أخبار عاجلة

هذا ما تعلمته من علم يُنتفع به

هذا ما تعلمته من علم يُنتفع به
هذا ما تعلمته من علم يُنتفع به

أتابع حديثى عن مسيرتى العلمية. انتهت فترة ارتيادى مكتبة جامعة كِمبردج وحواراتى مع الأساتذة. ماذا تعلمت إذن من أمر القانون والمجتمع؟

تعلمت أن آفة الفكر التعصب. وأن الفكر متغير بتغير الزمان والمكان. وتعلمت أن القانون فى شقٍّ منه تعبيرٌ عن مصالح الطبقة المسيطرة، وفى شق آخر نتاج تطور التراث الإنسانى عبر العصور. وتعلمت أهمية التمييز بين مجالات الأخلاق والقانون والدين، وأن الربط بينها يفسدها. ومع ذلك فالقانون غير الخلقى قانون بائس، والقانون الذى لا يحترم الحريات الدينية قانون مستبد.

وتعلمت أن لتطور النظم القانونية مبادئ تحكمها. وأرجو أن يستطيع القارئ معى صبرا فى حديثى عن بعض فنيات تطور القانون وانعكاسه على واقعنا (وكيف يصبر على ما لم يحط به خُبرا؟)

يرى الفقيه الإنجليزى هنرى مين أن تطور النظم القانونية يتأرجح بين اللائحية والإرادية. اللائحية تعنى أن يتدخل المشرع بقواعد ملزمة لا فكاك منها لتنظيم العلاقات: الأسرة والملكية والتبادل والتعاقد، تنظم بقواعد آمرة جازمة.لا مجال هنا لإرادات الأفراد. هكذا كان الحال فى المجتمعات البدائية التى تعلو فيها سطوة العشيرة، وهكذا يكون الأمر فى المجتمعات الشمولية. وفى المقابل تعنى الإرادية إفساح المجال لإرادة الناس فى تنظيم علاقاتهم. العلاقة بين سلطة الجماعة وإرادة الفرد ظلت وستظل الشاغل الأكبر لكل النظم القانونية.

قريب من ذلك ما يراه الفقيه الأمريكى روسكو باوند عن ارتباط الشكلية وتقديس النص بالاستقرار الاجتماعى، وارتباط تطلع المجتمعات إلى المُثل القانونية العادلة بتوجه المجتمع نحو التغير. عندما يكون المجتمع راضيا عن نظامه القانونى العادل يميل الفقه إلى الانهماك فى شرح لفظ القاعدة القانونية وتفسيره دون تقييمه. وعندما يسود التذمر الاجتماعى من مضمون القانون المقيد لحركته يميل الفقه إلى نقده وإلى تأويل لفظ القانون ليتواءم مع المثال القانونى العادل، الذى يشتاق إليه المظلومون. ويتوسع القضاء فى سلطته التفسيرية للمواءمة بين قانون لم يعد يلائم واقعا متغيرا.

النظريات السابقة تصدق فقط فى المجتمعات التى يعبر فيها القانون عن روح الشعب وضميره.

المجتمعات العربية لها شأن آخر، لا تصلح لفهمه نظريات شرح التطور القانونى. القانون عندنا نتاج قهر الطغمة. الطغمة غير الطبقة. الطبقة جماعة كبرى من أصحاب المصالح تسهم فى الإنتاج بالمجتمع وتفيد تقدمه حتى تصبح قيدا عليه فتطيح بها الثورة. الطغمة مجموعة من الطغاة، عسكرية أو حزبية أو دينية، تحكم باسم ملك أو رئيس، مصدر للحكمة والمعرفة والتشريع.

تتحرر المجتمعات من القانون شكلا ومضمونا فى أوقات الثورات. الثورة هى رفض للقانون القائم الظالم. قد يفسر هذا عندنا نزعة التحرر من القانون والدستور بعد ثورة ٢٥ يناير. فكم من نصوص دستورية أُهدرت باسم حماية الوطن أو الدين. وكم من قواعد للشرعية القانونية تم تجاهلها بزعم الحفاظ على الدولة. وكم من حريات جرى انتهاكها بدعوى الحفاظ على الأمن. ومع ذلك، فالنظم الرشيدة لا تتخذ الظلم منهجا حتى ولو تعرض المجتمع للخطر. عندما حدثت مذبحة تشارلى إبدو فى فرنسا، سأل أحد الصحفيين المصريين الرئيس أولاند: كيف تتحدثون عن حقوق الإنسان وأنتم تتعرضون لخطر الإرهاب؟ رد عليه الرئيس ذو الثقافة الديمقراطية الراسخة قائلا: لأن احترام هذه الحقوق يمكّننا من التصدى للإرهاب.

بعد ثورة يناير عايشنا شيزوفرينيا قانونية. طبقنا الشرعية الشكلية على من امتصوا دماء الشعب ونهبوا ماله وحاكمناهم أمام القضاء العادى وبالقانون العادى، بضماناته، وفى جرائم منتقاة، وخرجوا يمرحون فى الهواء الطلق. وفى المقابل، أهدرنا الدستور والقانون فى تعاملنا مع الثورة والثوار لحماية الأمن. وجرى انتهاك الشرعية والديمقراطية بواسطة مؤسسات وظيفتها حمايتها.

فرق بين سيادة القانون وسيادة التشريع. سيادة القانون تعنى الالتزام بأصول قانونية عادلة يخضع لها الحكام والمحكومون. العدالة ليست مجرد تطبيق نصوص التشريع بل تتمثل فى شيوع الإحساس بالعدل. عندنا توجد سيادة للتشريع، أى سيادة لأوامر السلطان. وفارق بين سيادة القانون وسيادة التعليمات التشريعية حتى ولو تخفت هذه التعليمات وراء مؤسسات يمسك السلطان بخيوطها. فى عراق صدام، كان يعاقب بالإعدام من يخفى هويته السياسية السابقة على عضوية حزب البعث. وفى السودان، كان القانون يطلق فتيان (البوليس الشعبى) للاعتداء على حريات الناس فى الطرقات. ونفس الشىء فعله القذافى بلجانه الثورية التى علقت أساتذة الجامعة على أعواد المشانق حماية للكتاب الأخضر. هذا كله ليس من قبيل القانون. هى تعليمات مدمرة يصدرها الحاكم الأوحد مالك الحكمة والحقيقة والإلهام.

آن أوان الرحيل من كمبردج إلى موسكو حاملا متاعى وأوراقى تمهيدا لكتابة الرسالة. علّمنا أساتذتنا أن المعلومات التى قرأناها يجب أن تدخل إلى رؤوسنا أولا قبل كتابتها: نمعن فيها الفكر ثم تخرج شيئا جديدا محملا بوجهة نظرنا. علمونا أيضا ألا نقتصر على نقل المعلومات من سفر إلى سفر. علينا أن نعقل ما قرأناه ونحدد موقفا منه. كثير من باحثى اليوم ينقلون ما كتبته الأسفار دون أن يعقلوها. وكثير من الرسائل لا تضيف للعلم رغم ما جمعته من معلومات. الجميع مشغولون بالبحث عن لقمة العيش. عندما ينشغل العلماء بإشباع غرائزهم تتوقف عقولهم عن الإبداع.

ودعت كمبردج الخلابة الرقيقة الحانية، موطن العلم والجمال والابتسام. وعدت إلى لندن حيث منزل الهندى المتجهم الذى أقمت فيه قرب ميدان رسل. قضيت أسبوعين فى لندن أجمع من مكتبة الجامعة ما رأيته لازما، وأتردد على متاجرها أشترى ما رخص ثمنه. دعانى مؤجر المنزل (مبتسمًا للمرة الأولى) لتناول شاى ما بعد الظهيرة مع أسرته فى وداع المغادرة.

ذهبت للمكتب الثقافى المصرى فى حى (ماى فير) للحصول على بطاقة الإبحار إلى روسيا من ميناء تيلبرى. أخبرنى مستشارنا الثقافى المتعجرف أن التعليمات لا تتضمن إصدار بطاقة عودة، أى أن حكومتنا أرادت أن ترسلنى إلى إنجلترا ولا تعيدنى منها. قلت له: لا بأس من ذلك فهذا يسعدنى. سأقضى الليل والنهار مقيما فى إحدى قاعات المكتب الثقافى (كان فيما مضى موطن إقامة الأمير فاروق أثناء دراسته فى لندن). من يكره أن يقيم حيث أقام ملك مصر وينام على فراشه. انزعج مستشارنا الثقافى وأمر بإصدار بطاقة الرحيل فورا مصحوبة ببدل السفر المستحق.

أبحرت إلى روسيا ولكن دون معلبات غذائية هذه المرة، كما فعلت عند قدومى من موسكو إلى لندن. ليس هناك أروع من أن تجلس فى مقدمة سطح باخرة تمخر عباب البحر وتتأمل قوافل طائر النورس، تسبقها وتستمتع بالنظر إلى الأفق وقت الغروب وترقب الشمس الحمراء تغرب فى عين حمئة وراء أفق البحر، وتطرب لموسيقى هدير الأمواج. وستكون محظوظًا أكثر لو رافقتك فى جلستك هذه فاتنة دنماركية تعمل لاعبة أكروبات فى سيرك كوبنهاجن. وستكون أكثر حظا لو صحبتك هذه الفاتنة فى هزيع الليل لتتعامل بخفة ومهارة مع آلة الحظ المعلقة على أحد الجدران وتجمع منها عشرات العملات المعدنية تنفقها فورا فى اللهو والمتعة على سطح الباخرة. هل هناك أروع من مصاحبة الجمال الأخاذ والحظ الذى لا يخيب؟ وغادرت صاحبتى العابرة فى كوبنهاجن وهى تشكرنى على الصحبة الطيبة. ومن كوبنهاجن إلى هلسنكى، ومنها إلى لننجراد (التى أصبحت الآن بيتربورج)، وأعتبرها من أجمل مدن العالم، بمتحف الأرميتاج العظيم. لم أقض بها سوى ليلة واحدة ثم غادرتها بالقطار إلى موسكو.

فى اجتماع القسم الأسبوعى بكلية حقوق موسكو فاجأنى المشرف ورئيس القسم أندريه إيفانوفيتس دينيسوف بسؤال مباغت. قال: ماذا يقولون عنا فى الغرب البرجوازى الذى رحلت إليه؟ قلت له الحقيقة سافرة، متوقعا نقاشا حادا. قلت: يقولون عنكم إنكم فى دولة شمولية، وإن كتبكم القانونية بها من الأيديولوجية أكثر مما بها من الفن القانونى. وتوقعت هجوما حادا، فإذا بالجميع ينظرون لبعضهم البعض ذاهلين، ويلوذون بالصمت، وينتقلون فورا إلى جدول الأعمال. (جميعهم حذف من كتبه استشهاداته بماركس وانجلز ولينين بعد سقوط الاتحاد السوفيتى).

نُوقشت رسالتى فى القسم، وأُقرت مبدئيا، وتم تحديد أسماء الأساتذة المناقشين والمعارضين فى المناقشة النهائية. طُبع ملخص الرسالة من عدة مئات من النسخ، وأرسل إلى المؤسسات العلمية فى البلاد ليبدى من يشاء رأيا مكتوبا أو يحضر المناقشة لإبداء الملاحظات.

نصحنى زملائى فى القسم أن أحتسى قبل المناقشة كأسا من الكونياك الأرمينى (المشروب المفضل لتشرشل) حتى أتغلب على خوفى. قالوا إن قليلا من الخمر يصلح العلم. من تقاليد الجيش السوفيتى المأثورة أنه كان فى معاركه فى الشتاء يأمر جنوده باحتساء خمسين جراما من الفودكا، وهو مقدار محسوب طبيا، يحقق للجندى الدفء والشجاعة معا. لم أستمع للنصيحة، فلست بذاهب لمعركة مع نابليون أو هتلر. وجرت المناقشة بنجاح متميز. وفى المساء، اجتمع الزملاء والأصدقاء المصريون والروس والدبلوماسيون المصريون فى عشاء تقليدى بأحد المطاعم الكبرى للاحتفال ورُفعت الأنخاب ورقص فيه الجميع. وحلّ موعد العودة للوطن حيث المجهول ينتظرنى.

وللحديث بقية.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الباحث إسلام بحيرى فى أول حوار صحفى بعد خروجه من السجن: السلفيون أخطر من الإخوان.. ومهادنتهم «خيانة» (٢-٢)
التالى اخبار السعودية اليوم - مسلح يحتجز رهائن بوكالة سفر في باريس