Propellerads

الرئيس لا يعرف بيسوا*

المصرى اليوم 0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(1)

مثقف مخبول مثلي، قد يغضب من رئيس بلاده لأسباب تافهة.. كأن يضع باقة زهور في المكان الخطأ.

(2)

سألت نفسي: ترى من الذي وضع برنامج لرئيس في زيارة البرتغال التارريخية.. الدولة التي قصمت ظهر السلطنة المصرية، ومهدت لغروب قوتها منذ معركة ديو البحرية (1509م) وحتى الآن؟

(3)

لم أحصل على إجابة ربما لأنني "لست ذا شأن" لأعرف مثل هذه التفاصيل الرئاسية وأسرار تنظيمها، لكنني شعرت بـ"اللاطمأنينة"، فالدير الذي زاره الرئيس كان منصة تجميع وحماية وانطلاق للحملات الصليبية، والقوافل البحرية التي أسست عصر الاستعمار، وبدأت تدويل تجارة العبيد، وبداية عصور نهب أوروبا لأفريقيا وآسيا، صحيح أن للدير قيمة معمارية وجمالية بديعة، لكن الدلالات التاريخية لا تغيب عادة في الزيارات الرسمية لكبار القادة، وتخيلوا مثلاً أن نتنياهو ذهب لزيارة ألمانيا، فوضوعوا في برنامجه زيارة مقر الحزب النازي أو البيت الذي ولد فيه هتلر ليضع إكليلا من الزهور؟!

(4)

تبدو هذه الأفكار غريبة وتافهة، بعد أن ذهب قادتنا (حتى العسكريون الذين حاربوا إسرائيل) للعزاء في سفاحين مثل بيجن وشارون ورابين، الذين تفاخروا طوال حياتهم بقتل أهلنا وأسرانا دون تفكير في اعتذار يلائم عصر السلام الدافيء، وبعد أن تعمد الغرب تحطيم دلالات تواريخنا القومية، فانجلترا رتبت لزيارة مبارك في ذكرة ثورة 23 يوليو، كما لوأنها تردد عبارة الصليبيين الجدد بعد احتلال أراضينا: لقد عدنا يلا صلاح الدين، وقد أشرت إلى هذه المفارقات التاريخية أكثر من مرة قبل ذلك، مما يشجعني على الجهر بأنها ليست مصادفات، فالمصادفات لا تتكرر بمثل المهانة، وإلا فلماذا لا ندعو السفير الإسرائيلي مثلا لوضع باقة زهور على قبر سعد حلاوة أو سليمان خاطر؟!

(5)

أسعدني أن يضع الرئيس باقة زهور على قبر شاعر في بلد غريب، يكتب بلغة لا يقرأ بها الرئيس، على الرغم من أنه لم يُظهر أي اهتمام بالشعر ولا بالشعراء في بلده، ولا في اللغة التي يكتب ويقرأ بها، لكنني بنفس الخبل الفطري الذي أحبه في نفسي، سألت: لماذا لويز دي كامويز، وليس فرناندو بيسوا الذي كان منشغلاً باللاشيء داخل قبره القريب داخل نفس الدير؟

(6)

نظر بيسوا من وراء نظارته الطبية الفريدة وهمس بأبيات من أشعاره:

"إذا قلت لكم مرة إن الزهور تبتسم/ وأن الأنهار تُغَنّي/ فهذا لا يعني أنني أصدق ابتسامات الزهور، وغناء الأنهر الجارية/ أنا اقول ذلك فقط لأساعد الضائعين/ كي يشعروا بوجود الأزهار والأنهار/ لقد تقمّصت هذا الدور البغيض.. دور الناطق باسم الطبيعة/ فقط لأن هناك أناساً لا يستوعبون لغتها.

(7)

كان بيسوا يستلقي على وسادة الكون، يشاكس إبليس ويشده من ذيله ساخراً من دوره في حياة للم تعد بحاجة إليه طالما يحكمها الملوك والرؤساء الذي يتوافدون بالقرب منه، لم يكن بيسوا قد تخلص تماما من الزكام والصداع، لذلك عندما سألته عن علاقته بكامويس الذي سبقه بثلاثة قرون تقريباً، قال بتأفف وخنفة: أنا مثلك، لا أعرف الكثير، فمازلت أبحث عن الحقيقة والاسبرين!

(8)

بالنسبة لأجيال كثيرة أكثر إنسانية بحكم هزائمها وفجيعتها في خديعة الحضارة الغربية، يبدو بيسوا نقيضا لـ"كامويز"، لا تلائمه المغامرات التي خاضها سلفه، ولا الفتوحات ولا الكشوف الجغرافية التي ألقت ببيسوا كجثة متحرجة في أقصى الجنوب الأفريقي، ولا شعر الفخر والحماسة والملاحم التي تمجد الأبطال العظام، حتى الكتابة نفسها لم تكن تسعد بيسوا، وتقنعه بجمال الحياة المدعية الكاذبة، بل أنه سبق الأمريكي المعتزل فيليب روث في صك تعبير "الكتابة العقاب"، وحتى في موته يرقد بيسوا متحفزا من المراسم الرسمية التي تعكر مقامه، يشعر بالضيق من الأبهة المحيطة بأضرحة الملوك، ومن حصاره بين قبري لويز دي كامويز وفاسكو دي جاما، وأظن كان منشغلا بصياغة عبارته الشهيرة لتلائم اللحظة الرسمية "الجاهلة/ المتجاهلة" التي طالما تمناها: عندما يثيرون ضجة حولي، لا أنزعج لأنهم يقاطعون تأملاتي، لكن لأنهم يُذَكِّرونني أن الحياة الكاذبة لا تزال مستمرة.

......................................................................................................................................

* المفردات والمناخ العام للمقال من الأجواء النفسية واللغوية للشاعر والفيلسوف البرتغالي العظيم فرناندوا بيسوا

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

0 تعليق