أخبار عاجلة
ناجي جدو ينعى ضحايا الكنيسة البطرسية -
تدشين مبادرة «مصر تصدر» 19 ديسمبر الجاري -
«المهن التمثيلية» تدين أحداث الكاتدرائية -

بنحبك يا فيروز

بنحبك يا فيروز
بنحبك يا فيروز

(1)

بترجعي يا فيروز بترجع الأيام..

عائدٌ من احتفال تليفزيوني بعيد ميلاد جارة القمر.. صوت الأوطان، همسة العاشقين، المبشرة بقدوم الغضب الساطع ليكتسح ظلام الذل العربي.

(2)

بدأت فيروز عقدها التاسع وسط مخاوف من تسارع رحيل الكبار، فبدا احتفال الشعب الفيروزي هذا العام كأنه مناشدة للرب أن يحفظ «عصفورة الساحات» ليظل شدوها يملأ الآفاق، حتى تعود شمس مصر الذهب، ويطل القمر من خلف التلال ويسمع الألحان، فقد رحل هيكل، ومن قبله فاتن حمامة، وعاصي الرحباني، ويوسف شاهين، وملحم بركات، وعبدالوهاب، ونجيب محفوظ، ومن قبلهم فريد وحليم وثوما ورامي والسنباطي، ولم يتحمل الجيل التالي مرارة الهزائم وتغير الأحوال، فبدأ في الانفراط مبكراً: الموجي، الطويل، أحمد زكي، سعاد حسني، نور الشريف، وأخيرا محمود عبدالعزيز، ليبدو فراغ الساحة مخيفاً لمن يتأمل مستقبل الوجدان العربي، في زمن «المهرجانات» الصاخب، وسوناتات: «أركب الحنطور.. وأتحنطر» و«شربت حجرين ع الشيشة».

(3)

كنت أشارك مع نخبة ثقافية من أقطار عربية تنوعت في سياستها وتاريخها، لكنها التقت على حب فيروز: الشاعر شوقي بزيع من لبنان، والموسيقار سمير كويفاتي من سوريا الجريحة، والشاعر المنصف الميزغني من تونس الخضراء، وعصفورة الجليل المغنية الفلسطينية المتميزة أمل مرقس، وكاتب السطور من مصر، كانت أمل أكثر المشاركين لمساً لأوتار الشجن، فهي صاحبة مشروع غنائي يستند على إحياء الذاكرة الفلسطينية وموسيقى الشام، لذا التقت في جانب من مشروعها مع فيروز حتى لُقِّبت بـ«فيروز فلسطين»، أما مشاركاتنا كمثقفين فقد ركزت على التقدير الثقافي والإنساني للحالة الفيروزية باتساعها، حيث تمتزج الموسيقى المنفتحة على العالم كله، مع كلمات وقضايا ترتبط بجذور القضايا العربية، وبوجدان الإنسان في كل مكان على الأرض دون تعارض سياسي أو «شوفينية» قطرية.

(4)

في ذلك اللقاء، تذكرت تأثر صديقي الحالم الدكتور صلاح السروي، عندما كان طالبا في جامعة القاهرة، وهو يغني متاثراً أغنية «ليالي الشمال الحزينة» وتدمع عيناه من فرط التأثثر في المقطع الذي تغني فيه فيروز: «يا حبيبي أنا عصفورة الساحات أهلي ندروني للشمس وللطرقات»، ولما سألته مرة، وكنا في مطلع الشباب، قال لي: أبكي لأنني اشعر أننا مثلها عصافير الساحات، نذرنا أنفسنا للمس وللطرقات.

(5)

هكذا كانت فيروز تدخل في تفاصيل حياتنا، نحب بأغانيها، ونناضل بأغانيها، ونرقص على موسيقى الرحابنة التي فتحت لآذاننا نافذة واسعة على تنويعات الموسيقى العالمية الرفيعة بلا تعقيدات نقدية متخصصة، ولا مسافة غربة، لذلك اقترحت تأسيس ما أسميته «صناعة فيروزية» على غرار ما يسميه النقاد الإنجليز «الصناعة الشكسبيرية» أو ما أضافه فلاسفة العالم إلى أفكار أرسطو، من خلال ما سمي «شروح ارسطو» وهي تفوق بآلاف المرات عدد الكلمات التي كتبها أرسطو نفسه، ومن هنا يمكن ان تتأسس معاهد موسيقية لدراسة المنتج الفني لفيروز، والمضامين الأخلاقية والوطنية والعاطفية والإنسانية التي كانت تحملها معاني الكلمات في أغنياتها، كما يمكن إعادة إحياء مسرح «البيكاديللي» في شارع الحمرا، ليقدم بمواهب واصوات مكتشفة حديثا «ريبتوار» متواصل للمسرحيات والاسكتشات الغنائية التي قدمتها «السيدة» التي ظلت طيلة مشوارها تجمع ولا تفرق.

(6)

وفي اللقاء أيضا اقترحت أن تهتم المؤسسات الثقافية والفنية العربية بترشيح «المشروع الفيروزي» لجائزة نوبل في الآداب، فالعالم لم يعد ينظر للغناء بأنه فن أقل قيمة من الأدب المكتوب، ولعل فوز المغني الأمريكي بوب ديلان بنوبل الأدب هذا العام ينبهنا إلى ضرورة التخلي عن تفكيرنا النمطي البليد، فلا نقف عند أصنام الترشيح المزمنة والمتكلسة، وكأن الإبداع العربي توقف عند أدونيس ونوال السعداوي!، لهذا فإن المبادرة بترشيح فيروز يعكس استجابة لمدى قدرة المؤسسات العربية العتيقة على تطوير أفكارها والاستجابة للمتغيرات التي تحدث في العالم من حولنا.

(7)

جميل أن نحتفل بمبدعينا في حياتهم، ولا ننتظر التكريم الرثائي، والتأبين البروتوكولي الذي يشبه سرادقات العزاء، ومجاملات «اذكروا محاسن موتاكم»، لعل هذا يضخ دماء جديدة في الجثة العربية العليلة، ويبعث الأمل في النفوس..

في أمل؟!

إيه في أمل/ أوقات بيطلع من ملل/ وأوقات بيرجع من شي حنين

وفيروز هي سيدة الأمل والحنين.. بنحبك يا فيروز

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك