أخبار عاجلة

«يوم للستات» وستة للرجال!

«يوم للستات» وستة للرجال!
«يوم للستات» وستة للرجال!

قرر البعض أن يرصد الفيلم من زاوية الحلال والحرام، ووجدوه بالطبع من هذا المنظور المباشر حراماً بـ «الثُلث»، خدشت مشاعرهم كلمات لو حررتها من بُعدها الدرامى لوجدتها تقع تحت طائلة التجاوزات، بل تقف على تخوم البذاءات، كما وجدوا فى الشريط إساءة للمرأة المصرية وتصورا أن علينا أن نراها دائما فى ثقافة أمينة السعيد ووطنية هدى شعراوى وعِلم نبوية موسى «أستاذة الذرة الراحلة». الفيلم يقتحم دائرة أخرى، نساء يعشن بيننا، هن بالمناسبة يشكلن حزب الأغلبية الصامتة.

«يوم للستات» يمنح لهن مساحة للتعبير، ورغم ذلك فأنا أتفهم أنه كان وسيظل بيننا من يطل على العمل الفنى من زاوية الأخلاق الحميدة، وعلى هؤلاء أن يسمحوا أيضا بالرأى لمن يُخضع العمل الفنى لترمومتر اللغة السينمائية.

سألنى البعض: هل يليق أن يمثل مصر هذا الفيلم، وأن يتصدر واجهة المهرجان بالعرض فى الافتتاح؟ إجابتى هى: نعم يستحق، لأنه فيلم خاص، بمعنى أنك تلمح لدى كاملة أبوذكرى المخرجة إرادة فى أن يعبّر الفيلم بتفاصيله عنها، فهى لا تُقدم فيلما عاما جيدا أو غير جيد.. هذه قضية أخرى.

شاهدت الفيلم قبل نحو ستة أشهر فى نسخة غير نهائية، وكان زمنه يتجاوز ربما ساعتين ونصف الساعة، كان يحمل رؤية تضع التزمّت الدينى الذى نعيشه فى مقدمة الكادر، وغابت فى زحام وتراكم الأحداث حالة المقاومة الداخلية التى تعيشها الشخصيات، وتلك الانفراجة التى شاهدناها فى النهاية، ورغم ذلك فهو ليس فيلما نسائيا بالمعنى المباشر للكلمة، والدليل الدرامى أن بهجة البطلات الثلاث إلهام شاهين ونيللى كريم وناهد السباعى كانت أيضا هى الرجال محمود حميدة وإياد نصار وأحمد داوود.

إلهام شاهين التى تؤدى دور موديل.. اختيار الكاتبة هناء عطية لهذه الشخصية لا أراه عشوائيا، حيث صارت كليات الفنون منذ سنوات تحرمها رغم أنها كانت فى الماضى تتعامل مع الموديل ببساطة. إلهام تعيش فقط بحبها المكبوت لمحمود حميدة، الرجل الذى يمسك بأواخر أيامه سكيرا وحشاشا وبلا مستقبل، ولكنه فقط الذى تتمنى أن تعيش فى ظله وتحت قدميه، ورثت إلهام المهنة عن أمها وخالتها، تشرب الخمور والسجائر ولكنها لم تمارس الحياة الجنسية الكاملة.

ناهد السباعى لديها إعاقة ذهنية بدرجة ما تجعلها تدرك الكثير من الأمور، منها نظرة الآخرين إليها، هى تلقائية فى مشاعرها، ولهذا نراها أكثر من يسعد بالحمام، وتسارع بشراء المايوه الذى يُصبح بالطبع حديث أهل الحتة، بينما أحمد داوود الميكانيكى فى الحى بقعة ضوء ترسلها لها السماء، محققا أمانيها البسيطة بأن تأكل من عند كنتاكى، وكما تدرك حاجتها للأكل، تدرك حاجتها إلى الله، وترى حكمته ببساطة أنه يخلق أشياء عشان أشياء أخرى، فهى تعيش مع جدتها القعيدة لتضمن لها الحياة ولكنها تتساءل ببراءة: ألم يكن من الأفضل أن يُبقى ربنا على أمها ويأخذ جدتها؟، وتنظر إلى «مصر التانية»، مصر الأخرى الثرية، التى يعيش فيها الأغنياء الذين يدفنون ما تبقى لهم من الأكل فى الأرض، ويُكمل أحمد داوود حكايتها، فهى تعرف هيفاء وهبى، وتعتقد أنهم زرعوا لها رأسا آخر، بينما هو يرى أن أوباما مسلم ويحجّ سنويا إلى أسوان، ناهد حاضرة فى المشهد، وإذا غابت يحضر المايوه ليُصبح الحديث عنه هو البطل.

الخط الثالث نيللى كريم.. علاقتها بالماء أن وحيدها وزوجها فقدتهما فى رحلة العَبّارة الشهيرة 2009، التى تورط فيها النظام الأسبق بالتواطؤ والتستر على القتلة، ولكن الفيلم لا يريد أن يتورط فى التوقف سياسياً أمام هذا الحادث.

نيللى تبكى ابنها طوال الأحداث، وكان من الممكن أن تكتفى المخرجة بمشهد حمام السباحة، وهو الذى يحقق التفرد الفنى، ويحمل أيضا المنطق الدرامى بين حادث الغرق وحمام السباحة، ولكن أفردت المخرجة فى التأكيد على الفقدان بمشاهد لا تحمل ابتكارا، إلا أنها فى المشاهد الثلاثة الأخيرة يستيقظ بداخلها الأمل مع إشراقة إياد نصار، الذى كان يكتب لها رسائل على الموبايل لتعيد لها الشريان الذى يربطها بالدنيا.

حمام السباحة كان من الممكن أن يُصبح هو فقط المكان الواحد على المستوى الواقعى، لكن الكاتبة لم تسمح بهذا التعسف، وكان البديل هو أنه عندما يغيب الحمام كصورة يظل فكريا ونفسيا هو الراسخ فى المشاعر.

مرَّ الفيلم بأكثر من مرحلة فى التفكير والتنفيذ وما بعد التنفيذ لتلمح شيئا من التردد إلى درجة أن دور سماح أنور يتم حذفه كاملا، وأكثر من نسخة حتى بعد حذف دور سماح كان من المفروض أن تُصبح نهائية، ولكنها خضعت لفكر آخر ومنطق ثانٍ، شاهدت الفيلم فى نسختين بينهما ستة أشهر، فى الأولى يضع خط التزمت الدينى كمحور أساسى فى المعادلة من خلال شخصية أحمد الفيشاوى وعلاقته بشقيقته نيللى التى ينهرها لأنها تفتح محل العطور، ولكنه لا يجد حرجا فى أن يطلب منها 20 جنيها، وأيضا علاقته المتوترة بوالده فاروق الفيشاوى، حيث التزمُّت يعبر عنه أحمد بينما الانفلات فاروق، قد تتسامح مع الأب فى نزواته الشخصية التى لا يفرضها على الآخرين، ولكن الابن يريد أن يفرض مفهومه المتزمت للدين على الجميع.

الكاتبة فى تجربتها الثانية بعد «خلطة فوزية» لمجدى أحمد على تلمح فى تكوينها خروجاً على المألوف بقدر ما، فهى لا تكتب ما هو متعارف عليه ولا تسبح فى نفس المياه مرتين، وأكثر شخصية يتجسد فيها الابتكار هى الموديل بما تحمله من عُرى للجسد، وما تثيره الكلمة فى الإطار الدلالى بأنها امرأة تمنح جسدها لمن يدفع، بينما الحقيقة أنها عاشت عذراء ولم تشعر بأنوثتها إلا فى اللحظات الأخيرة. أضعف شخصية فى البناء هى نيللى كريم، غير مشبعة دراميا، فأغلب مشاهد نيللى تشاركها إلهام ليميل الخط الأساسى ناحية إلهام، وقدمت إلهام وناهد فى دوريهما حالة من الألق الفنى.

ويبقى فى الحقيقة تامر كروان الذى منح الموسيقى قدرا من الذوبان فى المشاعر بين الصورة والموسيقى لتعيش بها ومعها، ومديرة التصوير نانسى عبدالفتاح مع «الكاميرا مان» بيشوى رستم فى تنفيذ متقن للمشاهد التى تجمع كل الشخصيات داخل الحمام، خاصة تلك التى تعبر عن نظرة تخترق سطح الحمام إلى البشر. إلهام كانت تراهن على دورها بكل ما تملك من إحساس وأموال، فهى تتعامل مع سينما تُضيّق الفرص أمام جيلها، ولكنها تحاول أن تفتح باب أمل لتنفذ منه.

«يوم للستات» بالطبع ليس بطولة فردية، ولكن بعد المونتاج النهائى صارت الكفة دراميا تميل أكثر ناحية إلهام، الجو العام للفيلم، الذى يسمح بهامش الخيال ويتيح الفرصة لشيء من النشوة، كنت أعثر عليه لحظات ويخبو لحظات، وأتصور أن التردد الذى عبّرت عنه المخرجة كاملة وطول زمن التصوير والمونتاج لعب دورا فى الإحساس بهذا التفاوت، ولكن «يوم للستات» بما له وما عليه تجربة استثنائية تستحق التأمل.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك