أخبار عاجلة
احذروا المستريحين .. القانون لا يحمي المغفلين -

الثورة لا تحتاج إلى العلماء

الثورة لا تحتاج إلى العلماء
الثورة لا تحتاج إلى العلماء

■ بعد محاولات عديدة، سمحوا للمرأة القادمة من آخر البلاد أن تدخل وحدها على الرجل فى الحمام. فالأمر عاجل وشديد الأهمية والسرية، هناك متآمرون يريدون اغتياله، ولديها أسماء المتآمرين. كان الرجل يعانى من مرض جلدى مؤلم، ولتخفيف آلامه كان يرقد فى مغطس (بانيو) ممتلئ بالمياه الكبريتية. ناولته قائمة بأسماء المتآمرين. مد يده وتناول الورقة وبدأ يقرأ. فى تلك اللحظة استلت المرأة من بين طيات ثيابها سكينا، وطعنته طعنة واحدة فى صدره، كانت كافية لخروجه من الدنيا ودخوله التاريخ.

■ المرأة هى «شارلوت كوردى» (35 عاما). أما الرجل فهو الطبيب العالم والناشط السياسى والناشر والكاتب الصحفى «جان بول مارا» (50 عاما). أحد رموز الثورة الفرنسية.

■ أدار الثورة الفرنسية، على التوالى، جناحان رئيسيان، «الجيروند»، و«اليعاقبة». كلاهما ثورى، ينادى بالجمهورية، ولكن «الجيروند» معتدلون، هم على يمين الثورة. أما «اليعاقبة» فهم متطرفون على يسار الثورة. وحينما سيطر صقور اليسار «اليعاقبة» على الأمور، بزعامة المحامى المثقف، «روبسبير»، بدأت أنهار الدماء تسيل. نشطت «المقصلة» فى قطع رؤوس «الجيروند» المعتدلين، بلا حساب. الاتهامات يسيرة، وبعضها ملفق، وبالطبع أهمها «الخيانة».. «أعداء الثورة».. «التآمر على الجمهورية»، «أنصار النظام القديم» وأيضا «الرشوة» و«الفساد». وحينما استقرت زعامة وجماهيرية «روبسبير». تحول إلى طاغية مستبد، لم يكتف بما سفك من دماء، استصدر قانوناً يختص بإجراءات المحكمة، ويجعل العقوبة الوحيدة هى الإعدام، ويجعل المحاكمة صورية.. محاكمة تتم بدون شهادة شهود. أصبح المثول أمام المحكمة يعنى الإعدام تحت المقصلة. وفى ظل هذا القانون تم قطع رأس ما يقرب من 1400 خلال سبعة أسابيع فقط لا غير. بدأ بتصفية زملائه، ومن ساعدوه ومكّنوه من السلطة. أرسلهم إلى «محكمة الثورة». أرسل رفيقه الثورى، صاحب فكرة «محكمة الثورة»، «دانتون»، أرسله بتهم عديدة، من بينها «الرشوة والفساد» فقطع رأسه، ولم يبلغ من العمر 35 عاما. بعد أربعة أشهر انتهت «مملكة الإرهاب» بالقبض على «روبسبير» وقطع رأسه، عن 36 عاما من العمر.

■ قُطعت رؤوس الكثيرين من رموز العلم والفن والأدب والصحافة، فى فرنسا، لمجرد انتمائهم السياسى، أو الطبقى، أو لنقص فى «حماسهم الثورى» ورؤيتهم الثورية المغايرة لرؤية «اليعاقبة». تحت المقصلة قُطع رأس الشاعر الرومانسى «أندريه شينييه»، (32 عاما)، والكاتبة المسرحية «أوليمب دى جوج»، وقُطع رأس العالم أبوالكيمياء الحديثة «لافوازيه». وكان «مارا»- قبل مقتله- أحد المحرضين على محاكمة «لافوازيه» بتهمة الفساد.

■ «لافوازيه» هو صاحب العديد من الابتكارات والإنجازات العلمية. كان أول من اكتشف خواص «الأوكسجين» وسماه، ووضع منهجا لترميز العناصر الكيميائية. تجاهلت المحكمة أهميته العلمية، ورفضت تبرئته أو العفو عنه، إذ تواتر أن القاضى قد حسم الأمر بقوله: «الثورة لا تحتاج إلى العلماء».

■ ويعلق عالم الرياضيات والفلك الإيطالى «لاجرانج» فيقول: «إن قطع رأس (لافوازيه) قد استغرق أقل من دقيقة، ولكن مائة عام لا تكفى لنحظى برأس مثله».

■ كانت حقا كما سميت «مملكة الإرهاب».. مملكة الرعب.. عهد المحامى المثقف «روبسبير» تلك الأيام.. من أيام «الثورة». ثورة لم تكتف بأكل الملك والأرستقراطية والنبلاء، تحولت إلى «أكل أبنائها» وهم فى ريعان شبابهم، الواحد تلو الآخر. كان الثوار يحاربون عدوا مشتركا، ويسيلون الدماء حقدا وانتقاما، ثم انقلبوا على بعضهم البعض يسيلون دماء شهوة الانفراد بالسلطة. تحول الرفاق إلى «آلهة طغاة»، وتجذر ذلك العطش للدماء، ولا يروى ظمأهم، مهما سفكت تلك الدماء. فترة عصيبة فى تاريخ الثورة، عبرت عنها ببراعة أحداث رواية «أناتول فرانس»، الصادرة فى مطلع القرن العشرين، «الآلهة عطشى Les dieux Ont Soif».

■ «شارلوت» أو «ملاك الاغتيال» كما سماها الشاعر «لافونتين»، قاتلة «مارا»، كانت تنتمى إلى «الجيروند» المعتدلين سياسيا، قتلته انتقاما للعديد الذين قُطعت رؤوسهم، بسبب تحريضه ووشايته ونفوذه السياسى وما يكتبه فى جريدته المسماة «صديق الشعب». قبض عليها وتم إعدامها بالمقصلة، بعد محاكمة دامت أربعة أيام. كان «مارا» متطرفا، دموى المزاج، حتى إنه كان ينتقد ما سماه «ليونة» و«تساهل» روبسبير!!. كان من المحرضين على «مذبحة سبتمبر 1792»، فقد أشاع وجود مؤامرة خارجية لاقتحام السجون، وتحرير السجناء. ونادى بقتل السجناء. ولبّت الجماهير النداء، واقتحمت السجون وقتلت فى خلال خمسة أيام 1400 سجين. وكان معظم هؤلاء السجناء من المحبوسين فى قضايا جنائية، لا علاقة لهم بالسياسة.

■ كتب «مارا» فى جريدته يقول: «إن قطع خمسمائة أو ستمائة رأس يضمن لك الراحة والسعادة، أما المشاعر الإنسانية الزائفة فهى تقيد يديك وتفت من عضدك، ويكون الثمن حياة الملايين من إخوانك». وخطورة قول «مارا» هذا تكمن فى أنه قول يصلح أيضا أن تتبناه الرؤوس المراد قطعها. فهو قول يعبر عن رأى «الثوريين المتطرفين» فى كل مكان وزمان. ويعبر أيضا عن رأى معظم «أعدائهم»، فى أثناء الثورات، مع اختلاف «نوع الرؤوس» المراد قطعها، فى كلتا الحالتين. وفى واقع الأمر فإن «شارلوت» بقتلها له كانت تطبق مقولته تلك تطبيقا حرفيا. فقد بررت فعلتها تلك أمام «محكمة الثورة» بقولها: «لقد قتلت رجلا واحدا كى أنقذ حياة مائة ألف».

■ للثورة الفرنسية ولرموزها مآثر حميدة وأفضال على الإنسانية بلاشك. وسوف نعرض لبعضها فى أكثر من مقال قادم. ويقينا، لم يكن «روبسبير»- الذى هو نتاج عصر التنوير- مجرد «طاغية» مستبد وكفى، وكذلك زملاؤه، ومعارضوه. ولكننا فيما سبق عرضنا فقط لبعض من «عوادم الثورة».. آثارها الجانبية غير الحميدة. ففى أثناء الثورات تصبح كلمة «ثورة» لدى البعض كلمة مقدسة فى حد ذاتها. تصبح سلاحا يُشهر فى وجه أى نقاش أو تساؤل يرتكز على العقل والمنطق. وفى خضم الثورات يخفت صوت العقل، ويسود صوت العواطف والغرائز والانفعالات. ولقد ثبت أن عدد ضحايا الثورات من الأبرياء يفوق كثيرا عدد مستحقى العقاب من الأشقياء. والمقصلة الذهنية التى تحرم فرنسا والإنسانية من «لافوازيه» وأقرانه، بلا تمييز، توجد فى كل الثورات. وعند مواجهة مشكلات المجتمعات بصفة عامة فإن العقلاء، أنصار الإصلاح، يلجأون إلى المنطق.. إلى أهل العلم، أياً كانوا.. «جمهوريين».. «ملكيين».. «جيروند».. «يعاقبة».. «فلول». أما «الثوريون» فيلجأون إلى غرائز «الجماهير» البدائية، وحفنة من الشعارات وفقط. و«مارا» وشعاراته أهم لديهم من «لافوازيه» وإنجازاته.

■ «عوادم الثورات» مثل «عوادم السيارات» السامة، ولكن المستقبل للسيارة الكهربائية.. بلا عوادم سامة.. المستقبل للإصلاح.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك