أخبار عاجلة
اخبار السعودية اليوم - قمة «التعادل» -

الانتفاضات والخسائر.. و«الجدارة الرؤوفة»

الانتفاضات والخسائر.. و«الجدارة الرؤوفة»
الانتفاضات والخسائر.. و«الجدارة الرؤوفة»

لقد بات لدينا أول تقييم من نوعه لحجم الخسائر الاقتصادية التى تكبدتها دول «التغيير» العربية، خلال السنوات الخمس الفائتة، بسبب «الانتفاضات والاضطرابات والإدارة الاقتصادية المتخبطة».

تقول لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا» إن «ثورات ما يعرف بالربيع العربى فى 2011 كلفت اقتصادات المنطقة ما يقدر بنحو ستة بالمائة من الناتج المحلى الإجمالى حتى نهاية العام الماضى، وهى نسبة تعادل نحو 614 مليار دولار».

تلك الجردة الاقتصادية لتداعيات الانتفاضات لم تكن بهذا الوضوح من قبل، لكن التقييم السياسى كان واضحاً منذ نحو أربعة أعوام، خصوصاً بعدما وصل تنظيم «الإخوان» إلى الحكم فى مصر، وانهارت الدولة فى ليبيا، واشتعلت الحرب الأهلية فى سوريا، ودخل اليمن فى نفق طويل معتم، إثر الاقتتال الأهلى والتدخل العسكرى الخارجى.

بحساب التداعيات الاجتماعية والأخلاقية المترتبة على الانتفاضات، أو «إخفاقها»، أو «محاربتها»، أو «قمعها»، أو «الفشل فى إدارتها»، ستصبح الخسائر كبيرة بأكثر مما تتحمل البلدان، وبأكثر مما تستطيع مفاهيم «الثورة» و«الانتفاض» و«التغيير» أن تدافع عن نجاعتها.

سيجد مؤيدو «الثورات» و«التغيير» ذرائع لدحض تلك الاستخلاصات، وسيقول هؤلاء: «إن الثورات لم تكتمل، وتم إجهاضها بواسطة الثورات المضادة، وإن تلك الخسائر سببها الفساد والاستبداد والإدارة الفاشلة».

وسيرد معارضو «الثورات» والراغبون فى عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ست سنوات بقولهم: «ليست ثورات ولا انتفاضات، لم تكن سوى مؤامرات، وإن خسائرها أكبر مما يظهر حتى الآن».

لكن الباحثين الموضوعيين سيهتمون بكون تلك الخسائر حقيقة واقعة، وأن الاختلاف حول حجمها، أو المتسبب فيها، لا ينفى خطورتها، وأهمية إيجاد السبل المناسبة لإيقافها، وتعويضها، وصولاً إلى تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لضمان عدم تكرار الوقائع المريرة مرة أخرى فى بلدان المنطقة.

بسبب النزاع حول أسباب إخفاق محاولات التغيير لم تعد «الثورة» مفهوماً مستقراً يتمتع باليقين فى العقل الجمعى لمواطنى «دول التغيير»، ولأن تكاليف الاضطراب وانهيار الدولة فائقة ومتجسدة فإن الرهان على الانتفاض والاحتجاج يتراجع بشدة.

يقودنا هذا إلى تزايد الطلب على الاستقرار بموازاة تراجع الطلب على المجازفة، مما يؤدى إلى بروز مفهوم الإصلاح فى مقابل تراجع مفهوم الثورة.

فى مؤتمر الشباب بشرم الشيخ، تحدث الرئيس السيسى فى إحدى الجلسات، مشيراً إلى «دولة مساحتها 700 كيلومتر، وعدد سكانها محدود، واستطاعت أن تحقق التقدم، لكن استخدمت العنف.. فهل نستطيع أن نفعل ذلك؟».

خلط كثيرون حين سعوا إلى معرفة مقصد الرئيس، لكننا الآن ندرك أنه كان يتحدث عن سنغافورة، التى استقبل رئيسها فى قصر الاتحادية بعد أيام قليلة من هذا الحديث.

ما لا يعرفه كثيرون أن الرئيس السنغافورى وصل إلى مصر فى طائرة عادية وغادرها بالشكل نفسه، دون أن يكلف دولته الغنية أموالاً لاستخدام طائرة خاصة.

يُعد تصرف الرئيس السنغافورى جزءاً من منظومة تقاليد وسلوك وفكر وأداء سياسى سائد فى بعض دول جنوب شرق آسيا، وهى منظومة تُسمى «الجدارة الرؤوفة»، وتنبع من القيم «الكونفوشيسية»، ولا تتوافق بالضرورة مع قيم الليبرالية الغربية، كما يقول البروفسير بجامعة سنغافورة الوطنية «دانييل بيل».

ووفق حكم «الجدارة الرؤوفة» سيتم اختيار كوادر مؤهلة ونزيهة، ملتزمة بالإصلاح، والحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، واحترام المواطنين، لتولى المسؤولية.

كانت تلك الدول فقيرة، وكان بعضها مضطرباً، وشهد عدد منها ثورات وانتفاضات، لكن منظومات حكم قوية أتت، وقام عليها زعماء جديرون ومخلصون (مثل «لى كيوان» مؤسس نهضة سنغافورة)، استطاعوا أن يقودوا بلادهم إلى التقدم والازدهار عبر خطط إصلاح ناجحة.

لا يتطلب حكم «الجدارة الرؤوفة» أن تكون الصناديق وسيلة لتحديد اسم الحاكم، وقد يظل حزب معين فى السلطة مدة طويلة، وربما يتم تقييد حرية التنافس السياسى، لكن فى المقابل ثمة شروط صارمة لابد من الوفاء بها.

فى حكم «الجدارة الرؤوفة» يجب أن يتم اختيار أفضل العناصر لشغل المناصب، كما يجب أن يتم تفعيل آليات المحاسبة والرقابة، وينبغى أن يخضع الأداء للتقييم، وأن يُحارب الفساد، وأن تتحقق توقعات المواطنين.

بسبب «الجدارة الرؤوفة» خرج مئات الملايين من الفقر فى الصين، وسنغافورة، وماليزيا، وغيرها، وتمتع أغلبهم بالكفاية أو بالثراء، لأن حكام هذه البلاد كرسوا حكماً رشيداً، يحقق الإنجاز، ويقابل التوقعات، واحترموا، إلى أقصى درجة ممكنة، مواطنيهم، وصانوا كرامتهم، وإن لم يطلقوا آليات التنافس السياسى على طريقة الديمقراطية الغربية.

«الجدارة الرؤوفة» قد تكون طريقاً لإخراج الملايين من الفقر، وزيادة الوعى، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتكريس استقرار الدولة، وتحقيق التقدم، بما يعزز فرص التغيير الديمقراطى مستقبلاً.

فى غياب الجدارة، والحكم الرشيد، والرأفة بالناس، وخطط الإصلاح المدروسة الناجعة لن تكون هناك سبل للتغيير سوى من خلال الانتفاضات والثورات.. هكذا يخبرنا التاريخ.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق محكمة تركية تسقط الدعوى ضد اسرائيليين في الهجوم على السفينة «مرمرة»
التالى رباط عنق أسود من فضلك