أخبار عاجلة
«التموين» تنفي زيادة أسعار رغيف الخبز المدعم -
براة 4 متهمين في أحداث الوراق -

«المهدي» الذي لم يجد أحداً في انتظاره

«المهدي» الذي لم يجد أحداً في انتظاره
«المهدي» الذي لم يجد أحداً في انتظاره

هذه حكاية درامية، ملهاة ومأساة في الوقت نفسه، تدعو للضحك والبكاء في الآن ذاته. لم يختر الشيخ محمد عبدالله نصر أن يكون مهدياً منتظراً، لم يختر أن يكون له متابعون ومريدون ومصفقون على كل ما يقول، أصاب أم أخطأ، لم يختر أن يُنَصّب «إماماً وخطيباً للثورة»، ويقدم بهذا التوصيف في الفضائيات والندوات وفي الميدان، لكنه صنيعة لإعلام ومشاهدين وحالة سياسية مجنونة.

اختطفت الأضواء المبهرة «الشيخ ميزو»، وأدرك هو كيف تدار اللعبة، كل المطلوب منه أن يقول تصريحاً ساخناً هنا، يرفع الحذاء في برنامج آخر هناك. تنقل من برنامج إلى برنامج، ومن فضائية إلى أخرى، ركب الموجة وهاجم وندد ووصل إلى أبعد مما وصل غيره، ثم انخفضت الموجة فخفتت الأضواء قليلاً. لكنه لم يدرك أن هذه طبيعة السياسة والإعلام، مد وجزر، لم تعد الفتاوى المثيرة تجتذب القنوات كثيراً، لم تعد هناك «ثورة» يدّعي الحديث باسمها، انشغل الناس في أمور أخرى، أسعار السكر والزيت والدولار، وفي ظل ذلك كان بريق الإعلام يلوح من بعيد، أضواء الكاميرات تنادي كأنها النداهة، صفحات الصحف فارغة بدون صورته وتصريحاته المثيرة، تناقصت اللايكات على صفحة فيس بوك. لذا قرر أن يضرب ضربته الكبرى، أن يقلب الأمور رأساً على عقب، وكله بالشريعة، «الدين بيقول إيه؟». المهدي المنتظر سيكون اسمه «محمد بن عبدالله»، والشيخ ميزو يحمل نفس الاسم أيضاً. وهكذا اكتملت الفكرة ولم يبق إلا أضواء الكاميرات وأخبار الصحف ومواقع الإنترنت.

لكن مأساة الشيخ ميزو أنه عندما قرر أن يصبح مهدياً منتظراً لم يجد أحداً في انتظاره، قابلته الضحكات والنكات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي التي صنعت منه نجماً من قبل، اتسع الخرق على الراتق هذه المرة، صارت «الكذبة» أكبر من أن تصدق أو تردد. ربما تحقق له الظهور مرة أو اثنتين أو ثلاثاً في الفضائيات، ربما أقام بعض المحامين دعاوى ضده تضمن له استمرار نشر الأخبار عنه في الصحف شهراً أو شهرين، لكن بعد أيام سيصبح الأمر نكتة قديمة، ملّتها الفضائيات وسيبحثون عن نكتة أخرى، فتذوي الأضواء أكثر، وهكذا حتى يختفي للأبد، وقد خسر كل شيء.

الشيخ ميزو ليس مجنوناً، ليس مريضاً نفسياً، وليس مهدياً منتظراً أيضاً، لكنه يبحث عن الأضواء التي انسحبت عنه. يبحث عن إحساس سلطة رجل الدين المشهور، وتحريك الجموع الذي منحته إياه الكاميرات. الشيخ ميزو ضحية الإعلام، ضحية اللهاث وراء الغريب والعجيب وغير المنطقي، ضحية صناعة نجوم وهميين بحثاً عن «اللايك» و«الشير» و«الترافيك»، ضحية الذين يجلسون في «العاشرة مساء» كل يوم على كنبتهم في انتظار إخراج العفريت والجن والميت الذي عاد.

ربما كان لدى الشيخ ميزو مشروع بحثي، ربما بدأ فعلاً بقراءة ومراجعة التراث الإسلامي، لكنه انتهي إلى مريض بالشهرة، يقدم ما يعجب الناس، ما يريده منه مقدمو البرامج حتى يستضيفوه مرة أخرى، حتى تتصدر صوره الإعلانات في الشوارع، فبعض الذين تصدرت صورهم إعلانات الشوارع السنوات الماضية، ليسوا أفضل منه في شيء، وهو محق إلى حد كبير في هذا الاعتقاد.

أحد الأفلام المهمة التي تتحدث عن صناعة الإعلام لنجوم لا حقيقة لهم، هو فيلم «قتلة بالفطرة»، الذي كتبه كوينتن تارانتينو وأخرجه أوليفر ستون، ويدور فيه حوار بين أحد الإعلاميين وأحد السفاحين الذي تحول بفضل الصحافة وكاميرات التلفزيون إلى نجم له مريدون وعشاق، يقول في نهايته الإعلامي «أنا مجرد طفيلي، أنتم لنا، للملأ والإعلام، هكذا هي الأمور»، نعم، هكذا تحول الإعلام إلى طفيلي، وهكذا هي الأمور في الصحافة المصرية الآن.

الشيخ ميزو ليس وحده «المهدي المنتظر» المزيف، كلنا مهديون منتظرون مزيفون بشكل أو بآخر، نلهث وراء ما يرضي «الجماهير الوهمية» على فيس بوك وتويتر والتليفزيون، لكن الشيخ ميزو امتلك وحده شجاعة الاعتراف وفضح الجميع.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق «التموين» تنفي زيادة أسعار رغيف الخبز المدعم
التالى «غرفة القاهرة» تشارك في معرض ماكينات النسيج بالهند