أخبار عاجلة

هل كان ابن سينا مُلحداً؟

هل كان ابن سينا مُلحداً؟
هل كان ابن سينا مُلحداً؟

ابن سينا، الذى عاش فى القرنين الرابع والخامس الهجريين، ومات عن ثمانية وخمسين عاما، شُوِّهتْ سيرته، ولُطِّخت سمعته، وصار جسده ساحةً لسهام الطَّاعنين من أبناء البداوة والرمال، وهم لم يكونوا يومًا فى مستوى مُنجزه، والفقيه- عمومًا- عدو ما يجهل.

وابن سينا، الذى كان ابنًا للعربية والفارسية معًا، اعتمد بشكلٍ أساسىٍّ على العقل والقياس المنطقى فى الوصول إلى اليقين، ولم يعتمد على النقل ككثيرين غيره، ممَّن كفَّروه سابقًا، ويُكفِّره تابعوهم الآن.

ولقد دخل ابن سينا (360- 428 هجرية/ 970- 1036 ميلادية) فى جدالٍ مع السلطة السياسية، ورجال الحكم فى زمانه، والأمر نفسه مع مُكفِّريه، الذين سموه «الزنديق»، و«إمام الملاحدة»، وقد طالبوا بإعدامه وقطع رأسه، غير أنه نجا كثيرًا من عقوبة الإعدام.

والسؤال الذى دائمًا ما أطرحه، ليس بهدف المقارنة، إذ لا مقارنة هناك: مَن أفاد الإنسانية بصفةٍ عامة ابن سينا أم أولئك الذين ينامون داخل وخارج عقولهم، يتلوَّنون حسب مِلَّة مَن يقضون حوائجهم بمتاعٍ لا حدود له؟

فلا شىء أسهل من أن يصف أحدهم غيره بأنه كافر أو زنديق أو خائن أو مارق.

فكيف لمَن اسمُه «الشيخ الرئيس» أن يكون كافرًا؟

وكيف لمَن كلما استعصت مسألةٌ عليه دخل مسجدًا مناجيًا ربَّه أن يرشده، وينير طريقه، ويهديه سواء السبيل، أن يكون زنديقًا؟

وكيف لمَن حفظ القرآن، وعرف مبادئ الشريعة، والعلوم الدينية، وعلم النجوم، وهو فى سن العاشرة، ورأى النفس جوهرا روحيا، أن يكون خارجًا على دينه؟

إن ابن سينا- الذى اعتمد كثيرا فى حياته على الملاحظة الدقيقة، والمشاهدة، والاستطلاع والتحليل والوصف، والاجتهاد، والبحث، والاستقراء، والتفسير، وإجراء التجارب، والدراسة الجادة المتأنية، والاستدلال والبرهان الجدلى «... لم يَنَمْ ليلةً بكاملها» طوال حياته القصيرة نسبيًّا- مازال يراه كثيرون يعيشون بيننا كافرًا وزنديقًا، لمُجرَّد أنه صاحبُ منطقٍ وعقلٍ مختلفين عن السائد والمُتاح والمُعتاد المألوف، فى حين لم نَرَ واحدًا من مُنتقديه ومُكفِّريه وحاسديه قد داناه فى المعرفة والعلم والعرفان.

ولما سُجن كان يطلب الأوراق والأحبار، قبل أن يطلب طعامًا وماءً، ليواصل الكتابة والتأليف.

وابن سينا- الذى كان يحفظ عددًا ليس قليلا من الكتب التى قرأها- كانت له فلسفةٌ فى الكتابة، إذْ كرَّسَ كتابته «لمَن يريد أن يتميَّز عن العامة، وينحاز إلى الخاصة، ويكون له بالأصول الحكيمية إحاطة». وربما ما يميِّز ابن سينا عن غيره- خُصوصًا أصحاب النقل من الأسبقين المعتمدين على ما أنجز غيرهم من دون أن يحاولوا إضافة جديدٍ أنجزوه- أنه أراد وضع فلسفة خاصة «حسبنا ما كتب من شُروح لمذاهب القدماء، فقد آن لنا أن نضع فلسفةً خاصة بنا»، فهو يرى أن «العلوم كثيرةٌ والشهوات لها مختلفة».

إن ابن سينا الذى ظل كتابه «القانون فى الطب» المرجع الرئيسى فى الطب لسبعة قرون متوالية، وعُدَّ من أهم علماء الطب فى التاريخ، ولُقِّب بـ«أمير الأطباء»، و«أبى الطب الحديث»، كان يختم القرآن كل ثلاثة أيامٍ، ومن الجهل أن يردِّد المتسلِّفون- من أبناء هذا الزمان السائرون على خطى أسلافهم- أن «ابن سينا والخوارزمى كافران وخبيثان ولا تجوز مقارنتهما بالبخارى وابن تيمية».

فلا يعنى أن ابن سينا قد تربَّى فى بيئةٍ (إسماعيلية)- هذه الأمور كنت أدركها ولكن نفسى كانت لا تقبلها- أنه كان مُلحدًا مستترًا، وأنه سعى إلى تقويض الإسلام السنِّى، أو أنه حاول «بعث فلسفات وثنية قديمة»، وأن أسلوبه يشبه أسلوب الكُهان.

ولم يكن ابن سينا منتسبا إلى المذهب الشيعى الإسماعيلى (وانتسابه أو عدم انتسابه لا يشكِّل لى مشكلة، فما يهمنى منه ماذا كتب، وماذا ترك من آثارٍ أفادت الدنيا، ويكفى أن أقول إن أشهر تلاميذ ابن سينا كان مجوسى الملة).

ويراه كثيرون غيرى أنه كان متصوفًا، وصاحب تجربةٍ ذوقية، وأنه أقرَّ الطريق الصوفى، وفى الوقت نفسه كان للعقل دورٌ مهم وأساسىٌّ فى حياته، وكونك ترفض نظريةً له، أو تفسيرًا، لا يعنى بأى حالٍ اتهامه بالكُفر، ولا ينبغى أن يكون الاختلاف خلافًا، وصراعًا محتدمًا، من شأنه أن يؤدِّى إلى قتل الخُصوم، لأن قدمىْ ابن سينا لم تزلَّا- أبدًا- عن الطريق المستقيم.

كان ابن سينا- الذى امتاز بغزارة نتاجه الطبى والفلسفى والعلمى المكتوب بلغتين هما العربية والفارسية- مهمُومًا بصيانة ما يكتب عن المتربصين والمُكفِّرين من «الجاهلين والمبتذلين ومَن لم يُرزق الفطنة والوقادة والدربة والعادة، وكان صغاه مع الغاغة، أو كان من ملاحدة هؤلاء الفلاسفة ومِن هَمَجهم».

كما عانى مثل غيره من العلماء والفلاسفة (الفارابى، ابن رشد، الكندى، الحسن بن الهيثم، أبوبكر الرازى، ابن باجة...) من الرعاع وغُلاة المتشدِّدين، ومَن ليس من أهل الحقيقة، الذين رأوا نتاج هؤلاء ضربًا من الهذيان والهرطقة والكُفر والإلحاد، وقد تعرَّضوا لمُصادرة كتبهم المخطُوطة وحرقها، وكذا الجَلْد والسجن.

ولم يسلم ابن سينا من فتاوى فقهاء العصر من التكفير، فها هو «ابن باز» المتشدِّد يُفتى بعدم جواز إطلاق اسم ابن سينا (قبحه الله) على أى محل، كما يقول مفتى الوهابيين الأسبق، ويبدو أن انتشار اسم ابن سينا وإطلاقه على مدارس ومستشفيات وعيادات ومراكز طبية وصيدليات وشوارع وميادين قد أزعج مرقد ابن باز، حتى صار ابن سينا يطارده فى أحلامه، وهو ليس مبتدعًا فى كُره ابن سينا، حيث سار على نهج ابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر.

لأن ابن سينا لم يكُن يحبُّ أن يقرأ كتبه «... الرعاع والمضغة، ومَن ليس من أهل الحقيقة، فلا سبيل إلى عرض تلك الأقاويل عليهم».

ومَن يطالع فقط عناوين كتب ورسائل ابن سينا، التى أثبتها الأب جورج قنواتى، سيدرك منذ الوهلة الأولى أنه فيلسوف وعالم عميق الإيمان، أثَّر فى كل مَن جاء بعده، وقد اقتربت مؤلفاته من المائتين، وهناك مَن يقول إنها زادت، غير أن آثارًا كثيرةً له قد تلفت وفُقدت وضاعت من فرط تنقله بين المشرق والمغرب.

عاش ابن سينا مخلصًا للحقيقة وتجليتِها، ناظرًا بعمق ومُستبطنًا أىَّ موضوع يشتغل به، مُورِدًا الأصول مع الفروع معًا، مطَّلعًا على كتب القدماء، مستفيدًا منها مادام فيها شىء يمكن الاعتداد به، آتيا بالبيان، «مستعينًا بالله واهب العقل والقوة...».

وقد شرح كتبه فقهاء وعلماء وأئمة، لما فيها من فرادة واختلاف وعلم نافع.

وأمة مشغولةٌ بتكفير فلاسفتها وفقهائها وعلمائها وشعرائها ومتصوفيها لن تنهض أبدًا، ولن يكون لها مكان بين الأمم، وأرجِّح أنها ستنقرض يومًا ما.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك