أخبار عاجلة

إلى الرئيس السيسى: مقدمات خاطئة صنعت نتائج فادحة

إلى الرئيس السيسى: مقدمات خاطئة صنعت نتائج فادحة
إلى الرئيس السيسى: مقدمات خاطئة صنعت نتائج فادحة

يسأل من يُطالع عنوان مقالى هذا: ما تلك المقدمات التى بدأ بها الرئيس السيسى حكمه، وكانت خاطئة، فأدت إلى نتائج على شاكلتها؟ وهل كان ذلك متعمداً، أم أنه من صناعة التسرع وقلة الخبرة السياسية والرغبة العارمة فى رسم صورة براقة لواقع بائس، أو الانحياز إلى المنظر والمظهر على حساب المخبر والجوهر؟ وسط انحراف فى جدول الأولويات، وانجراف إلى حافة الخطر.

(1)

كان غياب برنامج للمرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى مقدمة خاطئة. فرغم أنه كلف فريقا من رجال وطنيين مخلصين راسخين فى الفهم والدراية بوضع برنامج، وقاموا بهذا فعلاً، فإنه سرعان ما وضع ما انتهوا إليه فى الدرج وأغلقه، ولم يلزم نفسه بشىء قبل الانتخابات بدعوى أنه «مرشح الضرورة»، وفق تعبير المرحوم الأستاذ محمد حسنين هيكل، أو «الرجل العسكرى المستدعى لأداء مهمة عاجلة» حسب تقدير السيسى نفسه وتعبيره. والنتيجة أن سفينة السلطة تسير بلا هدى، تتخبطها الأمواج، ويبدو الملاحون تائهين مرهقين. وحاول الرئيس تعديل الدفة فى منتصف الرحلة فأطلق ما سمى مشروع «2030» الذى جاء متعجلا مظهريا، صُنعت به دعاية مؤقتة، ثم سرعان ما لفه النسيان. فغياب الخطة فى بلد تغيب فيه الاستراتيجية أساسا، كان بداية سيئة، تظهر سوءاتها للناس أجمعين بمرور الوقت.

(2)

حين لجأت السلطة الحالية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولى قالت: «لا يوجد أى خيار أمامى سوى هذا، فلا تجادلوا وتضيعوا وقتا فيما لا يفيد». وتطابقت معها فى القول الأغلبية الكاسحة من طبقة رجال المال والأعمال، وكذلك خبراء الاقتصاد الذين لا صنعة لهم سوى التبرير والتمرير إما لنفاق أهل الحكم أو مجاراة لتوجهات مؤسسات اقتصادية دولية يعملون هم لحسابها أو يتساوقون مع رؤيتها. وبدت أقوال هؤلاء تنطلى على كثير من الناس، مع أنها مجرد نتيجة فادحة لمقدمات خاطئة، فإطلاق مشروعات كبرى غير مدروسة، وإنفاق أموال طائلة على التسليح، بما بدد الجزء الأكبر من أموال خليجية جاءت إلى مصر عقب إطاحة حكم الإخوان، هما اللذان ضيقا خيارات السلطة، وجعلاها لا تجد أمامها من سبيل سوى الذهاب إلى صندوق نعرف جميعا أنه يغزو البلدان بسلاح المال.

(3)

أخطأ الرئيس السيسى حين اعتقد أن المرحلة الحالية تفرض تجنيب المدنيين، ولو مؤقتاً، وتسليم الزمام إلى العسكريين، بدعوى أنهم أهل الثقة وبوسعهم إنجاز ما يطلبه الرئيس فى الزمن المحدد. فإذا كانت المؤسسات المدنية قد فسدت وأُنهكت وترهلت خلال حكم مبارك فالحل لم يكن فى إبعادها إنما إصلاحها وإشراكها، من خلال إدارة قوامها الكفاءة وتوظيفها على أفضل وجه. فمهما كان لايزال، رغم التبوير والتبديد، هناك مدنيون بارعون فى كل المؤسسات، بدءا من هيئة الصرف الصحى وانتهاء برئاسة الجمهورية. ونتيجة هذا التصرف واضحة الآن، وعواقبها تبدو وخيمة، لو كانوا يعلمون.

(4)

صنعت السلطة مقدمة خاطئة حين هندست مجلس النواب الحالى على مقاسها، إلا من استثناءات قليلة، فصار بمرور الوقت يشكل عبئا جسيما على الدولة بدلا من أن يكون رافعة لها فى لحظة فارقة من تاريخها. فإلى جانب قائمة «فى حب مصر» والخمسة فى المائة التى عينها الرئيس، لم يخرج أغلب من ترشحوا على المقاعد الفردية، بمن فيهم ممثلو الأحزاب السياسية، عن المسار القديم الذى خرج من رحم الزواج بين السلطة ورأس المال والعشائرية والنخب البرلمانية التقليدية. وتم كل هذا تحت لافتة زائفة تم تسويقها إلى الرأى العام تقول: «لنصنع برلمانا يريح الرئيس». وكانت النتيجة الطبيعية لهذا هى موت السياسة، وانسحاب خيبة الأمل فى البرلمان على فقدان الثقة فى السلطة التنفيذية، مع تراجع شعبية الرئيس، والشعور بالخوف حيال المستقبل، وإحساس قطاعات اجتماعية عريضة بأنها خارج التمثيل السياسى، بما زاد من الغبن والاحتقان، وقاد كثيرين إلى التفكير فى إجراءات أخرى لتصحيح المسار بعيدا عن الانتخابات وصناديقها.

(5)

صنعت السلطة مقدمة خاطئة بالإفراط فى القبض على الشباب، تطبيقا لقانون التظاهر الذى يتعارض مع الدستور، وخلق هذا بمرور الشهور هوة واسعة بين الرئيس نفسه والأغلبية الكاسحة من شباب مصر، وهو ما أدى إلى موقف سلبى من السلطة الحاكمة، وفى قلبها الرئيس، عكسته مواقع التواصل الاجتماعى بوضوح شديد. فلما أراد الرئيس تصحيحا جزئيا لهذا الخطأ بعقد مؤتمر للشباب فى شرم الشيخ وبدء الإفراج عن بعض الشباب المحبوسين والسجناء، راحت قوى الدولة التقليدية تقاومه، فالداخلية لم تعترف بوقوع أخطاء جسيمة فى عملية القبض والاعتقال، وجهاز الأمن يصرخ بتقارير تحذر من الإفراج عن نشطاء قد يقودون مجموعات شبابية إلى الشارع من جديد، وفى المقابل هناك قطاع كبير من الشباب يرفض هذه الخطوات التجميلية، ويراها ذراً للرماد فى العيون، ويقدر أن الرئيس نفسه اضطر إلى السير البطىء فى هذا الطريق الطويل ليكسب بعض الوقت فى مواجهة أزمات عميقة، ومشكلات لا يملك حلولا حقيقية لها.

(6)

سارت السلطة فى مقدمة خاطئة معهودة حين تعاملت مع التطرف والإرهاب على أنه مسألة أمنية بحتة، وليس مرضا مزمنا، يحتاج إلى جلسات علاج ناجعة، فى الفكر الدينى والتعليم والتثقيف والتنمية والتوعية. وزاد هذا الخطأ فى سيناء، التى لعب أداء السلطة الحاكمة قبل ثورة يناير دورا كبيرا فى صناعة بيئة منتجة أو حاضنة أو موظفة للإرهابيين هناك. وبدلا من أن تستخدم الدولة إمكانات المؤسسات العلمية والبحثية بالجامعة وخارجها فى مواجهة هذه الظاهرة، اعتمدت على طريقة تفكيرها التقليدية فكانت النتيجة أن الإرهاب لايزال يشكل خطرا شديدا، خاصة فى سيناء، وتنمو فى الوادى والدلتا خلايا إرهابية قد تبدأ عملياتها الدموية والتخريبية عما قريب، فى ظل موجة خامسة من الإرهاب تواجهها مصر فى السنوات الثلاث الأخيرة.

(7)

فى مقدمة خاطئة أخرى اعتقدت السلطة أن أغلب المعركة فى الإعلام، ومن ثم فإن السيطرة عليه بأى شكل ستجعلها قادرة على التحكم فى اتجاهات الرأى العام، عبر نشر الوعى الزائف والدعاية الجوفاء وغسيل الأمخاخ. ولأن خطة السيطرة هذه ذات طبيعية أمنية تقدم الإعلاميون الأمنيون الصفوف، وقادوا عمليات التطبيل والتهليل للرئيس، والتشويه والتخوين لكل من يعترض على سياساته أو يرى غير ما يراه هو. وبمرور الوقت بدأ هؤلاء، المعروف تاريخهم ومستوى تحصيلهم، ينكشفون أمام الرأى العام، ولم يعد خطابهم الركيك بقادر على أن يحفر فى العقول والنفوس ما يحقق للسلطة هدفها من الإمساك بدفة الإعلام لتخطف به الأبصار والأفئدة والأذهان. وكانت النتيجة أن راح المصريون ينصرفون عن إعلام السلطة تباعا، ويذهبون إلى إعلام آخر، أجنبى أو محلى، بعضه ينحاز لمهنيته وشروطها، وبعضه يبث دعاية مسمومة مضادة.

(8)

بدأت السلطة الحالية من مقدمة خاطئة، ساهمت الظروف التى كانت تمر بها البلاد فى صناعتها، وهى أن للأمن أولوية على ما عداه، وبمرور الوقت راح الأمن يغلب السياسة، ويجفف ينابيعها، وفق الطرق المألوفة التى اعتاد عليها. وأدى هذا إلى تململ ثم انصراف قوى سياسية عن السلطة بعد أن كانت تناصرها عقب الإطاحة بحكم الإخوان، فانكشف الكثير من عوراتها. وأثر هذا سلبا على شرعية الحكم، فراحت تتحول إلى مسألة شكلية بمرور الوقت، وعلى شعبية الرئيس، فأخذت تنزف بلا توقف.

(9)

بدأ السيسى من مقدمة خاطئة وهى احتواء الثورة وتفريغها من مضمونها لا الاستجابة لها، والثورة التى أقصدها هنا هى رغبة الأغلبية الكاسحة من المصريين فى تغيير أوضاعهم فى كافة المجالات إلى الأفضل، فى ظل دولة مدنية حديثة، بغض النظر عن التسميات والنظريات. وقد كلفت محاولات عرقلة هذا المسار، واستعادة النظام القديم، مصر جهدا مضنيا وأموالا طائلة وخيبات أمل متواصلة لانزال ندفع ثمنها غير راضين.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك