أخبار عاجلة
"المغناطيس".. جديد العلماء لاستعادة الذاكرة -
صور.. “سبت الجارة” الأسبوعي يكتسح أسواق القنفذة -
مارين لوبان تشيد بنتيجة استفتاء إيطاليا -
رئيس وزراء نيوزيلندا يعلن استقالته بشكل مفاجئ -

سلاسةُ السلاسل «قصة قصيرة»

سلاسةُ السلاسل «قصة قصيرة»
سلاسةُ السلاسل «قصة قصيرة»

«أحب هذه الطيور، وأحسدها، لأنها تستطيع ما لن أقدر عليه أبداً: التحليق عالياً، وبعيداً.. آه لو صرت يوماً واحداً من هذه العصافير المحتشدة فى صخب العصارى، حول الشجرة الوحيدة الباقية قرب البيت بعد المذبحة التى كانت قبل سنوات، واجتثت فيها الأشجار الكبار المصطفة بانتظام على طول الرصيف، وكانت فروعها تضايق شرفات وشبابيك السكان. قالوا أيامها إنهم سيقطعون هذه الأشجار، لا لشكوى السكان وإنما خشية أن تضغط جذورها القوية على أساس البيوت المطلة على الميدان، فتسقطها. وقالوا إنهم سوف يزرعون مكانها أشجاراً أرق منظراً وألين جذورا، وقيل إنهم غرسوا صباحاً شجيرات تشكو اليرقان، وظهراً اقتلعها الصبيان الذين كانوا يلعبون فى الميدان. أنا لم أشاهد هذه الشجيرات ولم أشهد اقتلاعها، لكننى أصدق ما يقال بدلاً من إجهاد نفسى فى التكذيب والشك وطلب الدليل.. لو صرت عصفوراً لهجرت هذه الشرفة الضيقة، محدودة المطل، وهاجرت من دهاليزى الخانقة إلى غير رجعة. يا سلام. سأتخلص بذلك من كل ما يضايقنى، ومنى، وممن يحيطون بى ويرخون السلاسل اللامرئية حول عنقى وقدمىَّ وأنفاسى، ثم يتركونها تنكمش فتضيّق الخناق. لو صرت عصفوراً، سوف أسكن قبة الأفق ولن أحط إلا بالنواحى الرحبة البعيدة التى لم يجتمع فيها البشر، ويشوهون ما فيها. هه. ما يدرينى؟! فربما استجابت السماء بمكر لأمنيتى، فصيِّرتنى طائراً لا يطير فأكون - لا قدر الله - كالبط منتوف الريش. نعم، هذا وارد محتمل ولن يحتمل. لا، هذا هو بالفعل حالى الذى يتحدى احتمالى، فما أنا إلا كذكر بط منتوف الريش..».

اقتحمت رائحة البصل المقلى الشرفة، وعاصرت الزاوية القابع فيها «خالد خلاع» مستمتعاً بدوران شظايا الخواطر العصفورية، المحلقة به بعيداً، فقام متأففاً وأوصد عليه ضلفتى الشرفة ثم عاد ليتخندق فى موضعه الأول، ويوالى هيمانه مع خواطره المريحة لأنها مستحيلة، ولا تكلفه أى مجهود.. وبطبيعة الحال، لم ينتبه «خالد» إلى أن أمه العجوز «محفوظة الحضرى» جالسة هى الأخرى بالزاوية ذاتها، فى الشرفة الأخرى. الشرفتان متقاربتان، لكن الدولاب المعدنى الطويل الموضوع فى شرفة غرفة «خالد» وزوجته «ثناء»، يعوق النظر إذا أراد أن يمتد بين الشرفتين، ويمنع بينهما الرؤية.. الشرفة الأخرى فيها هى الأخرى كراكيب كثيرة وكراسى مهشمة لم ترض أمه عن التخلص منها.

عاد «خالد» إلى خواطره الخطيرة آملاً أن يستكين كى يستكمل جولان أمنياته الهوجاء، إلا أنه سقط فجأة فى بئر الذكريات، إذ سأل نفسه سؤالاً لا معنى له ولا داعى، عما إذا كان قد أخطأ حين هجر «نهال» التى كان يظن أنه يحبها، وتزوج هذه الثناء المنهمكة الآن فى الطبيخ لإعداد وجبة الغداء؟! قال فى نفسه: لا، ليس هناك أى خطأ، فأنا لم أتأكد قط من حبى لها، وهى لم تقل يوماً إنها تحبنى. كانت تغتاظ من ترددى، مع أنه طبيعى فى تلك الأمور المصيرية، ولما تحدثت معها بصراحة صدمتنى بأننا لن نصلح كأزواج، وكانت يومها منزعجة فأفزعتنى:

- ليه بتقولى كده يا نهال؟!

- لأنك أصلاً، لسه موش عارف إنت عاوز إيه..

- يعنى هاكون عايز إيه، متهيأ لى إننا بعد أربع سنين مع بعض، طبيعى بعد كده نتجوز.

- أيوه يعنى، على أساس إيه؟ وبعدين إنت متأكد إننا فعلاً مع بعض من أربع سنين.

- طبعاً، إحنا بنتقابل فى الكافيه ده كل فترة، وبنسأل على بعض بالتليفون، وبفكر فيكِ كتير. يعنى بحبك..

- يا خالد، قلت لك ميت مرة قبل كده، الحب حاجة والجواز حاجة تانية خالص.

- قصدك يعنى يا نهال علشان مرتبك أكبر من مرتبى بكتير! ما هو ده طبيعى، إنت بتشتغلى فى شركة خاصة، وأنا موظف متثبت فى الحكومة، يعنى وظيفتى مضمونة..

- المرتب مالوش دعوة، موش هو ده قصدى.

- أمَّال قصدِك إيه، قولى بصراحة يا نهال، إنت موافقة نتجوز ولا لأ؟

- لأ.

كان الكلام غير مُجدٍ، والسنوات الأربعة، فكانت تلك هى الجلسة الأخيرة والنهاية الرخيصة للقصة السخيفة التى شعر «خالد» بأنها لم تكن مفيدة فى أى شىء.. لكن إلحاح أمه الدائم لم ينقطع، ولم تفوِّت أى فرصة أو وسيلة إقناع: يا بنى نفسى أفرح بك! متى أرى أحفادى! لابد من الزواج! أنا رجلى والقبر! ربنا يهديك يا بنى وتسمع الكلام!

وهكذا صارت «ثناء» المرشحة الأولى، والوحيدة، زوجة.. ومضت أربعة أشهر من دون حَبَل، فعاودت الأم الطنين: خير يا «ثناء» لسَّـه مفيش حاجة! يا صبر أيوب! يا بنى خدها لدكتور يمكن فيه مشكلة!!

«المشكلة لن تفهمها أمى أبداً. ففى ليلة العُرس كانت زوجتى مطلية الجسم بالكريمات العطرية، ومفحمة الأنحاء بالرائحة البرفانية الفواحة، فأقبلت عليها مدفوعاً بحرمان لحوح، وثأرت بها من شُـحِّ السنوات الطوال. وتم المأمول ولكنها لم تحمل. فى اليوم التالى تحمِّمت «ثناء» وأسبغت، فشممت حين اقتربت منها رائحة جسمها، فانهارت عزائمى. هذه الرائحة لا اسم لها، ولم أشم مثلها من قبل، لكنها فى خاتمة المطاف، منفرة. احترت أياماً واحتارت معى فبدت غير شهية بالمرة، وفى ليلة رائقة النسمات تجاورنا فيها بالشرفة، طلبت منها بعد صمت طويل أن تتعطر عند اللقاء الفراشى، ففعلت، وليتها عصت. فقد امتزجت بالعطر الردىء رائحة جسمها، فصارت فى أنفى كالغاز الخانق، وانهارت مجدداً عزائمى.. وازداد الانهيار بعد أيام، عندما أخبرتنى «ثناء» بصوتها المتحشرج أن أمها أخبرتها بما أخبرها به الطبيب، فنفرتُ أكثر، واقترن بالنفور الغيظ من نظراتها الغبية، ومن ضحكاتها المفتعلة، ومن تزلفها المكشوف لأمى. صرت أعافها، ولا أحتمل رائحتها فى الفراش، فأولى وجهى إلى الجهة الأخرى، لأرحم نفسى بقدر المستطاع من الشم واللمس والسمع والنظر، ومن التذوق والحاسة السادسة.. وليت أمى، مع ذلك كله، ترحمنى من الترهات وسخائف العبارات والإصرار على إنجاب ولد لكى يخلد اسمى. كيف سيخلد اسمى إن كان إنساناً محكوماً عليه بالموت بعد حين، وسوف يحتاج بدوره إلى من يخلد اسمه! ولماذا أسمونى بهذا الاسم الكاذب «خالد» وهم يعلمون أننى فانٍ مثل بقية البشر، وليس هناك خالد إلا الله».

■■■

«ما آخرة هذا العذاب الذى لحق بى من حيث لا أدرى، وكيف سأصبر على زوجى المهزوم هذا، الجالس فى شرفته مثل كومة من الفخار المتكسر، ينتظر ما أطبخه للغداء. هو لم يكن زوجاً إلا ليلة واحدة، بعدها خرج من الخدمة إلى غير رجعة، ولم يعد قادراً على شىء إلا الشكوى من ضيق صدره وأنفاسه، ومن ضعف ساقه وركبتيه، ومن أن ملاءات السرير ليست نظيفة.. أمى - أكرمها الكريم - هى التى كشفت لى سِـرَّه بعدما أخبرها به الطبيب وصدمها بالحقيقة المفجعة:

- شوف بقى يا «سُـن سُـن» أنا سألت الدكتور «عنتر» عن الوضع بتاع جوزك..

- هو فيه دكتور اسمه عنتر!

- أيوه، ده جار «يسرية» بنت عمى، ومراته صاحبتها، أنا حكيت ليسرية وهى حكت لصاحبتها وهى حكت لجوزها وعرفت منه كل حاجة.

- عرفت إيه يا ماما؟

- جوزك عنده عجز، ولازم يتعالج، واحتمال كبير يكون مفيش رجا منه، بس إنتِ لازم تصبرى، لحد ما نشوف آخر الموضوع.

- بس يا ماما، هو يعنى أول ليلة كان كويس!

- أيوه، أنا قلت كده ليسيرية وقالت لمرات الدكتور وهو قال لها إن دى كانت صدفة.

- يعنى إيه صدفة؟ يعنى خلاص يا ماما مُش هاتتكرر تانى أبداً.

- الدكتور عنتر بيقول إنه أكيد ليلتها كان واخد أدوية كتير علشان يقدر، وبعدين هبط.

- طيب أعمل إيه دلوقت يا ماما؟

- انسى الموضوع ده خالص، وركزى مع أمه الحيزبونة علشان ماتتقلبش عليكِ، وبعد كام شهر كده نشوف هايحصل إيه، ونتصرف».

احتارت «ثناء» فيما يحيط بها، ولم يكن يخطر لها من قبل على بال، ودامت حيرتها شهراً أو خمسة أسابيع وبعد ذلك اعتادت على العبودية المقنعة، وتقبلت كونها خادمة مؤقتة، بغير أجر، تنتظر الفرج الذى قد لا يأتى.

وهى تقشر البصل وتقطعه، سالت مع دموعها مسارب الذكريات البعيدة والقريبة، وتدفقت. كان آخرها ما جرى ليلة أمس عندما كانوا جالسين، ثلاثتهم، بالصالة يشاهدون بعيون المشنوقين فيلماً مملاً مليئاً بالمواجهات الشرسة بين الأشرار والأخيار، وسوف ينتصر الخير بطبيعة الحال فى النهاية، مثلما هى العادة فى أفلامنا، لا ينتصر الخير إلا فى الأفلام. فجأة، ومن دون أى مناسبة، قالت «محفوظة» أثناء إلقاء بطل الفيلم وابلاً من الطلقات، إنها تود أن يأكلوا فى غداء الغد بازلاء! وفى الصباح، أثناء دوام «خالد» فى وظيفته الهلامية الحكومية، ذهبت ثناء إلى السوق فاشترت الخضروات ونصف كيلو لحم «موزة» لا يشبه أى موز، وجادلت البائع فى السعر، بقدر ما استطاعت مستعملة البراهين المعتادة: اللحم المستورد أرخص فى الجمعية التعاونية!

- روحى هاتى من هناك.

- أنا خدت منك نص كيلو من أسبوع، وكان أرخص من كده.

- ده كان من أسبوعين، وبعدين كل حاجة بتغلى، إلا البنى آدمين.

- بس اللى بتطلبه ده كتير.

- مافيش حاجة تكتر عليك يا قمر، خديه ببلاش خالص بس هاودينى وريَّحى بالى، وأنا أدلعك آخر دلع..

- يا راجل عيب على شيبتك.

- الدهن فى العتاقى.

وهى تقلى البصل مع بعض فصوص الثوم، هاج الوجد بقلب «ثناء» وصعب عليها حالها فاستكملت بكاءها، بلا بصل، حتى احمرت التقلية فألقت فوقها الطماطم المقطعة والصلصة المذابة فى كوب ماء.. تهرأت قطع الطماطم مع دوام التقليب، وكانت قطع اللحم المسلوق تدور فى حسائها بالإناء الآخر الموضوع فوق النار، مثل ثناء. حدقت بذهول وهى تسكب التسبيكة وحبَّات البازلاء وقطع الجزر الأصفر، فوق اللحم المسلوق، لأنها تمنت لوهلة أن تلقى فى الإناء ببعض سم الفئران. ثم ثابت لرشدها، واستغفرت ربها، وعادت لإيقاعات الاستسلام. خلال الدقائق القليلة التى كان الإناء الأول يهرك محتوياته تحت قوة الغليان، كانت «ثناء» قد غسلت كوبى الأرز، وأضافت إليها المقدار ذاته من الماء، وتركت الإناء الألومنيوم المسمى «حلة الرز» لدقائق فوق النار القوية. فبدا لها أن وجبة الغداء أوشكت على الاكتمال، فبدا لها أنها أيضاً أوشكت على الانتهاء والذبول وفقدان المعنى واكتمال الحسرات.

كان يمكن لثناء، بعدما هدأت النار تحت الإناءين، أن تخرج من المطبخ حتى تنقضى ساعة النضج على النار الهادئة، لكنها فضلت البقاء حيث هى، كيلا ترى زوجها وحماتها إن خرج أحدهما من شرفته التى ينتظر فيها الانتهاء من إعداد الغداء. الجو هنا حار، والبخار يملأ الأنحاء بالرائحة الشهية لمن يشم، الخانقة لمن فقد الشهية.

شعرت «ثناء» وهى تنظر نحو الموقد المتراقصة عيناه باللهب الخفيف أنها فقدت كل ما كانت تتمناه، أرادت «السعد» فوجدت التعاسة، وأرادت إرضاء حماتها، فوجدتها خرفة لا تعرف معنى الرضا، وأرادت زوجاً تتفاخر به بين القرينات ففضحها بين الأقارب، أرادت عموداً صُـلباً تستند بظهرها إليه أحياناً ،وأحياناً تحتضنه فوجدت حبلاً مرتخياً لا يصلح إلا لصنع مشنقة.. وكانت فى طفولتها تريد تغيير اسمها هذا الذى تكرهه، وتتمنى استبداله باسم رقيق مثل «ندى، مى، نورهان» لكنها عرفت أن كاتب السجل المدنى سمع من أبيها الألثغ الاسم المختار «سناء» ثناء، وصُـدمت حين عرفت أن معنى اسمها الرسمى: مدح! واستسلمت بعد الحسرات الأولى عندما أخبروها أن الأسماء لا يمكن تغييرها.

■■■

«هوسة. حياتى التى تتهيأ للانتهاء كانت كلها هوسات» لا معنى لها، ولم يعد عندى من ذكرياتها الكثير، لأنها أصلاً كانت خاوية وليس فيها ما يستحق التذكر. نعم، شعرت بالسعادة يوم خرجت من بيت أبى إلى هذا البيت، إذ ظننت أننى تحررت من سجنى الكريه. لكننى اكتشفت أنه كان مجرد انتقال من زنزانة لأخرى، فزوجى «صبحى الخلاع» غيور هائج لأوهى الأسباب، طويل اليد واللسان، وكان يلتزم حرفياً بوصايا أمه الخالدة التى اسمها خالدة: (ادبح لها القطة! خليك معاها راجل وملو هدومك! بلاش الهزار معاها علشان الدلع آخرته تخوف! اضرب المربوط يخاف السايب).. منها لله هى وابنها الذى ضيع عمرى هباءً منثوراً، فلم أخرج من صحبته إلا بولد لا يستطيع أن يعطينى حفيداً، وبعد معاناة استطالت عشرين عاماً، صرت «أرملة» وأماً لطفل وحيد وأنا لم أبلغ من عمرى الأربعين. واليوم، على مشارف السبعين، لم أعد أحلم إلا بالحفيد المستحيل.. آه يا ركبتى».

كانت أم خالد على وشك استعادة ما تهمس به لنفسها كل يوم، من ظلم أبيها لها ثم زوجها ثم الأقارب الذين نصحوها بعدم الزواج بعدما ترملت، لأنه عيب ولن تستطيع المحافظة على ابنها. وكانت كالمعتاد سوف تنتهى من تأملاتها اليومية إلى النتيجة ذاتها: مطلوب منها منذ يومها الأول أن تحافظ على سمعة أبيها، ثم سمعة زوجها المتهور، ثم مستقبل ابنها الضعيف.. هى دائماً وأبداً حافظة، مع أنها اسمها محفوظة.

لم تستكمل العجوز التأملات لأن «ثناء» قطعت حبل أفكارها المتهرئ، وهى تصطنع الابتسام أملاً فى الحصول على الرضا أو حتى الحياد، لحين بيان البيان.. قالت: البسلة خلصت والأكل جاهز على السفرة.

■■■

اجتمع الثلاثة على مائدة الغداء، وأكلوا وهم صامتون.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك