أخبار عاجلة
اخبار السعودية اليوم - الطائرة الباكستانية -
صور| دماء شهداء انفجار الهرم تروي أرض الوطن -

من البنية الأساسية إلى الاستثمار إلى الطاقة

من البنية الأساسية إلى الاستثمار إلى الطاقة
من البنية الأساسية إلى الاستثمار إلى الطاقة

لا يوجد عنصر واحد يكفل نهضة وانطلاقة مصرية كبيرة تخرجنا من المستوى الذى نتواجد فيه بين الأمم إلى مستوى آخر من القوة، كما قال نجيب سرور فى زمن قديم، «يخدش بالظفر وجه السماء، ويضرب بالكف وجه الأسد». وإذا كانت المشروعات القومية العملاقة تقوم بمهمة «تحريك» الاقتصاد بعد سنوات من الاضطراب والتراجع إلى حافة الكساد، وإذا كان قرار تعويم الجنيه المصرى وما صاحبه من حزمة سياسات مالية ونقدية يعيد الرشد إلى الاقتصاد الوطنى، وإذا كان تشجيع الاستثمار وجذبه من الداخل والخارج ضروريا لتفعيل ما سبق، وإذا كان بعث الحيوية فى القاعدة الصناعية والزراعية والخدمية المصرية أساسيا لكى نعود إلى حيث كنا قبل عصر الثورات بمعدلات نمو عالية؛ فإن كل ما سبق يحتاج بشدة إلى الطاقة. ولحسن الحظ فإن شواهد كثيرة تقول بأن مصر لديها فرصة للحصول على النفط والغاز من عمليات الاستكشاف الجارية ليس فقط فى مصر وشواطئها، وإنما أيضا من الاكتشافات الجارية فى الدول المجاورة.

ما نحتاجه هو التفكير المختلف الذى يتجه فى اتجاهين: الأول أن الطاقة نفطا وغازا ليست فقط سلعة خام يجرى بيعها فى السوق الدولية، وإنما هى من ناحية قابلة للتصنيع، وهى من ناحية أخرى يمكنها أن تحرك القاعدة الصناعية للبلد التى تحصل عليها. والثانى أنه لا يوجد بلد آخر سوى مصر فى منطقة شرق البحر المتوسط لديه قاعدة للصناعات الثقيلة من حديد وصلب وأسمدة وألمونيوم وأسمنت وسيارات وصناعات هندسية وبتروكيماويات وتسييل الغاز؛ فضلا عن أنه بلد لمائة مليون نسمة، ومساحته مليون كيلو متر مربع، و٨٥٪ من محطات الطاقة الكهربائية به تعمل بالغاز؛ وفوق ذلك كله لديه بنية أساسية من أنابيب نقل الغاز بعضها يلف أرض مصر وبعضها الآخر ممتد حتى إسرائيل والأردن. المعنى هنا أنه لو فكرنا فى النفط والغاز باعتبارهما سلعة للبيع فإن أسعار النفط منخفضة إلى حوالى ٤٥ دولارا للبرميل، كما أن أسعار الغاز انخفضت هى الأخرى إلى ما بين ٤ إلى ٦ دولارات لكل مليون وحدة حرارية. نتيجة هذا الانخفاض إما أنه لا توجد لدى الشركات المنتجة الحماس الكافى للبحث والتنقيب ثم التصدير؛ أو إنها عندما تفعل فسوف يكون ذلك على مدى زمنى أطول مما هو مطلوب. مثل ذلك يمكن تغييره إذا ما نجحنا فى الجمع بين إنتاج الطاقة وضخها فى عملية الاستثمار الصناعي؛ بل أنه فى هذه الحالة فإن الطاقة الرخيصة سوف تكون سببا فى زيادة تنافسية منتجات الصناعة المصرية فى السوق العالمية. الدول العربية الشقيقة مثل السعودية ودول الخليج حصلت على عائد كبير من بيع النفط والغاز خاما، وتصنيعه فى البتروكيماويات، وتكريره فى البلدان المستهلكة، ونقله وأحيانا بيعه فى المحطات. ونحن نستطيع أن نأخذ ذلك فى اتجاه آخر وهو التوسع فى الصناعات المصرية القائمة بالفعل على أرض مصر، وصادراتها قادرة على المنافسة فى العالم. وكخطوة أولى علينا أن نبذل كل الجهد للعودة السريعة لصادراتنا إلى ما كانت عليه قبل عهد الثورات عندما بلغت الصادرات المصرية ٣١ مليار دولار (الآن ٢٢ مليارا). والهدف خلال سنوات معدودة أن نفعل ما فعلته فيتنام بصادرات قدرها ١٦٢ مليار دولار؛ وساعتها لن يشكو أحد من اختفاء الدولار أو تباطؤ السياحة.

تحقيق ذلك يبدأ من نقطة هامة وهى الإدراك الكامل لحقيقة الجغرافيا الاقتصادية لمصر التى تقع بين أكبر الأقاليم المنتجة للنفط والغاز فى السعودية والخليج فى الشرق؛ وأكبر سوق عالمية للاستهلاك فى أكبر قاعدة صناعية فى العالم وهى الاتحاد الأوروبى فى الشمال. الرابطة بين هذا وذاك هى مصر ومنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. وفى الوقت الراهن فإن مصر بدأت فى إقامة علاقات تعاونية مع كل من اليونان وقبرص، ومن قبل كان لها علاقات تعاون مع دول الخليج ممثلة فى خط السوميد. كل ذلك لا بأس به، ولكن ما نحتاجه بسبب الزيادة السكانية ومكانتنا المنخفضة فى السوق الاقتصادية الدولية أن نفكر بشكل أكثر طموحا بكثير مما وصلنا إليه حتى الآن. إسرائيل ذهبت فى هذا المضمار وأقامت علاقات تعاونية مع اليونان وقبرص ومعهما كانت على استعداد لتسوية أوضاعها السياسية المتوترة مع تركيا فى يونيو الماضى بإعفاء إسرائيل من كل مسؤولية فيما يتعلق بما جرى مع السفينة «مافى مارمرا» التركية بدفع ٢٠ مليون دولار تعويضا لكل قتيل تركى. ومع شهر أكتوبر وقعت البلدان اتفاقية لإنشاء خط لتصدير الغاز إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. الاحتياطيات الإسرائيلية من الغاز تبلغ حوالى ٣٩ تريليون قدم مكعب من الغاز مقسمة على ثلاثة من حقول الغاز: ماريبى، تامار، ليفياثان.

التفكير المصرى حتى الآن يدور حول العلاقات الثنائية التى يجرى التفاوض فيها حول تصدير الغاز إلى مصر سواء كان من إسرائيل أو قبرص؛ وكذلك التنسيق مع اليونان وقبرص من خلال تخطيط الحدود البحرية مع البلدين لتشجيع الشركات المنتجة على الاستثمار فى البحث والتنقيب. كل ذلك لا بأس به، ولكن الطموحات المصرية لا بد لها ألا تتوقف عند ذلك، ليس استنادا إلى احتياطياتها من الغاز، وما هو متوقع على شاطئها الكبير على ساحل البحر المتوسط، وما هو متوافر فى الدلتا، وإنما على مشروع كبير للتعاون الاقتصادى فى منطقة شرق البحر المتوسط. ببساطة فإن النفط والغاز يمكنهما أن يلعبا ذات الدور الذى لعبه الفحم والحديد والصلب فى التأسيس للتعاون الأوروبى المعروف الآن باسم الاتحاد الأوروبى. ولو أن كل ما سبق كان متوافرا فى منطقة أخرى من العالم لجرى السعى من أجل إقامة منظمة إقليمية للتعاون الاقتصادى والتنمية تكفل لأطرافها المختلفة قيمة اقتصادية مضافة تحقق آمال شعوبها، وتفتح الأبواب لأشكال مختلفة لحل المعضلات القائمة.

باختصار فإن مصر حتى تستكمل عناصر انطلاقتها لا بد لها من بعد إقليمى يقوم على شكل من أشكال العلاقات المؤسسية مع دول الخليج، وفى المقدمة منها المملكة العربية السعودية؛ وعلاقات أخرى مؤسسية مع دول شرق البحر المتوسط. مثل ذلك لا يخل من عقبات، بعضها ليس صعبا مثل تبديد الغيوم مع المملكة العربية السعودية لأن آفاق مشروعها للتنمية ٢٠٣٠ يقوم على الوصول للبحر المتوسط؛ وبعضها الآخر من التعقيد بحيث فشلت فيه كل المحاولات السابقة مثل القضية الفلسطينية. الأولى لا بد منها لتنمية سيناء، وبناء الجسر المصرى السعودي؛ والثانية تحتاج إلى تفكير جديد يجعل من الأمل والمستقبل دوافع للسياسة والدبلوماسية. وبصراحة فإنه من الممكن أن تُعطى فلسطين مقعدا فى منظمة للتعاون فى شرق البحر الأبيض المتوسط بحكم ما لديها من غاز فى غزة؛ ولكن حل المسألة الفلسطينية حلا جذريا لن يحدث ما لم يتوصل الأشقاء فى فلسطين إلى كلمة سواء. ولكن المؤكد أنه لا يمكن تعليق مستقبل المنطقة وشعوبها حتى تقرر الضفة الغربية وغزة مصير الدولة الفلسطينية خاصة وأن الانتظار قد طال كثيرا.

بهذا البعد الإقليمى فإن عناصر النهضة والانطلاقة المصرية تكون قد اكتملت، وكما أن إنشاءات البنية الأساسية دارت بفعل الروح التى تولدت من تعمير وبناء محور قناة السويس، كما أن وجود الرشادة الاقتصادية قام على الاتفاق مع صندوق النقد الدولى وتعويم الجنيه، وأن هناك نية لتفعيل القاعدة الصناعية للبلاد من خلال نضج أدوات وأساليب ممارسة الأعمال، فإن المنهج الإقليمى الذى يحول النفط والغاز من حالته الخام إلى بضائع وسلع ومنتجات من كل نوع، هو سبيل مصر لكى تصل إلى ما تستحقه بين الأمم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق النيابة توجه 3 اتهامات لرجل الأعمال مدحت بركات
التالى رباط عنق أسود من فضلك