أخبار عاجلة
تاريخ مصر في المركز الثقافي المصري بباريس -
المولد النبوي بين تحريم السلفية واحتفال الأزهر -
تفاصيل حفل توقيع كتاب إسعاد يونس «زي مابقولك كده» -

لويس عوض: المهم بقاء النظام وتربية العجول (2)

لويس عوض: المهم بقاء النظام وتربية العجول (2)
لويس عوض: المهم بقاء النظام وتربية العجول (2)

كان لويس عوض من الشخصيات الأساسية التى احتفلت واهتممت بها فى سياق مَن عرفتهم فى الحياة الأدبية والثقافية بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصا يوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس ومصطفى محمود ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم ونعمات أحمد فؤاد وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وغيرهم ممن قابلت وعرفت وقرأت، وكان للويس عوض مكانة خاصة عندى لعمق تحليله، ورؤيته العارفة الثاقبة، القادرة على تشخيص الأسقام والأدواء والعِلل والأمراض، وتقديم الأدوية والحلول والعلاجات الناجعة، ولكن فى بلادنا لا أحد ينصت إلى صوت المثقف المفكر، خصوصا إذا كان من عينة كبير مثل لويس عوض، صاحب الرأى الذى يخالف السائد، ولا يرضى عن الأحوال المتردية التى يعيشها المصريون. وفى جلستى الممتدة مع لويس عوض، سألته عن حال وجدان المصريين وإحساسهم بالذوق والجمال، وهل أصبح معدوما، ولم يعد له وجود؟ فقال لى:

«هو الآن فى الإسعاف، أنا أندهش لشعب تمسك بخناقه كل هذه الهموم والديون الرهيبة، ويجاهد لإقناع الدول الأجنبية لتأجيل سدادها، ولا أجد فيه مسرحا تراجيديا، تضحكين يا لوتس فى مسرح القطاع الخاص، وكأن البلد ليست به مشكلات على الإطلاق، ولا تجدين كاتبا واحدا يتصدى لأى مأساة، هذا الضحك الأبله نوع من عدم الإحساس من جانب مثل هذه النوعية، إنها لا تهمها إن كانت مصر قد خربت أو عمرت، كل ما يهمها بقاء النظام الذى يساعدها على تربية العجول أو التهريب أو المقاولات، وهذه فى ذاتها مأساة، ويؤسفنى أن أقول إن كثيرين من النقاد حين يتصدون للكلام عن المسرح المصرى الحالى يخشون سطوة المال، بعضهم لهم مصالح مباشرة مع القطاع الخاص- سواء كانوا ممثلين أو مخرجين أو نقادا أو كُتاب مسرح- تجدينهم يهادنونهم ولا يقولون الحق، يطبطبون عليهم، حتى مَن كان منهم لديه بقية من ضمير ويريد أن ينبه إلى شذوذ هذا الوضع، ترينهم فى التليفزيون مُحرَجين، وقد سال عرقهم بحثاً عن صيغة لا تخدش شعور المسرح الانفتاحى».

قلت له يا دكتور لويس إنه منذ أن تحولت الثقافة فى بلادنا إلى سلعة، ولم تعد كما كانت من قبل خدمة معرفية كالماء والهواء، جرت مياه كثيرة تحت جسور الإنتاج الفنى والأدبى فى الوطن العربى، فهل يمكننا أن نواجه نتائجها، أم أن الأمر صار مستعصيا على المواجهة، فأجابنى لويس عوض قائلا: «إنه لأمر مهم ما طرحتِه يا لوتس، فلقد كنا نحاول دائما أن ننبه إلى أن الثقافة خدمة وليست سلعة، وهناك عدد كبير من المثقفين كانوا مع هذا الرأى، ومنهم بعض وزراء الثقافة أيضا، ولكن بكل أسف فإن البعض الآخر كان متحيزا لفكرة أن مهمة الفن تسلية الجماهير، وبعضهم كان يستغنى عن الثقافة بما يسمى (الإرشاد القومى)، وهو أن تظلى تكررين العبارة البراقة نفسها، حتى يؤمن بها الناس على طريقة الدكتور جوبلز، وزير البروباجندا فى حكومة هتلر، والتى تعتمد على أن تكرار الكذبة آلاف المرات يجعلها حقيقة، وكلما كانت الكذبة أكبر صدقها الناس أكثر، ومن ذلك مثلا أن الشعب الألمانى هو أرقى شعوب العالم، علما بأنه لا توجد صفات أصيلة يمكن أن ننسبها إلى شعب دون شعب آخر، لكن بعض الحكام يبيعون الأوهام للناس».

قلت للويس عوض إن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون- كما جاء فى الإنجيل- بمعنى أن خطايا الآباء ترتد إلى الأبناء، والآباء لا يحسون، وهم يأكلون الثمار الفجة، لكن المرارة يشعر بها الأبناء، فهل حالة كهذه تجسد حال أجيال الإبداع الثقافى والأدبى، فأجابنى لويس عوض:

«الإنسان يألف الأوضاع الشاذة لدرجة الاعتقاد أنها طبيعية، بمعنى أن ما يجرى فى المجتمع يعود جانب منه مباشرة إلى هزيمة 1967، وأعتقد أن الطبقات التى استشرت كنتيجة للانفتاح لم تكن من صنع أنور السادات، إنما كانت كالفئران التى اختبأت فى عهد عبدالناصر، فلم يَرَها، وما إن مضى حتى خرجت من الجحور، إن عصر السادات لا يمكن أن يخلق هذه الشخصية العبقرية فى النصب والاحتيال والنهب والقسوة فى التعامل مع المواطن الآخر، وبعد أن كان المصرى معروفا عنه أنه لا يهاجر، فوجئنا بملايين المصريين يهاجرون إلى أى مكان، وكل أملهم جمع المال، ويتغربون عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، وربما أكثر، ويتعودون عادات سيئة، وتشعرين يا لوتس وكأنه لم يوجد فى مصر رفاعة الطهطاوى أو قاسم أمين أو أحمد لطفى السيد أو هدى شعراوى.

أرى أن صواميل المجتمع مفكوكة وبحاجة إلى مَن يربطها، فالفلاح المصرى أصبح يبيع جاموسته ويسافر بثمنها، وبدلا من أن يعود بالنقود التى ادخرها ليشترى بقرتين أو ثلاثا أو أكثر، يهدم بيته المبنى بالطوب النيئ ويبنيه بالطوب الأحمر، فهل هذه هى المدنية، وقد يتزوج ثانية وثالثة».

قلت له: لقد عاصرت يا دكتور لويس فترات عديدة من تاريخ مصر الذى عشتَ جانبا منه، ودرستَه أكاديميا فى أكثر من كتاب، وكتبتَ وتحدثتَ عن التحول الاجتماعى والثقافى الذى شهدته مصر منذ الملكية ثم عبدالناصر فالسادات ثم مبارك، فكيف كان تشخيصك لحال الإبداع فى مصر، فى ظل التغيرات التى طرأت سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فكان رد لويس عوض، وأنا أُنهى جلستى معه فى نادى السيارات بوسط القاهرة، حيث كنا فى نقاش جاد على الغداء:

«فترات التحول الاجتماعى والاقتصادى تقترن بتحول فكرى وظهور فلسفات جديدة، ووجهات نظر جديدة فى الحياة والمجتمع، ولدينا أمثلة كثيرة مثل عصر الثورة الفرنسية، أو عصر النهضة فى إيطاليا، فالتحول الاجتماعى اقترن بظهور ثورة فكرية، وجزء منها تغير فى القيم النقدية، حيث يبدأ الأدباء فى البحث عن قواعد وموضوعات جديدة للشعر، أما الفترات التى يسود فيها الإرهاب فيتعطل التفكير، وهذا ما حدث نفسه أيام جمال عبدالناصر، لقد كان هناك اختمار فكرى قبل عبدالناصر- أواخر عهد الملك فاروق- لكن نظام عبدالناصر المغلق القائم على الردع نتج عنه شىء غريب جدا، وهو قتل الفكر، وازدهار الخلق (الإبداع)، لأن ثورة عبدالناصر كان بها جانب خلاق، لأنها حاولت أن تغير اقتصاديات البلد والعلاقات بين البشر، لكنها اختارت سبيلا آخر غير هذا السبيل، وهكذا ماتت الإبداعية الفكرية، لكننا فى الوقت نفسه نجد أن الثورة شجعت المسرح والفنون التشكيلية، خصوصا فى الفترة السابقة على الهزيمة، أما بعدها فقد انشغل عبدالناصر بقضايا أكبر، وكانت قد ظهرت بدايات الخلخلة، كما شجعت الأدب عن طريق الصحف اليومية، إن أديبا مثل نجيب محفوظ لم يكن لينال هذا المجد لولا (الأهرام)، لأنه أوصله إلى كل بيت، وكذلك صلاح عبدالصبور أو أحمد عبدالمعطى حجازى، لكن بقدر ما كانت الثورة خلاقة وتشجع الخلق، فإنها كانت تضيق بأى نوع من الفكر المختلف عن فكرها، وتضع صاحبه فى المعتقل أو تطرده من العمل.. إذن فقد فُزْنا بنصف الغنيمة على الأقل».

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تفاصيل حفل توقيع كتاب إسعاد يونس «زي مابقولك كده»
التالى رباط عنق أسود من فضلك