النووى بين الأبالسة والشياطين

ما من مرة كتبت فيها عن الكابوس النووى الذى يسميه البعض «الحلم النووي»، إلا وتمنيت أن تكون المرة الأخيرة لفرط بداهة الأمر وعدوانية المتعصبين له، لكن ماذا أفعل وأنا أُفاجأ دائما بسيل من الجديد الذى يؤكد أن توجهنا نحو الحصول على الكهرباء من المفاعلات النووية ليس خطأً فقط، بل خطيئة ترمى بآثامها التنموية والبيئية والاستراتيجية على المستقبل القريب والبعيد، بل على الحاضر نفسه، لهذا لم أكف عن مُناهضتها منذ بدء التلويح بهذا «الحلم النووى» فى عهدى مبارك ومرسى، وصولا إلى العهد الحالى الذى أعترف بأننى صرت أقف منه موقف الحيرة بسبب اندفاعه إلى ذلك «الحلم النووى» الذى يدلنى على اختلال سلم الأولويات فى مشاريع التنمية لديه.

فى الخميس 3 نوفمبر الحالى نُشر مقالى المُعنون «نوبل وتشرنوبل ومابعدهما» ملخصا ما سبق وما لحق من إظهار عوار هذا الحلم الخادع فى كل مكوناته التى لا نملكها ولا نمتلك زمامها وترهق اقتصادنا وترهننا للغير، بما يشكل جناية مستقبلية نظلم أولادنا وأحفادنا ظلما فادحا بتوريثهم همها وغمها الهائلين. وتمنيت كالعادة أن تكون هذه هى المرة الأخيرة فى مُعارضتى لذلك الكابوس. لكن سرعان ما أطاحت المُستجِدات بأمنيتى، فقد جاءت الأخبار تؤكد ما سبق أن توقعته منذ سنتين بشأن الندرة القادمة حتما فى الوقود النووى، مما سيضع محطة «حلمنا النووى» المزمع إنشاؤها فى وضع الهباء التعيس والمُتعِس، وكان هذا يدعونى لتخصيص مقالى التالى له فى الخميس 10 نوفمبر. لكن، وبرغم أن النشر كان يؤكد على مصداقية ما ذهبت إليه قبل سنتين، ويُخزى من هاجمونى من مسوقى ومروجى النووى، إلا أننى آثرت أن أؤجل الكتابة فيه. لماذا؟

صاروخ «توبول» النووى الروسى العابر للقارات يسميه الغرب الشيطان لقدرته على الإفلات من الرصد وقدرته على تدمير بلد بحاله

لقد انتبهت أن الخميس 10/ 11هو السابق على الجمعة 11/ 11، وبرغم يقينى أنه سيكون يوما عاديا يكشف عن نفور غالبية المصريين من كل ما يأتى من جهة تنظيم الإخوان المُتهرِّئ، والمُسيء لأهله وحتى لكثيرين من مُنتسبيه (وكم من أناس جيدين انسحقوا فى تنظيمات رديئة)، إلا أننى آثرت إرجاء كتابتى المُعارضة لهذا النووى، متوقعا أن آلة الإعلام التى تشتغل من الخارج بصوت هذا التنظيم ورُعاته، عبر حناجر لا تقل رِخَصا وفجاجة عن رِخص وفجاجة المطبلين عندنا، ستُشعِل حريقا وهميا عبر شاشاتها، وتستخدم كل ما تستطيع بالكذب والتزييف، للتحريض والتهييج، ولعلها تستخدم ما أعارض به المشروع النووى فى عوائها. أما وقد مر اليوم عاديا ومُخيبا لآمالهم المسمومة، فقد قررت أن أواصل ما انقطع فى شأن « النووى»، الآن..

عصر الثلاثاء 1 نوفمبر الحالى، وبعد أن أرسلت فى الظهيرة ــ كما اعتدت ــ مقالى للنشر ليظهر صباح الخميس، قرأت نبأ توقيع الرئيس بوتين على قرار «تعليق» الاتفاق الروسى الأمريكى لإتلاف البلوتونيوم العسكرى، وهو قرار سبقت الموافقة عليه من مجلسى النواب والشيوخ الروسيين. وكان ذلك بالتوازى مع أنباء سابقة عن رصد الولايات المتحدة تريليون دولار لتجديد ترسانتها النووية، بما يعنى الدخول فى «حرب باردة» جديدة وسباق نووى واضح، ومن ثم شُح فى الوقود النووى للمحطات الكهرونووية، بل ندرة، وهو ما سبق أن تنبأت به قبل ذلك بعامين وأوردته فى مقالى بـ«المصرى اليوم» فى عدد الخميس 25 سبتمبر 2014 تحت عنوان «تجريف مناجم اليورانيوم الخصبة ضاعف من المخاطر» وقلت فيه: «مع انتهاء الحرب الباردة وتفعيل اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية بين قُطبى الأمس، تم تفكيك آلاف الرؤوس النووية لهذه الصواريخ عابرة القارات، واستُخدمت مادتها النووية الانشطارية، خاصة البلوتونيوم، كوقود مشارك لتشغيل المحطات النووية لتوليد الكهرباء، وأدى ذلك إلى وفرة فى سوق الوقود النووى، وازدهار فى تجارة المحطات النووية، ثم نفدت هذه القنابل المُفكَّكة وتلاشى عطاؤها، لينفضح أحد أوضح الأباطيل النووية، القائل بأن هناك وفرة سرمدية من الوقود النووى لمفاعلات قائمة، وأخرى يرجون لها قياما، فى العالم، ولدينا! والأرجح أن شراءنا لمفاعل نووى سيرهننا لاستيراد هذا الوقود، وهنا سنكتشف أن هذا الاستيراد، حتى مع حسن نوايا من سنستورد منه، لا ضمان لتأمينه، فهو يتجه إلى الندرة بعد الوفرة».

لقد أوردت هذه الرؤية منذ سنتين، لا لمجرد منطقية مكوناتها، بل «لظهور بوادر سباق تسلح نووى جديد، تتهم فيه الولايات المتحدة روسيا بخرق اتفاقيات الحد من التسلح وتطوير وتجريب صواريخ استراتيجية جديدة، بينما روسيا تُدفع إلى نفق من حصار حلف الناتو لها، ويبدو أن التفكير السائد يُملى على روسيا أن لا خروج لها من هذا النفق، إلا بقوة صواريخ نووية مطورة تفوق صواريخها القديمة، وهى سلسلة «توبول» المشهورة فى بعض مجلات الأسلحة الغربية باسم «الشيطان»! فهل يُبقِى لنا شياطين الروس كما أبالسة الأمريكان، النوويون، وقوداً مُستداماً لأحلامنا - وبالأحرى أوهامنا - النووية؟!»

أجبت عن ذلك السؤال منذ سنتين: «منطقياً، وتبعاً لما يحدث فى العالم الآن: لا أعتقد». وأضيف اليوم: «قطعا لا أعتقد»، فوزير الدفاع الأمريكى آشتون كارتر فى 9 نوفمبر 2015 أوضح خلال منتدى عُقد فى كاليفورنيا حول قضايا الدفاع أن واشنطن تُحدِّث ترسانتها النووية، وتستثمر فى وسائل فائقة التطور، مُلمِحا إلى وسائل عسكرية جديدة «مفاجئة» قال إنه لا يستطيع توصيفها حاليا! لكن صحيفة «نيزافيسيمايا جازيتا» فى 6 أغسطس 2016 أوردت ما يبدو أنه توصيف لما لوَّح به وزير الدفاع الأمريكى فقالت: «إن خطط الإدارة الأمريكية بشأن تحديث السلاح النووى ستكلفها الكثير من الأموال، حيث ستصل تكاليف تحديث النووى الأمريكى إلى (تريليون دولار). وفى هذه الأثناء، أعلن مدير دائرة الحد من انتشار الأسلحة النووية ومراقبتها فى وزارة الخارجية الروسية ميخائيل أوليانوف، أن روسيا ستأخذ بالاعتبار فى خططها العسكرية نية الولايات المتحدة تحديث القنبلة النووية «B61-12»، وصُنع صاروخ جديد عابر للقارات. وقال: «نحن نعلم أنه فى ظل إدارة أوباما، الذى بدأ عهده بالحديث عن الإسراع فى بناء عالم خال من السلاح النووى، انطلقت أكبر عملية لتحديث الترسانة النووية فى تاريخ الولايات المتحدة، والتى ستكلف تريليون دولار»!

سباق نووى لم يعد هناك شك فى حدوثه، ومن ثم لن يكون هناك فائض من الوقود للمفاعلات النووية السلمية لمن لا يمتلكون هذا الوقود مثلنا، ولإيضاح ذلك أُذكِّر بما ورد فى مقالتى المُشار إليها فى 25 سبتمبر 2014، فبعد نفاد المادة الانشطارية من الرؤوس النووية الحربية التى تم تفكيكها وتخفيفها بيورانيوم طبيعى أو منضب لتشغيل المحطات الكهرونووية «حدث احتياج مُلِح لإعادة فتح مناجم اليورانيوم القديمة، لكن جاء ما يتم الحصول عليه من هذه المناجم- بعد تجريف اليورانيوم إبان سباق الحرب الباردة النووى- لا يعطى إلَّا يورانيوم قليل الفعالية ويحتاج معالَجات مُكلِّفة وضارة بالعاملين والبيئة المحيطة. وعلى مستوى العالم تُعتبر كندا وجنوب أفريقيا الوحيدتان اللتان تستخدمان يورانيوم من مناجمهما لتشغيل محطاتهما الكهرونووية دون حاجة لاستيراده، مع ملاحظة أن جنوب أفريقيا فككت مخزونها النووى الحربى واستخدمته أيضا كوقود مشارك فى محطاتها النووية بعد زوال الحكم العنصرى وتولى مانديلا الحكم. أما مشغِّلو المحطات النووية فى الاتحاد الأوروبى فيُرجَّح دخولهم فى مأزق بعد أن كانوا يستوردون ثلث وقود محطاتهم من روسيا، إضافة لاحتكاراتهم فى المناجم الأفريقية».

وإذا رجعنا إلى القرار الأخير الذى وقَّع عليه الرئيس بوتين بتعليق اتفاقية إتلاف البلوتونيوم فسنجد فيه مفارقة يتوجب علينا أن نتأملها مليا، فالاتفاقية الروسية ـ الأمريكية، الحكومية، المبرمة فى 1993 والمُنتهية فى 2013، كانت تنص على قيام منشآت «روس آتوم» بتحويل 500 طن من اليورانيوم الروسى عالى التخصيب إلى يورانيوم منخفض التخصيب لإنتاج الوقود للمحطات النووية الأمريكية! وقد اشترطت روسيا لاستمرار ذلك شروطا منها عدول الولايات المتحدة عن السياسة غير الودية بحق روسيا، بما فيها قانون «دعم الحرية فى أوكرانيا» وإلغاء كافة العقوبات الأمريكية، وتعويض الخسائر الناتجة عنها، وتقليص البنية التحتية العسكرية التابعة للولايات المتحدة فى أراضى الدول الأعضاء فى حلف الناتو؟

فمالنا نحن بهذا كله الذى يجرى بين جبابرة يتناطحون تناطحا نوويا لا قِبل لنا بارتداداته، لماذا لا نجتهد ونعيش من المُتاح لنا على أرضنا وننمو نموا طبيعيا هو أسلم وأكرم، لماذا لا نستبعد المديونية النووية القادمة المقدرة بحوالى ثلاثين مليار دولار ثمن محطة نووية تنتج 4800 ميجاوات، بعد عمر طويل مشكوك فيه، ونكرِّس ولو ربع قيمتها للدخول فى عالم الطاقات المُتجددة وفى القلب منها الطاقة الشمسية، الضوئية والحرارية، التى نحن من أغنى دول العالم فى مقدراتها الطبيعية، كما أن تقنياتها فى متناول إمكاناتنا العلمية والصناعية باستثناء القليل الذى سنضطر لاستيراده؟ والمغرب مثال قريب لانتهاج ذلك السبيل الأجدى والأصوب؟! ثم، لماذا نقامر فى «حلم» بينما لدينا مثال متحقق فعليا، هنا والآن، ويُعد نجاحاً للحكم فى مجاله، متمثلا فى تضييق فجوة الكهرباء فى زمن قياسى وبإنجاز غير مسبوق يُقدَّر بإضافة أكثر من 14 ألف ميجا وات فى سنوات قليلة تحقق منها أكثر من النصف فى سنتين والنصف الباقى ينتهى بانتهاء ٢٠١٨، وبتكلفة كلية قدرها 6 مليارات يورو بالاشتراك مع شركة سيمنس الألمانية، أى ما يقارب إنتاج أكثر من 3 محطات نووية بأقل من ربع تكاليف محطة نووية واحدة!

ويبقى أن نظل نأمل فى انتصار صوت العقل، لننجو وينجو أولادنا وأحفادنا، وينجو هذا الحكم من طموح حَسُن النية لكن لا أفق له إلا التهلكة. وأحسب أن هناك بارقة أمل تومض خافتة وواعدة الآن، لعلها تتوضح فى القريب.. يارب.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق قتيل وجريحان من مليشيا الحوثي والمخلوع أثناء قيامهم بزرع الألغام بين الضالع وإب
التالى رباط عنق أسود من فضلك