أخبار عاجلة
50 نوعاً من الأطعمة المذهلة لمكافحة السرطان -

البحث عن معنى القانون فى ربوع كيمبردج!

البحث عن معنى القانون فى ربوع كيمبردج!
البحث عن معنى القانون فى ربوع كيمبردج!

أتابع سرد سيرتى العلمية. بعد شهور من التردد على مكتبات لندن، آن أوان استكمال مهمتى العلمية فى جامعة كيمبردج. شجعنى على الرحيل من لندن (مدينة الاغتراب والصمت والعلاقات الباردة) إلى كيمبردج، صديقى الدكتور محمود عبدالفضيل، الذى كان يعمل محاضرا للاقتصاد بجامعتها. الطريق إلى كيمبردج يستغرق حوالى ساعة بالحافلة التى تقطع المسافة وسط الريف الإنجليزى ذى الجمال الخلاب. حرصت هذه المرة على انتقاء الحافلة المتوجهة مباشرة إلى المدينة. لى تجربة سابقة فى التوهان فى مدن الجنوب الغربى بالمملكة حرصت ألا أكررها.

أتوقف لأدعو بالرحمة والمغفرة لزميل عزيز يكبرنى من زملاء المركز القومى كان مبعوثا وقتها إلى جامعة ويلز بسوانزى. كان يتعامل دائما مع الدنيا بسخرية لاذعة. لا شىء يستحق أن يؤخذ عنده مأخذ الجد، فالكل عبث وإلى فناء. أوفدته الدولة مرات عديدة للحصول على الدكتوراه فى القانون من فرنسا وإنجلترا وأمريكا. وفى كل مرة يعود بعلم لا يكتسبه من المكتبات بل من معايشة الناس وتتبع غرائبهم. كان يعلن عن نفسه يساريا صارخا. مرة كنا معا نستقل مترو لندن وفجأة زعق صديقى هاتفا بحياة الماركسية اللينينية إلى الأبد. رفعت العجائز أعينهن عن الكتب ونظرن إليه باشمئناط. بعض الشباب صفقوا له وهتفوا وراءه. اعتاد التجول فى أحياء (بادينجتون) (وبايز واتر) فى لندن ليساعد الشباب المصريين الذين يجوبون الطرقات هناك بحثا عن عمل ويقتادهم إلى المطاعم والمقاهى التى تبحث عن عمالة أجنبية رخيصة ثم يتردد عليهم للاطمئنان كل حين.

كتب لى صديقى من (سوانزى) قائلا إنه يخوض تجربة فريدة. ربطته صداقة بطالبة يرمى القرب منها. ولكنها تنتمى إلى جماعة دينية، وتحاول من جانبها دعوته للقرب من الرب. هى تحاول تحقيق خلاصه من الخطيئة وهو يحاول إقناعها ببهجة الحياة بخطاياها.

لبّيت الدعوة. وبدلا من أن أستقل من ميدان محطة فيكتوريا حافلة تقطع الطريق مباشرة فى ساعتين ونصف، استقللت حافلة تجوب كل مقاطعات ومدن الجنوب الغربى وقطعت المسافة فى تسع ساعات. غادرت سوانزى بعد يومين وما زال الصراع بين الخلاص والخطيئة مستعرا.

فى رحلتى إلى كيمبردج كنت قد خبرت استخدام الحافلات ووصلت مباشرة بعد ساعة واحدة. كان ينتظرنى الدكتور محمود عبدالفضيل واستضافنى بكرمه فى منزله الأبيض الجميل الذى يقع وسط الربوع الخضراء. عثرنا على غرفة لإقامتى متسعة فى طريق (تنيسون) تبعد عن الجامعة مسيرة عشرة دقائق وإيجارها أسبوعيا خمسة جنيهات. إذن ثلاثة جنيهات كاملة سأوفرها أسبوعيا تكفينى للتردد على السينما والمطاعم والتسرية. كانت رحلتى اليومية صباحا كل يوم من المنزل إلى الجامعة سيرا متعة فائقة. أقطع الطريق وسط مروج خضراء يحدها الأفق ويتخللها نهر (كام) الذى تنزلق على صفحته قوافل الإوز العائم وتمرح على شطآنه الخيول.

نمَت بينى وبين العجائز اللائى يمارسن رياضة المشى فى الصباح الباكر مودّة العابرين. نتبادل التحية ويتوقف بعضنا ليسأل عن أحوال الآخر. الناس بعيدا عن العاصمة أكثر ودا ودفءا وإنسانية. كنت عائدا يوما ما فى منتصف الليل إلى منزلى فإذا بالجو ينقلب والسيول تنهمر والبرق يضىء السماء، ودوى الرعد يشيع الرهبة. احتميت بمظلة مدخل منزل فى الطريق. دعتنى العجوز صاحبة المنزل للدخول محذرة من تعرضى للصعق. طلب زوجها منها أن تحضر لى رداء جافا أرتديه حتى تجفف ملابسى من مياه الأمطار. أصبحنا أصدقاء حميمين نتزاور بين الآونة والأخرى.

احترت فى أمر الابتسامة التى تشرق بها وجوه الحسناوات كلما التقت عيوننا فى الطريق. كنت أحسبها ابتسامة إعجاب بوسامتى. ولكن تعلمت بعد التجربة القاسية أنها عادة إنجليزية أن يبتسم العابر فى وجه من ينظر إليه مصادفة. الإنجليز يظهرون لك أدبهم الجم أيا كان رأيهم الحقيقى فيك. أكثر الكلمات استخداما هما كلمتا (شكرا) THANK YOU (ومعذرة) EXCUSE ME. ويردد البعض نكاتا خارجة حول الاستخدام المفرط لهاتين الكلمتين.

تركزت مهمتى بمكتبة جامعة كيمبردج (التى تضم ١٥ مليون مرجع) فى توثيق الجزء الثانى من بحثى حول تأثير الفلسفة الوضعية المنطقية الجديدة على نظريات القانون. الوضعية الكلاسيكية التى أرسى دعائمها الفرنسى أوجست كونت فى منتصف القرن التاسع عشر تعتبر الملاحظة والتجريب مصدرا للمعرفة. انتهى عصر تأملات الفلاسفة عن الفضيلة والسياسة والعدالة والقانون والأخلاق. الواقع هو مصدر المعرفة.

الفلسفة الوضعية الجديدة خطت خطوات أبعد. مشكلة الفلسفة عندها ليست البحث فى صدق وكذب القضايا وإنما ضبط وتدقيق لغة العلم وتنقيتها من الارتباكات، بما تعكسه هذه الارتباكات على تزييف المضمون. كثير من الخلافات الزائفة سرعان ما تنقشع بضبط استخدام اللغة وتحديد دلالاتها.

لم يلتفت إلى العلاقة بين القانون واللغة عندنا سوى أستاذنا السنهورى فى بحثه بالكتاب الذهبى للمحاكم الأهلية سنة ١٩٣٥، ثم قضاء محكمتنا الدستورية الذى استلزم أن تكون لغة التجريم منضبطة لا تحتمل التأويل. الإمام محمد عبده دعا إلى التأويل لتحقيق هدف آخر هو مواءمة النص الدينى الثابت بالمصالح المتغيرة.

عندنا وصل الأمر لدى شعوبنا إلى أن أصبحت اللغة ودلالاتها المراوغة شخوصا متسلطة تصوغ سلوكنا. اللغة عندنا لا تشير إلى الواقع وإنما تصنع الواقع.

وليس مصادفة أن أغلب رواد الوضعية الجديدة من المناطقة والرياضيين. المنطق هو علم البرهان لا علم البلاغة. وبالمناسبة، راجعوا قانون العقوبات عندنا لتعلموا كيف أن مشرعنا استخدم اللغة المراوغة لقهر المعارضة وتجريم أفعال ليس لدلالاتها مضمون منضبط حتى يسهل الإيقاع بمن يراد النيل منه. العلاقة بين انضباط لغة القانون وبين الحرية وثيقة. راجعوا خطابات وكتابات السياسيين والإعلاميين ورجال الدين عندنا لتعلموا أن اللفظ الجزل المراوغ مقصود وظيفيا لذاته لقهر الناس وخداعهم. أثرت الفلسفة الوضعية الجديدة على أستاذى (هارت) فى مفهومه للقانون. تأثيرها كان أوضح فى كتابات فقيه كيمبردج جلانفيل ويليامز. نشر مقالتين بالغتى الأهمية فى مجلة كيمبردج للقانون بعنوان (القانون الدولى والخلاف حول كلمة القانون) والثانى بعنوان (القانون واللغة). كان الخلاف على أشده حول طبيعة القانون الدولى العام وهل يصدق عليه وصف القانون أم أنه مجرد قواعد للأخلاق كما يذهب إلى ذلك من يربطون بين القانون والسيادة العليا؟ المجتمع الدولى يقوم على مبدأ المساواة فى السيادة بين الدول. وبما أنه لا توجد دولة (نظريا على الأقل) أسمى من غيرها فى السيادة، فإن ما يسمى بالقانون الدولى فى نظر البعض ليس بقانون بالمعنى الدقيق. الأمور تغيرت جذريا فى زماننا لانقلاب موازين القوى وبروز القطب الأوحد فى المجتمع الدولى. هناك دول فوق القانون ودول خانعة تعاقب حتى ولو التزمت بالقانون.

القانون إذن هو سياسة القوة. من يملك القوة يصنع القانون ويطبقه على الآخرين. حياد القانون من الأكاذيب الكبرى التى رددها المشرّعون. هذه كلها وغيرها قضايا لم يتعرض لها جلانفيل ويليامز. كل ما فعله أنه تجاوز تحايلات فقهاء القانون وانتهى إلى أن الخلاف حول طبيعة القانون الدولى خلاف لفظى، لأن القانون الدولى يختلف فى مفهومه ودلالته عن القانون الذى تطبقه الدولة داخل إقليمها. منهج قريب من هذا تبناه ابن حزم صاحب الفقه الظاهرى فى تمسكه بظاهر لفظ الحكم الشرعى ورفض العلل والقياس.

إن إكساب اللغة طابعا واضحا ومحددا لا قياس فيه ولا مراوغة يحل كثيرا من الخلافات فى مجال القانون والدين والسياسة وغيرها من المعارف التى تعنى بالسلوك الإنسانى. إن إبهام اللغة قد يكون أمرا مقصودا من أهل الحرفة لتحقيق أغراض خفية تستتر خلف الغموض والوعد والوعيد.

كنت أتردد على مكتبة جامعة كيمبردج العريقة يوميا (أنشئت الجامعة سنة ١٢٠٩ فى أحضان الدين). حققت الجامعة انطلاقها العلمى بفصل العلم عن الدين.

تتكون الجامعة من مجموعة من الكليات COLLEGES التى تتعدد فيها التخصصات. وتتناثر كلياتها كالزهور وسط مساحات خضراء. لفت نظرى وجود مساحات من النجيل الأخضر لا يسمح بالتجول فوقها إلا للأساتذة. ولفت نظرى أن الطلاب (حوالى ٢٥٠٠٠ طالب وباحث يقوم عليهم حوالى تسعة آلاف أستاذ) يرتدون جميعا طوال وجودهم فى الجامعة الروب الجامعى الأسود. يخلعه الطلاب فى حالة واحدة فقط عندما يشرعون فى تبادل القبلات مع الصديقات فى دفء الشمس المشرقة على نجيل الجامعة. لا يستقيم وقار الروب الجامعى مع حلاوة القبلات المحرمة. طلبت من البروفيسور ويليامز صاحب أبحاث اللغة والقانون أن نلتقى للمناقشة. وعدنى فى الثالثة مساء أحد الأيام أمام المكتبة. حضرت فى الثالثة وخمسة دقائق. نظر لساعته وأظهر استياءه وطلب منى أن أحضر فى الأسبوع القادم. ومضت حياتى فى كيمبردج تجمع بين الشوق للمعرفة ومتعة الحياة ووفرة الأصدقاء. عادة القراءة ومتابعة القضايا والتساؤلات فى الكتب تجعل من القارئ عاشقا مدمنا ينتظر لقاء محبوبته فى اليوم التالى على أحر من الجمر. وانتهت مهمتى فى كيمبردج وآن أوان الرحيل.

وللحديث بقية

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سفير مصر في برن يعلن استعادة إحدى القطع الأثرية من سويسرا
التالى رباط عنق أسود من فضلك