أخبار عاجلة

انتخابات ما بعد ترامب

انتخابات ما بعد ترامب
انتخابات ما بعد ترامب

قالوا له: العالم كله ضدك.. فقال لهم: وأنا أيضاً ضد العالم.

بدا دونالد ترامب وكأنه يترجم هذا القول المأثور عن البابا أثناسيوس الرسولى، مع الفارق بين الشخصيتين.

وحده ضد العالم. لا أحد من زعماء العالم يرحب به أو يرجو نجاحه فى انتخابات الرئاسة الأمريكية، إلا القليل جداً من هؤلاء الزعماء.

وحده ضد الإعلام. جميع وسائل الإعلام المعتبرة فى أمريكا أعلنت وبوضوح انحيازها ضده ولصالح منافِسته، وجميع كُتاب الأعمدة المرموقين والمفكرين ومراكز البحوث والدراسات، وأغلب صناع الترفيه ونجوم هوليوود ذوى الجماهيرية العالية، والمطربين والمطربات.

وحده ضد المؤسسة السياسية. جاء من خارج هذه المؤسسة، كان الحزب الديمقراطى ومؤسساته ومؤيدوه وفاعلوه ضده بطبيعة المنافسة، وكان الحزب الجمهورى وقياداته ورموزه وأبرز فاعليه ومؤيديه وأنصاره ضده، وكذلك أجهزة الدولة الفيدرالية، وأغلب حكام الولايات، وفوق ذلك رئيس الدولة نفسه باراك أوباما الذى كرس جهوده وشعبيته وجهود وشعبية زوجته لإسقاطه.

سخروا منه فى برامج الكوميديا، وفى الرسوم الكاريكاتورية الرائجة، لكنه فى النهاية ربح السباق، لأن خطابه وصل لقاعدة عريضة من الجمهور، الذى بات لا يثق فى الإعلام ولا مراكز الدراسات ولا النخب والمحللين والسياسيين. ويحتاج سياسات بديلة غير تلك النمطية جداً التى يتبادلها الديمقراطيون والجمهوريون من عقود.

■ ■ ■

كثير من الدروس المستفادة قد تجدها فى فوز ترامب، لكن ذلك يبدو أهم درس يمكن للمصريين تحديداً استيعابه، فالرئيس الأمريكى المنتخب بدا وكأنه مرشح مصرى معارض فى انتخابات رئاسية، تسخر منه برامج التوك شو وتقلل من أثره، وتدعم بانحياز ووضوح منافِسه، الذى يمثل «الدولة ونخبها ومؤسساتها القائمة»، ويواجه انحيازاً من أجهزة وشخصيات عامة ونخب لصالح منافِسه، مع الفارق فى الأداء بين ترامب ومرشحين مصريين، لأن الأول على الأقل يملك الثروة التى مكَّنته من إدارة حملة رئاسية قادرة على مواجهة كل هذه العزلة وكل هذا العداء.

■ ■ ■

19 شهراً على الأقل المفترض أنها تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية المصرية الجديدة، يمكن أن تسميها «انتخابات ما بعد ترامب». الأرجح أن الرئيس السيسى سيكون أحد مرشحيها. باعتباره بدأ مشواراً يعتقد ويعتقد أنصاره حاجته للاستكمال، لكن هل سيكون مرشحها الوحيد؟

يعتقد كثير من الفاعلين السياسيين أن المنافسة ستكون صعبة، ليس لأن السنوات الأربع التى سيرتكز عليها السيسى فى الانتخابات القادمة ليس فيها ما يستحق الطعن أو النقد أو إثبات القصور وكشف الأخطاء، أو حتى مواجهتها بسياسات بديلة، وليس لأن شعبية الرجل ستكون فى ذروتها مع إجراءات اقتصادية صعبة ومعاناة تطال الغالبية العظمى من الشعب، منهم مَن يتحمل برضا حقيقى، ومنهم مَن يلقى المسؤولية على مَن يستحقها سياسياً، وإنما خوفاً من تكرار ذات النموذج. مرشح يبدو وكأنه ضد العالم، يتكتل ضده الإعلام الذى قد تنتهى تماماً عملية «تأميمه» مع قرب الانتخابات المقبلة، غير الدولة ومؤسساتها وأجهزتها غير المضمون حيادها، وأغلب الأحزاب والنخب والنواب الذين سيكون تأييدهم نحو الرئيس الحالى على الأرجح.

هل سيكون ذلك مناخاً مناسباً لخوض معركة كتلك؟

تجربة ترامب تقول إنه يمكن فعل ذلك، حتى لو كانت هناك فوارق. فى النهاية لابد أن تكون هناك منافسة انتخابية بعد 19 شهراً. المصلحة الوطنية تقول ذلك. مصلحة النظام السياسى والسيسى والمجتمع كله.

لكن مَن يملكون القدرة على المنافسة أو صنع المنافس يبدو أنهم مستسلمون تماماً للشكوى من مناخ «ضيق بالفعل»، تجاوز قتل السياسة وتأميم الإعلام إلى محاولة إعدام المجتمع المدنى، ولا يبذلون جهداً لصنع سياسات بديلة يمكن ترويجها مع الوقت وتجهيز برنامج لمحاسبة المرشح الرئاسى على مدته الرئاسية السابقة، مع تلبية حاجة المصريين فى الأمن ومكافحة الإرهاب التى تبدو أحد أسس الاختيار، بدلاً من الرهان على غليان الشارع بفعل عوامل مختلفة، ليس من بينها تحرك سياسى رشيد ومدعوم بسياسات واضحة وبرامج محددة للأخذ بيد المصريين، أو إقناعهم بأن هناك مَن يملك المضى بهم فى طريق أفضل من كل الطرق التى ساروا عليها.

هذا هو الوقت المناسب لبدء تحرك سياسى كذلك من داخل مصر وتحت مظلة دستورها. صناعة البديل ليست عملية سهلة. لكن مكاسبها كبيرة فى تفكيك الجمود من جانب، واستعادة مبدأ التنوع فى الحياة السياسية، وفى تحسين الأداء العام من جانب آخر، وطرح سياسات بديلة، مجرد الجدية فى طرحها يكفى لاستعادة السياسة، ومن ثَمَّ تأمين البلد كله من شبح «مرحلة انتقالية جديدة» يقول إعلام قريب من السلطة نفسها إن هناك مَن يدفع الشارع لإعادة استحضار هذا الخطر.

على مَن يقفون بعيداً عن السلطة وسياساتها أن يجيبوا بجدية عن سؤال: «عندك بديل؟»، ليس فقط بطرح أسماء، وإنما بصنع سياسات قابلة للترويج، والعمل عليها، على الأقل لتغيير قواعد اللعب، والانتقال بها من المزايدات إلى الأفكار، ومن السكون إلى الحركة، بكسب المساحات، أى مساحات مفيدة لتنمية سياسية، تظل جزءاً من الحل، وسلاحا من أسلحة تأمين البلد من الفزَّاعات الحقيقية والوهمية على السواء.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك