أصحابها فتركوها على حالها، ولم يمدوا إليها من مظاهر التحديث والحداثة إلا بالقدر الذى لا يأتى على شخصيتها الحقيقية ولا يضيع معالمها الأصيلة ولا يفقدها رمزيتها التاريخية، وحرصوا على أن يجعلوا من البيوت التى سكنها المشاهير أو التى شهدت أحداثا لا تنسى مزارات سياحية.

ويفرق علماء الاجتماع بين المدينة الصغيرة «البلدة» Town وبين المدينة الضخمة Megalopolis والتى هى تشير حاليا إلى ضواحى واسعة الأرجاء، تترابط وظيفيا، وكذلك المدينة الكبرى Metropolis وهى تشير إلى المراكز الحضرية الكبرى والضواحى المحيطة بها.

وليس كل أحياء المدينة الواحدة سواء، فنحن نتحدث دوما عن «قلب المدينة» أو المضغة الأساسية التى نما منها كل هذا الجسد الأسمنتى المترهل ونسميه «Down Town»، ومنه يبدأ الحكماء والفاهمون رحلاتهم لاكتشاف معالم أى مدينة يحلون بها، فيقولون لمن يدفعونهم إلى الفنادق الفارهة والمخادع الناعمة: «نريد أن نرى القلب».

وهناك أيضا الأحياء العشوائية، وهى الضيف الجديد الثقيل على المدينة، الذى أتى إليها مع هجرات القرويين الساعين وراء ما يقيم أودهم، أو الهاربين من الفقر والجوع والمرض والإهمال المزمن، فبعض الآتين منهم إلى المدينة لا يعودون، إنما يبقون هنا باحثين عن مأوى، ولا يجدونه إلا فى الزوائد الدودية المشرفة على التعفن، التى تطول جوانب المدينة، أو تسلل إلى داخلها فى بعض المواضع، كبيوت متداعية، أو علب أسمنتية مبعثرة، أو عشش وأكواخ من الصفيح، يهزها الريح.

بل وصل تضخم هذه الحالة إلى درجة أننا نجد علماء الاجتماع قد خصصوا لها مصطلحا فريدا هو «مدن العشش» Shanty Towns، وهى منتشرة فى دول العالم الثالث بكثافة، ولا يخلو منها العالم الأول أيضا. ويبقى للقاهرة وضع خاص، لا يعرفه غيرها من المدن، وهو «سُكنى المقابر»، إذ فى مصر، التى قدست الموت وقدرت الموتى منذ آلاف السنين، يمكن للأحياء أن يعيشوا مع الأموات فى مكان واحد. وهناك مدن عربية عرفت ظاهرة «المخيمات» التى يقطنها اللاجئون، ويضرب الفلسطينيون مثلا ناصعا على هذا.

وقد انشغل الأدباء بهذه التجمعات السكانية البائسة، سواء كانت عشوائيات أو قرافات، ليبحثوا فيها عن قصص غير عادية لا تعرفها المدينة. وفى وقت مبكر تنبه يوسف إدريس إلى سكان مثل هذه الأحياء فكتب روايته القصيرة «قاع المدينة»، لكن الجيل الجديد من الروائيين المصريين أعطى لهؤلاء مساحة واسعة فى إبداعه القصصى والروائى. وعلى المنوال ذاته سارت السينما، فبعد عقود من الحديث عن الواقعية التى بدأت بفيلم «العزيمة» جاء مطلع الألفية الثالثة ليجد السينمائيون أمامهم نماذج اجتماعية جارحة لا يمكن إغفالها، فولد فيلم مثل «حين ميسرة» وما على شاكلته.

والتوزع المعمارى لأحياء المدن، المتفرق على عتبات التاريخ يعكس الصراع الاجتماعى الضارى بين الطبقات، ويرسم ملامح سكان المدينة، وطبيعة المشكلات التى يعانون منها مثل الجريمة المنظمة والفردية، وتفشى البطالة الجارحة، ووجود الآلاف من المشردين الهائمين على وجوههم وتحت الجسور سواء من أطفال الشوارع أو بعض المرضى النفسيين الذين لفظهم أهلهم أو هربوا هم منهم ولا يجدون لهم مكانا فى المصحات المكتظة بنظرائهم، وانتشار ظاهرة إدمان المخدرات والاتجار بها، علاوة على التعصب العرقى والمذهبى، والتهميش الاجتماعى، والتوتر المستمر بين أرباب العمل والعمال، والزحام وأزمات المرور، والغش التجارى.

وليس كل سكان المدينة سواء، فهناك من ولدوا فيها، فشربوا من طباعها الخشنة، وتواءموا مع تجهمها وقلة اعتنائها بأهلها وهناك من أتوا إليها بعد أن ناموا طويلا بين جدران الطمى، ومشوا على الجسور وسط عجيج ترابها يطالعون الزرع والضرع، وسمعوا من الجدات الجالسات فوق تلة الزمن حكايات عن الخير الذى يفوز حتما، والشر الذى ينهزم دوما، ويتقابل أفراد هذين الفريقين فى شوارع المدينة، ويتفاعلون بلا انقطاع، من خلال التجاور فى السكن، وعلاقات العمل.

وقد عبر الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى عن حالة اغتراب الريفى فى المدينة ببراعة فى قصيدته «الطريق إلى السيدة» ضمن ديوانه الأول والأشهر والأجمل «مدينة بلا قلب»، حيث يقول فى مقطعها الثانى:

«وسرت يا ليل المدينة

أرقرق الآهة الحزينة

أجر ساقى المجهدة

للسيدة

بلا نقود، جائع حتى العياء

بلا رفيق

كأننى طفل رمته خاطئة

فلم يعره العابرون فى الطريق

حتى الرثاء».

وفى القرن العشرين بات زحف الحضر من أبرز مظاهر العولمة، كما يقول عالم الاجتماع الإنجليزى أنتونى جيدنز، وتجاوز الأمر تلك المدن التى عرفها العالم القديم والوسيط، حيث بدأت الكرة الأرضية تعرف فى النصف الثانى من القرن المذكور، طريقها الوسيع نحو انتشار المدن، وبدأت نسبة سكانها إلى مجموع سكان الكوكب تتعزز بمرور السنين، حتى بات من المتوقع أن يصلوا إلى 63% مع نهاية الربع الأول من القرن الحادى والعشرين.

وليست المدينة مجرد مكان فى الفراغ فحسب، وإنما هى أيضا دراما مستمرة طيلة الوقت، وجزء من هذه الدراما أن المدينة فاعل سياسى واجتماعى واقتصادى وثقافى قوى، فهى مجتمع تعددى حيث الدرجات المتفاوتة بين سكانه من حيث العوز والكفاية، ومن زاوية المشارب الفكرية والاتجاهات السياسية التى يعتنقونها، وكذلك من باب تنوع الأنشطة الاقتصادية، على خلاف القرية التى يعمل معظم سكانها فى الزراعة وما يرتبط بها من أنشطة اقتصادية بسيطة.

وجاءت العولمة لتزيد من قدرة المدينة على أن تكون فاعلا فى كافة مجالات الحياة ودروبها، لأنها راكمت على رأسها مشكلات جديدة تخص البورصة والبيئة واقتصاديات المعرفة ومواقع التواصل الاجتماعى التى زادت أهل المدينة اغترابا على غربتهم المزمنة. وراحت الأنظار تتجه إلى قياس مدى إسهام المدينة فى الإنتاج الاقتصادى، وتطوير الدولة ودفعها إلى الأمام، مع قدرتها على مجابهة تحديات العمل وحفظ الأمن والحاجة المتجددة إلى السكن، وقدرتها كذلك على صهر «الثقافات الفرعية»، التى تتجاور وتتفاعل، فى سبيكة واحدة متناغمة، أو على الأقل تتمكن من تقليص حجم الصراعات الناشبة بينها، أو إحداث حالة من التوافق تساعد على منع حدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية أو التقليل منها إلى حد بالغ.

لكن الصراعات قد تستفحل، والفقر قد يزيد، والإهمال يستشرى، والمعمار يتوحش، والشوارع تضيق، والبشر يزيدون بلا حد ومعهم المركبات والعوادم والضجيج، بما يجعل المدن تشيخ، وقد تموت، لا كأثر، لكن فى نظر الناس، حين يدركون أنها ليست صالحة للسكنى، والأكرم لها أن تنضم إلى عالم المتاحف.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اخبار السعودية اليوم - أمير الكويت: التحديات الحالية تستوجب رفع مستوى التعاون بين دول الخليج
التالى رباط عنق أسود من فضلك