أخبار عاجلة

مأساة المرض فى بلد مريض لا يهتم بالإنسان وحقوقه

مأساة المرض فى بلد مريض لا يهتم بالإنسان وحقوقه
مأساة المرض فى بلد مريض لا يهتم بالإنسان وحقوقه

مرات عديدة انتقدت الاتجاه الذى استشرى فى وسائل الإعلام المختلفة، منذ سنتين تقريباً، بين الكُتاب والمحللين وحتى المواطنين العاديين الذين يعبرون عن رغباتهم وشكاواهم، وأقصد به التوجه بالخطاب إلى رئيس الجمهورية مباشرة وطلب تدخله شخصياً فى هذه المشكلة أو تلك، باعتبار أن ذلك هو الطريق الوحيد المأمول لتصحيح الأوضاع.. ولكنى وجدت نفسى أفعل مثلهم عندما هممت بكتابة هذا المقال، وأتوجه بصيحتى هذه إلى رئيس الجمهورية مباشرة، وأقول له بأعلى صوت إن صحة المصريين فى خطر داهم، وإن الملايين من المصريين يمثل حدوث مرض مفاجئ لهم أو إصابة فى حادث مأساة كبيرة، يعانون منها إلى الدرجة التى ربما يتمنون معها الموت السريع بدلاً من الموت البطىء بالإذلال والإهمال والجهل.

لست مبالغاً فى تحميلى رئيس الجمهورية مسؤولية عدم الاهتمام الواجب بمواجهة الانهيار فى منظومة الصحة بالوطن، فالمسؤولية الأولى لأى رئيس هى كيفية تحقيق مطالب المواطنين الأساسية، وفى مقدمتها العناية بأغلى ما يملك الإنسان، وهو صحته.. والرئيس الأمريكى أوباما عند انتخابه للمرة الأولى، كان مشروع التأمين الصحى لمواطنى بلده على رأس أولوياته، حتى إن مشروعه القومى- الذى رصد له مئات المليارات- كان يحمل اسمه «أوباما كير».

لا أتصور أن الرئيس لا يدرى بحقيقة الأوضاع على الأرض بعيداً عن التقارير التى تقدمها له الحكومة، وإذا كان الوضع كذلك فتلك مصيبة أكبر، ولكنى أؤكد له أن الصورة قاتمة جداً، وأنا بحكم عملى فى مهنة الطب منذ حوالى 43 عاماً داخل وخارج مصر وفى قطاعات مختلفة فى القوات المسلحة ووزارة الصحة وعيادتى الخاصة، فإن ما يعانيه المواطنون المصريون حالياً، غنيهم وفقيرهم، عندما يداهم أحدهم مرض أو حادث، لم تشهد مثله مصر فى تاريخها، وإن أعداد الذين يفقدون حياتهم بسبب هذا التدنى فى منظومة الصحة والعلاج هى كارثة بكل المقاييس.

ملامح هذه الصورة القاتمة أُوجزها فى نقاط سريعة، يحتاج كل منها إلى ما هو أكثر من مقال:

(1) انسحاب الدولة شبه التام عن تقديم الخدمة للفقراء ومحدودى الدخل، حتى مع وجود منظومة العلاج على نفقة الدولة، التى تقلصت ميزانيتها وانعدمت الرقابة على المستشفيات التى تقدمها، وتعمل غالبية المستشفيات الحكومية الآن كمراكز خاصة تطلب الآلاف من المريض قبل دخوله المستشفى، مع التهرب من تنفيذ التعليمات الورقية الصادرة من رئيس الوزراء ووزير الصحة سواء المتعلقة بحالات العلاج على نفقة الدولة أو التعامل مع الحالات الطارئة، بادعاءات عدم وجود أماكن أو متخصصين أو بالإهمال المتعمد والمعاملة السيئة التى تدفع المريض وأهله للهرب من المكان، وتحولت المستشفيات الحكومية فى معظمها إلى مراكز للإحالة إلى العيادات والمستشفيات الخاصة، بعد أن انعدمت الرقابة والمحاسبة.. وبالتالى ليس غريباً ما رصده التقرير السنوى للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن الخدمات الصحية عام 2015 من زيادة فى أعداد المستشفيات الخاصة، بعد أن أصبحت مشاريع تجارية تحقق أرباحاً وفيرة.

(2) لم يفكر أحد من جهابذة المالية والاقتصاد فى الدولة وهم يضعون خطط تعويم الجنيه وزيادة الضرائب والجمارك فى تأثير تلك القرارات على توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة أنها كلها تقريباً تعتمد على الاستيراد، بما فى ذلك المواد الخام التى تحتاجها الصناعة المحلية، فكانت النتيجة هى ما نشهده الآن من فوضى عارمة فى سوق الدواء والمستلزمات، ونقص خطير فى نوعيات حيوية منها، وارتفاع أسعار يفوق احتمال الغالبية العظمى من المواطنين.

(3) سوق النخاسة العلنية التى يُباع فيها المرضى لمجموعة من الأطباء، الذين استغلوا البالطو الأبيض وسيلة للنصب واكتناز الأموال الحرام، بعد أن دهسوا تحت أقدامهم لائحة آداب ممارسة مهنة الطب وأخلاقياتها دون أن يحاسبهم أحد، ووجدوا فى إعلام العار المنحرف الذى يسيطر على معظم الفضائيات غايتهم.. لقد قرأت للدكتور صلاح الغزالى مقالاً مهماً عن «مهزلة الإعلام الطبى»، أشار فيه إلى بعض هذه الممارسات الكارثية، ولكنى فوجئت بعده بيوم برد عليه من مدير إحدى القنوات الفضائية، يبرر فيه ما تقدمه قناته من برنامج يومى للدعاية الفجة لأطباء مغمورين يرتكبون جرائم طبية فى مقابل عشرات الآلاف التى يدفعونها لمقدم البرنامج (يجنون أضعافها من المرضى المساكين المُغرَّر بهم)، فى حين يدفع مقدم البرنامج أكثر من نصف مليون جنيه شهرياً نظير استمرار برنامجه يومياً كما عرفت من مصادر موثوق بها، وليذهب العلم والطب الحقيقى والأخلاق والمرضى إلى الجحيم فى مقابل المال! وشتان ما بين التثقيف الطبى المطلوب وبين عمليات الخداع والنصب العلنى وإهدار كل قيم وأخلاقيات مهنة الطب السامية.

(4) الانحدار الشديد فى مستوى تعليم وتدريب الأطباء والتساهل فى منح شهادات التخصص وعدم القيام بخطوات جادة فى هذا الصدد، وإهمال كل المشاريع والخطط العلمية الجادة التى تم وضعها وإقرارها فى هذا الشأن منذ سنوات، والتى كان من الممكن أن تُحدث تغييراً نوعياً مهماً فى مستوى الأطباء العلمى، وفى تلقينهم كيفية العلاقة السليمة والتعامل بين الطبيب والمريض، والتى هى فى أسوأ صورها هذه الأيام، والتى تحولت للأسف إلى علاقة تاجر بزبون!

(5) إهمال ما نص عليه الدستور فى المادة 18، خاصة تخصيص ما لا يقل عن 3% من إجمالى الناتج القومى للصحة، ويزداد سنوياً إلى أن يصل للمعدلات العالمية، وهو إهمال مُتعمد فى ظل أولويات عجيبة للنظام الحاكم، وفى ظل عدم وجود برلمان بالمعنى الحقيقى يمكن أن يحاسب الحكومة، بل يطيح بها إذا ما خالفت الدستور.. وربما كان هذا التجاهل للدستور- وبالمناسبة ليس هذا هو التجاهل الوحيد- هو أحد الأسباب المهمة لتعثر إصدار قانون جديد للتأمين الصحى الاجتماعى الشامل، الذى هو حجر الزاوية فى بناء منظومة صحية يمكن أن تغير الأوضاع المأساوية التى يرزح تحت أعبائها المواطنون المصريون.

إننى أضع أمام الرئيس وحكومته والشعب وبرلمانه بعض ملامح صور المعاناة التى يعيشها المصريون هذه الأيام، والتى جعلتهم يعيشون فى حالة من الرعب وعدم الأمان، وهم يشعرون بأنه إذا ألَمَّ بهم مرض أو أُصيبوا فى حادث فإنهم هالكون لا محالة إلا مَن رحم ربى، فقدره أنه يعيش فى وطن لا يعرف قيمة للإنسان وحياته! اللهم ارحمنا.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مدير المنتخب المصري ينفي رحيل كوبر للتدريب في الصين
التالى رباط عنق أسود من فضلك