Propellerads

دستور يا أسيادنا.. اغتيال المجتمع المدنى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

وافق مجلس النواب مؤخراً على مشروع الجمعيات الأهلية في مجمله وإحالته لمجلس الدولة لإبداء الرأى قبل إقراره بصفة نهائية.. إلى هنا والخبر عادى، فها هو قانون جديد يناقشه البرلمان ويرجع لمجلس الدولة: غير العادى، بل والمريب أن تطلب وزيرة التضامن الدكتورة غادة والى تأجيل مناقشة مشروع قانون الجمعيات «لأنها لم تطلع عليه! وماعندهاش فكرة عنه».

وهذه العبارة هي ما قاله حرفيًا المستشار مجدى العجاتى ممثل الحكومة ووزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية في البرلمان ليخطر النواب بحقيقة الموقف.. وهذا أمر مدهش وغريب.. فكيف يناقش البرلمان مشروع قانون في غياب الوزيرة المختصة بهذا الشأن وهى ممثل الحكومة! فهل يمكن إصدار قانون دون مناقشة الحكومة؟ وإذا كان البرلمان صاحب الحق الأصيل في التشريع، ولكن هل هناك خصومة مثلا بين البرلمان والحكومة، حتى يناقش مشروع قانون في غياب الوزير المختص ومعاونيه الذين سيقومون بعد ذلك بتطبيق هذا القانون ويتحمله تبعاته وتداعياته.. بالنسبة لى هذا أمر غير مفهوم على إطلاقه..

بداية وقبل الدخول في أي كلام عن هذا القانون، لست من بين أصحاب هذه الجمعيات، ولم أعمل مع إحداها مطلقًا مستشاراً مثلا أو حتى كنت مسؤولا إعلاميا عن تغطية المجتمع المدنى، اللهم إلا بعض الدعوات التي كنت أتلقاها للمشاركة بورقة بحثية «مجانية» أو للحديث في بعض القضايا ولم أحصل من أي من هذه الجمعيات على جنيه واحد قبل تعويمه، ربما كانت هناك أكواب من الشاى أو القهوة وبعض الحلوى في «البريك» فقط..

أولاً: لماذا كل هذا الاستعجال في مناقشة قانون الجمعيات الأهلية، رغم أن هناك قوانين لا تقل عنه أهمية ويتم تأجيلها والمماطلة في عرضها ومناقشتها مثل «قانون الإعلام الموحد»؟!

ثانيًا: لماذا يتجاهل البرلمان الحكومة التي كانت تعمل على مشروع قانون آخر بالتوافق مع ممثلى المجتمع المدنى، وهم بالطبع طرف أصيل في هذا القانون..

لماذا يتم خلط الأوراق ونعبث بملامح الأبيض ليضيع في قتامة الأسود، ولماذا الإصرار على أن التمويل الأجنبى هو شر على طول الخط، بل وإلصاقه كسبب مباشر في القيام بالمظاهرات، وأعمال العنف..

والتمويل وضمان استخدامه في قضايا المجتمع الحقيقية ليس معضلة أو مستحيل التحكم فيه فنحن دولة وهذا مجتمع مدنى، والمطلوب قانون ينظم هذه العلاقة لصالح الوطن وليس لصالح أصحاب الجمعيات طبعًا وليس هناك عاقل يؤيد «الفوضى» أو ما وصفه كاتبنا الراحل العظيم أحمد بهاء الدين للانفتاح الاقتصادى بأنه «انفتاح السداح، مداح» ونحن نلتزم بهذا المنهج بالنسبة للتمويل، فلابد من إشراف الدولة ومتابعتها، بالطرق والأساليب القانونية التي تضمن مشروعيتها واستخدامها بشكل صحيح وفى الأهداف التي تخدم قضايا المجتمع..

وإذا كان وجهة نظر الفريق المتشدد الذي يحاول فرض قانونه متعللاً بخطورة هذا التمويل على الأمن القومى فلتتخذ الحكومة قراراً واضحًا بإلغاء هذا التمويل وحظره نهائيًا، ويمكن استبداله بأموال محلية داخلية سواء من بعض البنوك المصرية أو الشركات متعددة الجنسية التي تعمل في مصر وتخصص بعض من أرباحها للمشروعات الخيرية، أو ما يمكن أن توفره وزارة التعاون الدولى، ويمكن كل هذه الأطراف أن تدعم الجمعيات وفقًا لمشروعات كل منها طبعًا بعد دراستها.. خاصة بعد اقتراح إنشاء جهاز قومى لتأسيس وتنظيم عمل المنظمات.

والمجتمع المدنى ليس كله، هذه الجمعيات الشهيرة «الشيك» التي تعقد اجتماعاتها في الفنادق الخمسة نجوم، هناك جمعيات تعمل في «صمت» في القرى والريف والأحياء الشعبية في كل المحافظات، وهناك حالات تكافل اجتماعى لا يستطيع أحد إنكار وجودها بل وفعاليتها في مساندة الفقراء إزاء أعباء الدولة الكبيرة التي لا تستطيع تحملها جميعًا، وهى بالفعل تلعب دورا قويا في خلطط التنمية خاصة مع غياب الدولة عن هذه المناطق الفقيرة، التي تنشط بها تلك الجمعيات الخدمية كبديل للحكومة، وغير معقول أن يقتصر دورها على جمعيات تحفيظ القرآن مع أهميتها، أو جمعيات دفن الموتى.

الأمر الغريب أن قانون الحكومة كان أكثر مرونة وتفهمًا لدور المجتمع المدنى فقد كان ينص في أحد بنوده أنه في حالة مرور 60 يومًا دون رد من اللجنة التنسيقية على الأموال الممنوحة للجمعيات يعد موافقة ضمنية، ويجوز الصرف في هذه الحالة بعكس قانون البرلمان الذي ينص على أنه يكون رفضًا وعدم موافقة من الجهاز القومى، ويترتب عليه عدم الصرف!! لماذا كل هذا التعقيد؟

جانب آخر خبيث، يتمثل في رفض كل التمويلات للجمعيات الأهلية التي تستهدف مثلا مشروعات حقوقية أو غير مدرجة بخطة الدولة، وهذا يمثل قيدا على المجتمع المدنى ويحوله إلى مؤسسات حكومية رغم أنها «أهلية»، رغم أن هناك بعض المبادرات الفردية والمجتمعية لحل مشكلات خارج تخطيط الدولة وهكذا تصبح لدينا خطة حكومية وأخرى أهلية لتتكامل الأولى مع الثانية، وطبعًا لا مانع إذا كان هناك بعض المبادرات «الشطحات» أو «الافتكاسات» التي أحيانًا تقابل بالرفض من المواطن العادى اعتراضًا عليها أو تلك التي تشير لبعض الظواهر الاجتماعية التي ينكر وجودها أصلا: وفى كل الأحوال يمكن أن تكون هناك لجنة غير «متربصة» أو متعمدة إفساد أجندة تلك الجمعية أو سواها، أن تناقش بعض الأهداف التي قد تبدو غير مناسبة للمجتمع المصرى، أي أن كل الأمور قابلة للنقاش.

هناك جانب أمنى.. نص عليه القانون الجديد وهو الخلط بين مسألة «الإخطار» والموافقة والفرق بينهما كبير فضلاً على أن هناك نصا في القانون يتحدث عن الأنشطة غير الضارة بالسلام الاجتماعى والأمن القومى، دون تحديد ذلك مع ملاحظة أن المسألة طبعًا بهذا الشكل مطاطة وتحتمل وجهات نظر يمكن بها تصيُد أي منظمة أو جمعية لو كانت تعمل مثلاً في نشاط حقوقى، فالقانون الجديد مثلاً يمنع مناقشة قوانين تخص الصحافة أو الأحزاب، وكأن ذلك يتناقض مع خطط التنمية، وهو في النهاية حوار مجتمعى حول القضايا الشائكة التي تحتاج لشفافية ووضوح وإلقاء الضوء على بعض المطالبات الشعبية.

المضحك فعلاً في نهاية الأمر أن وزارة التضامن «المختصة» تعترض لأنها تقدمت من قبل بمشروع قانونها الذي يختلف تمامًا عن مشروع قانون البرلمان، والتضامن تؤكد أن مشروع القانون الجديد أصعب بكثير في تنفيذه عن مشروع قانونها، الذي كان ينص مثلاً على أن تأسيس الجمعيات الأهلية يكون بالإشهار.. المسألة ليست مستحيلة، ويمكن التوفيق بين الجميع لأن المجتمع المدنى قوة ناعمة هائلة تلعب دورا حقيقيا مع الفقراء وتطرح رؤى مختلفة تصب كلها لصالح مصر. ولا داعى لقتله أو اغتياله إكلينيكيًا.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق