أخبار عاجلة
أول تعليق لـ«راموس» بعد هدفه في برشلونة -

العائلة والانتخابات فى صعيد مصر

العائلة والانتخابات فى صعيد مصر
العائلة والانتخابات فى صعيد مصر

بعد شهور قليلة ستبدأ فى مصر أول انتخابات للمجالس المحلية فى ظل دستور 2014، وستمتد لتشمل كل ربوع البلاد من أقصى وأصغر نجوعها وتوابعها وحتى عاصمتها هائلة المساحة كثيفة السكان. وكالعادة تثير هذه الانتخابات عديداً من القضايا والجوانب التى يتوقف المحللون والمراقبون عندها بالنظر والتفحص، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وإن جرت العادة بالتركيز على السياسية منها أكثر من غيرها.

إلا أنه من بين الجوانب المهمة فى الانتخابات المصرية القادمة وما سبقها من انتخابات، ما يتعلق بالهياكل والقيم الاجتماعية الأساسية فى المجتمع المصرى وعلاقتها بالانتخابات خصوصاً، وبالسياسة عموماً، وهى الجوانب التى يؤثر بعضها على مجريات تلك الانتخابات بصورة أكثر من الجوانب السياسية المباشرة ويحدد إلى مدى بعيد نتائجها. وفى هذا الإطار بدا واضحاً فى كافة الانتخابات السابقة فى مصر، وخصوصاً البرلمانية، مدى تأثير الانتماء العائلى والقبلى على مشاركة قطاعات واسعة من المصريين فى التصويت وفى العملية الانتخابية عموماً، وهو ما ينصرف بالضرورة إلى نتائج تلك الانتخابات. فالمؤكد من واقع البيانات الرسمية الخاصة بالمشاركة فى التصويت أن المناطق الريفية المصرية فى جنوب البلاد وشمالها كانت دوماً هى الأكثر إقبالاً على المشاركة من المدن الكبرى والمناطق الحضرية، وفى مقدمتها عاصمة البلاد القاهرة.

وفى هذا السياق فإن مناطق جنوب مصر، أو الصعيد، تعد من مناطق مصر الأكثر إقبالاً على المشاركة الانتخابية عموماً والتصويت خصوصاً، وهو ما يرتبط مباشرة على ما يبدو بالتكوين الاجتماعى فيها والوحدة الرئيسية التى يقوم عليها وهو العائلة الكبيرة الممتدة. فالبنية الاجتماعية والقيمية فى الصعيد تقوم على محور رئيسى هو العائلة الممتدة بكل أصولها، مثل البطن والفرع والقبيلة، أو فروعها التى تمثلها البيوت الأصغر، وتمثل العائلة بأصولها وفروعها المرجع الاجتماعى الوحيد تقريباً فى الصعيد لكل الأفراد فيه بغض النظر عن الوضع الاقتصادى أو الوظيفى أو التعليمى. وبدا واضحاً بعد مشروعات ومحاولات عديدة للتطوير والتحديث فى مصر عبر قرنين من الزمان، منذ تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد على باشا فى بدايات القرن التاسع، أن هذا النمط من البناء الاجتماعى فى الصعيد لم يشهد تغيرات كبيرة أو جذرية.

والعائلة الممتدة فى الصعيد ليست مجرد تجمع لأقارب من الدرجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الأصهار أو الأنساب، فهى محددة بدقة فى الانتماء لجد واحد قد يكون الرابع أو الخامس أو أبعد من هذا من ناحية الأب وليس الأم، إلا إذا كانت الأم تنتمى لنفس الجد الأكبر. ولا يدخل الأخوال أو الأصهار أو الأنساب ضمن تعريف العائلة ومرجعيتها لأهل الصعيد، حيث يمثل كل منهم عائلة ممتدة أخرى يندرج فيها المنتمون إلى جد واحد أكبر من ناحية الأب. ويترتب على ذلك التعريف المعتمد للعائلة الممتدة فى الصعيد، أن جميع المنتمين لهذا الجد الأكبر يعتبرون بعضهم البعض أبناء عمومة تجمعهم نفس الالتزامات تقريباً تجاه هذه العائلة، مهما كانت درجة القرابة المباشرة فيما بينهم، ومهما بلغ عددهم الذى يصل فى كثير من الأحيان إلى آلاف الأشخاص. وعلى الرغم من أن الالتزامات السارة، مثل المجاملة فى الزواج والمناسبات السعيدة الأخرى، لا تحظى بدرجة واحدة من الإلزام لكل أفراد العائلة الممتدة وفروعها وبيوتها، حيث يتركز عادة بداخل تلك البيوت والفروع، فإن التزام مساندة أبناء العائلة الممتدة فى الانتخابات العامة يقع على جميع المنتمين للعائلة بدون استثناء، إلا إذا تفرقت بعض فروعها وبيوتها ورشح كل منها واحداً منه فى بعض تلك الانتخابات، فينتقل الالتزام به من العائلة الممتدة عموماً إلى أهل هذا الفرع أو البيت ومن يرتبط به من فروع أخرى وبيوت بداخلها.

وقد كانت مشاركة أحد أبناء العائلة الممتدة فى الانتخابات بمثابة مناسبة مهمة لإعادة جمع وتوحيد مكوناتها من فروع وبيوت، باعتبار أن مساندة ابنها المرشح فيها تعد التزاماً جماعياً تغيب وراءه كافة الخلافات التى قد تكون قائمة بينهم فى أوقات أخرى، حيث إن وحدة العائلة الممتدة ككيان أكبر ومحورى لا تعنى خلوها من تشققات داخلية تتسع وتضيق حسب تغير الأحوال والظروف. وقد شهد العقدان الأخيران اتساعاً لبعض تلك التشققات الداخلية فى معظم العائلات الممتدة الكبرى بمختلف مناطق الصعيد بسبب المنافسة بين فروعها وبيوتها حول الترشيح للانتخابات، بعد أن غيب الموت جيل قياداتها ورؤوسها الكبيرة التى كانت تجمعها وتضبط أداءها العام على إيقاع واحد، وهو الأمر الذى من المرجح أن تشهده الانتخابات المحلية القادمة فى مصر كما توضح حتى الآن المؤشرات الأولية. إلا أن ذلك التشقق إلى فروع وبيوت لم يعن، ولن يعنى، تراجع فكرة الانتماء لهذه الكيانات الاجتماعية الأساسية فى الصعيد، بقدر ما يعنى إعادة توزيعه على تلك الفروع والبيوت فى بعض الحالات بدلاً من تركزه حول العائلة الممتدة الكبيرة الموحدة كما كان فى السابق.

وقد ظلت تلك العائلة الممتدة بخصائصها هذه دوماً فى الصعيد هى المرجعية الوحيدة فيما يخص التفاعل مع العائلات الأخرى، سواء كان إيجابياً مثل الزواج والمصاهرة والمشاركة الاقتصادية، أو سلبياً مثل الخلافات حول الأرض والمكانة والعنف المتبادل والثأر، وقبل كل ذلك ومعه الانتخابات والمنافسة على المقاعد البرلمانية والمحلية ومنصب عمدة القرية. فالانتخابات والموقف منها فى مناطق الصعيد مثلها مثل الزواج وبيع الأرض وإقامة المساكن وغيرها، ليست شؤوناً فردية يترك الأمر فيها لتقدير الأفراد ومصالحهم وآرائهم، بل هى من صميم اختصاص العائلة التى يرى أهل الصعيد أنها تتأثر- سلبياً أو إيجابياً- بمن تصاهرهم من العائلات الأخرى أو تبيع لهم جزءاً من أراضيها أو تسمح لهم بإقامة مساكنهم بداخل مناطق سكنها، وقبل كل ذلك من تنتخبهم لتمثيلها فى المجالس البرلمانية والمحلية أو لشغل منصب العمدة.

بتلك القراءة الواقعية لوزن العائلة الممتدة ومكوناتها من فروع وبيوت فى جنوب مصر وفى عديد من مناطق ريفها الشمالى، فى التفاعلات ذات العلاقة بالانتخابات عموماً والبرلمانية خصوصاً، يبدو مرجحاً أن تشهد الانتخابات المحلية القادمة تأثيرات معتادة وقوية من العائلات وفروعها وبيوتها على مسار هذه الانتخابات ونتائجها، وهو الأمر الذى يوجب على كثير من المراقبين عدم التورط فى قراءة هذا المسار وتلك النتائج بصورة سياسية محضة وإمعان النظر أكثر فيما هو أهم وأكثر وأعمق تأثيراً فيهما، وهى العوامل الاجتماعية ذات الصلة بالسياسة بتعريفها العام والأوسع باعتبارها طريقة إدارة شؤون الحياة كلها.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سيادة المستشار.. والتاكسى
التالى رباط عنق أسود من فضلك