هل خدعنا مصطفى محمود بالعلم والإيمان؟

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(1)

الأمل

الإيمان

العلم

ثلاث كلمات لا يعرف حقيقة معناها سوى الإنسان، فى زمننا هذا، أصبح للعلم أتباع لا يقلون يقينا به عن أتباع الرسالات السماوية، فهم يضعونه فى مرتبة الإله القادر على معجزات تفوق معجزات الأنبياء، وفى حين يؤمن أتباع الديانات السماوية بالمعجزات الربانية دون أى أدلة أو براهين، فهم لم يكونوا شهداء عليها، نجد أن أنصار العلم مأخوذون بمعجزاته التى تتجاوز الخيال وتتوالى يوما بعد يوم وتحدث تحت سمعهم وأبصارهم. هؤلاء لا يرفعون أيديهم للسماء بالدعاء راجين الاستجابة ولكنهم يطرقون باب العلماء طالبين حلولا سحرية.

(2)

أثناء دراستى فى الليسيه الفرنسية، وفى المرحلة الاعدادية على ما أتذكر، كان مقررا علينا رواية بعنوان: L'Homme à l'oreille cassée،( الرجل ذو الأذن المكسورة) وهى للروائى الفرنسى أدمون ابو، نشرت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر تحديدا فى 1862م، وهى تدور حول شخصية الكولونيل فوجا، الذى كان ضمن جيش نابليون الأول، ودفن حيا فى الجليد وهو فى العشرينيات من عمره، وظل لمدة نصف قرن، حتى أُكتشفت جثته وتمكن العلماء من إفاقته، وأثناء عملية نقله كسر جزء من أذنه ومن هنا جاءت تسمية الرواية، وهى لا ترتكز على التفاصيل العلمية ولكنها اهتمت بكيف يرى القادم من الماضى مستقبل فرنسا بعد 50 عاما، وهى تعد من الأدب السياسى الساخر، رغم مافيها من خيال علمى. تذكرت هذه الرواية وأنا أقرأ خبرا عن مراهقة إنجليزية أوصت أمها قبل وفاتها أن لا تدفنها وأن تبقى جسدها محفوظا فى الثلج، أملا أن يتمكن العلم فى المستقبل من إيجاد علاج لمرض السرطان الذى كان سببا فى وفاتها المبكرة لتعود للحياة من جديد ولو بعد عشرات السنين ..الموت ليس حقا بالنسبة للفتاة ، لكنه سؤال يمكن للعلم الإجابة عنه ولو بعد حين.

(3)

وصية الفتاة الغريبة، كانت محل جدل بين الوالدين المطلقين، الأم توافق على تنفيذ وصية ابنتها الوحيدة والأب يرفض، وصل الأمر إلى المحكمة العليا فى لندن، صدر حكم القاضى بيتر جاكسون بعد شهر من المداولة، لينصف الأم، ويحكم بأنها الشخص الوحيد صاحب الحق في اتخاذ القرارات بشأن التصرف في جثمان الإبنة.

وخلال الشهور الأخيرة من حياة الفتاة "جيه اس"، كانت تتصفح شبكة الإنترنت لمعرفة المزيد عن عمليات التجميد واختارت شركة تجارية فى أمريكا وخاطبتها، وافقوا على نقل جثمانها من لندن وتجميدها.

طلب قاضى المحكمة أن تقدم الفتاة مبررا لوصيتها، فأرسلت خطاباً إلى المحكمة من المستشفى حيث ترقد، قالت فيه: "أنا في الـ14 من عمري ولا أريد أن أموت، وأعتقد أن تجميد جثماني قد يمنحني فرصة للعلاج والعودة للحياة مرة أخرى، حتى لو كان ذلك بعد مئات السنين". وأضافت: "لا أريد أن أُدفن تحت التراب، أريد أن أعيش فترة زمنية أطول، وأعتقد أنهم قد يجدون علاجاً لحالتي في المستقبل ويُعيدونني إلى الحياة مرة أخرى. أود أن تسنح لي هذه الفرصة، وهذه هي أمنيتي".

(3)

في أعقاب قرار المحكمة في القضية التى وصفها القاضى بأنها استثنائية وفريدة من نوعها، سيتم نقل جثمان الفتاة من لندن إلى أمريكا، حيث سيجمد "للأبد" بتكلفة تبلغ 37 ألف جنيه إسترليني دفعها والدا الأم، وتجميد الجثث من قبل شركات تجارية بدأت فى ستينيات القرن الماضى، وهناك الآن مئات الحالات، أصحابها طلبوا أن تجمد جثامينهم بعد وفاتهم، على أمل أن يعيدهم العلم للحياة فى المستقبل.

(4)

تنوعت ردود الأفعال حول موضوع الفتاة الانجليزية والتى نشرتها الصحف الانجليزية.

سايمون وودز، خبير الأخلاقيات الطبية بجامعة نيوكاسل، قال: "إن الفكرة مجرد خيال علمي. الموت لا يمكن الرجوع فيه. من يسعون لتجميد أجسادهم يعانون من أمراض خطيرة، فقد كانت الفتاة بالفعل في حالة صحية متردية للغاية (مصابة بنوع نادر من السرطان)، ولا يوجد أي دليل علمي على إمكانية إعادتها للحياة".

أما والد الفتاة فقال فى البداية: "لو فرضنا إمكانية علاجها وإعادتها للحياة بعد حوالي 200 عام، لن تجد أي أقارب أو أصدقاء، وقد لا تتمكن من تذكر أي شيء، وستكون في وضع بائس كونها في الرابعة عشرة من عمرها، بجانب أنها ستكون في الولايات المتحدة"، لكن الأب غير رأيه في النهاية، احتراما لقرار الابنة.

بعض العلماء أدانوا قرار المحكمة الذى منح الإذن لفتاة في سن المراهقة بتجميد جسدها بعد الموت، لأن فرصة عودتها للحياة "متناهية الصغر".

وقال خبراء إن الشركات التى تقوم بتبريد الجثث غير مسؤولة عما يحدث فى المستقبل، وهل سينجح العلم فى عودة تلك الجثث للحياة أم لا، وحذروا من أن الحكم قد يشجع الناس للسعى وراء آمال غير واقعية.

(5)

موضوع الفتاة الإنجليزية يفتح باب النقاش حول العلم والإيمان، وهى الثنائية التى جعلها د. مصطفى محمود عنوانا لبرنامجه الشهير، ولقد ظل الرجل يؤكد علينا رؤيته الذاتية بأن التبحر فى العلم يصل بالإنسان لليقين والإيمان بالخالق.

فى حالة الفتاة، نحن أمام حالة إيمان مطلقة بالعلم وليس بالله، الحديث عن المعجزات العلمية فى شتى مناحى الحياة جعل ملايين ينظرون للعلم على أنه بديل للرب.

(6)

الأسبوع الماضى ألقى عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج محاضرة فى جامعة أكسفورد، حذر فيها أن من أن كوكب الأرض لن يحتملنا لأكثر من ألف عام، وعلينا أن نستمر في العمل فى اكتشاف الفضاء للذهاب إليه لضمان مستقبل البشرية والهرب من هذا الكوكب الهش . ما يحذرنا منه هوكينج هو ما تصفه الكتب السماوية بيوم القيامة ونهاية العالم، لكن رجل العلم يبحث عن حل للكارثة المؤجلة بعيدا عن التفسير الدينى، أما رجل الدين فى هذه الحالة فسيتحدث عن الدار الآخرة والجنة والنار والثواب والعقاب.

(7)

اعتقادى الشخصى أنه ليس هناك تعارض بين العلم والإيمان، ولكننى مقتنعة تماما من أن الأول لا يؤدى للثانى كما حاول د. مصطفى محمود على مدى سنوات أن يقنعنا به، فالعلم ليس طريقا للإيمان.

لكن سيظل الإنسان مهما بلغ من علم يبحث عن سبب وجوده، وسيكون هناك المؤمن بأن سر وجوده مرتبط بالخالق وأن حياته الدنيوية ليست سوى الشروق، أما الغروب فسيكون فى العالم الآخر، وآخرون سيجدون أن ليس هناك إلا الحياة الدنيا وعليهم أن ينهلوا منها على قدر طاقتهم قبل الفناء.

وأنت أيها القارئ الكريم ما رأيك؟

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

0 تعليق