أخبار عاجلة
تفاصيل حفل توقيع كتاب إسعاد يونس «زي مابقولك كده» -
"صحة النواب":مصير "تقصي حقائق الأدوية" مجهول -
اخبار السعودية اليوم - حي الذي قام الخليج لمقامه -

ترامبيات!!

ترامبيات!!
ترامبيات!!

يبدو أنه آن الأوان لاعتزال المهنة للكتابة فى الموضوعات التى أعرفها. ليست السن هى السبب بالطبع، طالما أن الطاقة باقية، ولحسن الحظ أننا نعيش فى زمن تقدم فيه العلم والتكنولوجيا وعلاج الأمراض بما فيها مرض السرطان إلى درجة غير مسبوقة. ولكن السبب هو أن القراء تداخلوا بشدة فى عملية الكتابة السياسية، أما الأكثر احترافاً منهم فقد باتوا من المتخصصين فى العلاقات الدولية، والسياسة الخارجية الأمريكية، وكلاهما ظننت أنهما مجالان أعرف فيهما أكثر من غيرى. الحال فى مصر ليس كذلك، وعندما عدت مؤخراً من الولايات المتحدة وحضرت فيها الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لم أفتح صحيفة، ولا شاهدت برنامجا تليفزيونيا سياسيا إلا ووجدت «ترامب» حاضرا، وظل ظله متواجدا طوال الوقت حتى عندما بدت منافسة من مباراة مصر مع غانا. عشرات المقالات، وكثرة طاغية من المحللين، ومتابعة دقيقة بالصور والتقارير، وباختصار لم تعد الولايات المتحدة لغزا عندما عرف الجميع الفارق بين أصوات الناخبين وأصوات المجمع الانتخابى. وكما هو جار فى أمريكا انقسم الجمع بين هيلارى وترامب، وما بين حدوث المفاجأة، وأنه لا توجد مفاجأة على الإطلاق، وبينما قالت جماعة بأن أمريكا ما هى إلا بلد للمؤسسات والثوابت القومية ذات المصالح العليا التى تعلو على الأفراد، فإن جماعة أخرى رأت فى الجمهورى الفائز من الشمائل ما يجعله يقدم بعهد أصبحت الدنيا فيه غير ما كانت، فلا مؤسسات ولا ثوابت، أليس للأفراد دور مهم فى التاريخ، وهل كان «هتلر» ممن تطوعهم المؤسسات أم أنه حرقها.

لم يسلم الأمر طبعا من بعض الآراء العجيبة والبحث عن مؤامرات هنا أو هناك، ولكن الأمر كله كان جزءا هاما من الثقافة المصرية القومية الذائعة التى يسعى فيها المحلل السياسى، حتى ولو كان روائيا قادرا فى الأصل إلى القول بآراء عجيبة. الأستاذ خالد الخميسى، روائى قادر، وأحد الممثلين لجيل مصرى رائع فى الرواية قام فى برنامج مع إبراهيم عيسى باستبعاد كافة الأسباب الذائعة حول فوز «ترامب» وهزيمة «هيلارى كلينتون»، ثم فجر القنبلة بأن سبب الأسباب هى العدالة الاجتماعية، وأضاف أنه من المعلوم أن 1٪ من الشعب الأمريكى يستحوذ من الثروة الأمريكية على ما يقابل ما لدى 99٪ منها. المعلومة صحيحة فى القراءة الأولى، وحتى ولو كانت القراءة الثانية تتساءل كيف يخل ذلك بالعدالة إذا ما اختلفت القدرات والمواهب والعمل وعما إذا كان الأمر مختلفا فى عوالم وتواريخ أخرى. كل ذلك ليس مهما لموضوعنا، ولكن كيف يحقق انتخاب الملياردير ترامب، أحد الأعضاء البارزين فى نادى 1٪، العدالة التى سعت الانتخابات لتصحيحها. كيف ستتحقق العدالة مع طرد 11 مليون من الأمريكيين من أصول لاتينية، أو منع المسلمين من الحضور لأمريكا، أو الزهو بالقدرة على الإمساك بأجزاء النساء الحساسة. سوف نترك جانبا ما قاله الروائى القدير أن هيلارى كانت «كونجرس ومان» أى عضوة فى مجلس النواب، وهى كانت «سيناتور» أى عضوا فى مجلس الشيوخ، كما سنترك جانبا حكاية أن مبدأ مونرو (1823) لم يكن داعيا للعزلة، وإنما هو تدخل فى الشؤون الأمريكية الجنوبية بالدرجة الأولى، حينما دعا الدول الأوروبية لعدم الاقتراب من «المجال الغربى الأمريكى»، ولم يكن له علاقة بسياسة العزلة التى اتبعتها أمريكا بعد الحرب العالمية الأولى. كل ذلك من قبيل التفاصيل فى خلفية الصورة المعرفية عن الموضوع، والتى تجعل ربطه بالعدالة نوعاً من الحشر اليسارى غير المتسق مع مقتضى الحال، ولكنه مناسب لوضع المقترب الاشتراكى على مائدة موضوع حالة ترامب. لم تكن الحجج تناسب الانتخابات الأمريكية ونتائجها، ولكنها جزء من حوارات تجرى على المقاس المصرى.

ترامب على أى حال بات رئيسا لأمريكا، وهو يستحق التعجب فعلا، وكانت آخر عجائبه أنه تخطى التقاليد الأمريكية التى تضع ثروة الرئيس تحت إشراف مؤسسة عمياء تقوم بإدارتها حتى يخرج من السلطة. صاحبنا قال إن أولاده سوف يكونون هذه المؤسسة، لأنهم بالفعل يديرونها، فكيف يكون الموقف إذا ما تقدمت شركة ترامب إلى مناقصة تقدمها الحكومة الأمريكية، وببساطة هل يوجد تناقض فى المصالح، أم أن العدالة سوف تأخذ مجراها؟ ومع ذلك فإن كل ذلك ليس كل القصة، فقد طلب الرئيس المنتخب منح أولاده أعلى التصريحات الأمنية باعتبارهم جزءاً من طاقمه الاستشارى السياسى، بعد أن كانوا جزءاً من طاقمه الانتخابى، وهو الذى يخول لهم الحصول على معلومات أمنية سرية. فأين سيكون الخط الفاصل بين الرئيس، والبيت الأبيض، والعائلة، والثروة، والأمن القومى الأمريكى؟ أول الإشارات بعد ذلك كافية للإزعاج، وهى تبدأ باختيار ستيف بانون باعتباره المخطط الاستراتيجى الأكبر فى البيت الأبيض، والمستشار السياسى الأول للرئيس. الرجل سجله العنصرى صريح، وهو الرجل الزاعق باعتباره واحدا من القوميين البيض أصحاب الأفكار المغرقة فى عنصريتها، ومن كان يشكو ويتخوف من جماعة «المحافظين الجدد» الذين أحاطوا بالرئيس جورج بوش الابن، وأفكارهم الإمبريالية التى جلبت على العالم وأمريكا فيه الكثير من النوائب، فإن الجماعة الجديدة تضيف لها معاداة كل أجناس الأرض، وفى المقدمة منهم جماعتنا فى الشرق الأوسط. القضية ربما ليس ضرورة أن نعلم أمريكا جيدا، وإنما، ربما، أن الحاجة هى أن نعرف كيف نتعامل معها؟

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك