أخبار عاجلة
تاريخ مصر في المركز الثقافي المصري بباريس -
المولد النبوي بين تحريم السلفية واحتفال الأزهر -

الجراحة خطيرة ولكن!

الجراحة خطيرة ولكن!
الجراحة خطيرة ولكن!

بين ليلة وضحاها يُعَوم الجنيه المصرى ويُقَلص الدعم على الوقود وترتفع قيمة الجمارك على الواردات ويغرق الناس فى حيص بيص يفكرون يتساءلون: إلى أين تتجه بهم سفينة الأيام القادمة؟ وإلى أى مدى سيمكنهم تحمل المزيد من الضغوط الاقتصادية وشح السلع وانحصار مصادر الدخل؟.

المدهش أنه وسط هذه الدوامة من الحيرة والقلق والتوتر يطل علينا المتلونون من إياهم، ليباركوا للناس الغلاء الذى حصدوه والدعم الذى رُفِع عنهم وكأنه الفتح العظيم والانتصار المبين والإنجاز التاريخى الذى لا يقل فى أهميته عن قرار الخديو إسماعيل بحفر قناة السويس وطوق النجاة للإصلاح الاقتصادى المنتظر بل يتفضل علينا هؤلاء بشعارات سخيفة مستفزة على غرار: (الدعم وَهم، يا جمال إلغاء الدعم، الله على قرارات إصلاحاتك ياحكومة زيدونا فقرا زيدونا)، دون أن يدركوا أنهم بتصرفاتهم تلك ومواقفهم المخزية هذه يكرسون لكراهية النظام السياسى الموجود ويصنعون فاصلا بينه وبين الجماهير ممن يكتوى غالبيتهم بغلاء غير مسبوق حتى فى اقتصاد الحروب وفى لحظات التوتر التى كثيرا ما عانت مصر منها فى تاريخها المعاصر.

فقد ارتفعت أسعار كل شىء بلا هوادة ولا رحمة بنسب تتراوح بين عشرين إلى مائة فى المائة: «العقارات، المواصلات، السلع الغذائية، الملابس، الأدوات المكتبية، مستلزمات الإنتاج الزراعى والصناعى» كما نقصت أصناف كثيرة من الأدوية خاصة المحاليل الطبية والأدوية المعالجة للسرطان والفشل الكلوى والكبد والمخ والأعصاب... إلخ فى إشارة إلى أن هناك المزيد من التداعيات الخطيرة الناتجة عن تلك القرارات الاقتصادية والتى أدت وستؤدى لحدوث إرباك وفوضى فى الأسواق المصرية واتساع رهيب فى الفجوة بين الدخول والمصروفات وغيرها من الأمور التى تدفع الكثيرين للتساؤل: «ما دامت الدنيا خَرُبَت بهذا الشكل، فأين تكمن عظمة قرارات الإصلاح إذن؟ وهل سيفهمها المواطن مثلما تفهمها الحكومة؟ وما قيمة قرارات الإصلاح بالنسبة للمواطن الذى فقد استقراره النفسى والمادى وكاد يُصاب بالسكتة الدماغية من كثرة تفكيره فى كيفية مواجهة هذا الغلاء المتوحش المستعر المشتعل فى كافة القطاعات وعلى كل المستويات؟».

يقول المناصرون لتلك القرارات: «إنها عملية جراحية وجب إجراؤها الآن من أجل إنقاذ مصر واقتصادها» وهو كلام لا يخلو من منطق لكنه يخلو من الإنصاف والإحساس بخطورة اللحظة وبحجم معاناة الناس وذلك للأسباب الآتية: أولا، لا أحد يكره الإصلاح ولا يرضى أحدا أن يذهب الدعم لغير مستحقيه، لكن ما تم تخريبه على مدى 40 سنة سيستحيل معالجة آثاره فى بضعة شهور ولا يصح أن يتحمل المواطن وحده كل النتائج السلبية فى عمومها، خاصة أنه لم يكن شريكا فى صنعها.

والبتر دائما لا بد أن يؤدى لعاهة مستديمة.

ثانيا، كان من الضرورى قبل إصدار قرارات ما يسمى بالإصلاح الاقتصادى تحديد الفئات الأولى بالرعاية والدعم بحيث لا يدفع أبناء هذه الفئات الثمن مرتين: مرة بعجزهم عن مسايرة الغلاء والتكيف مع آثاره وثانية انسداد كل الأفق أمام أية فرص فى حياة بطعم أقل مرارة.

ثالثا كان من الضرورى وضع حد للموارد المهدرة وإعادة استثمارها بالشكل الذى يحقق الزيادة فى ميزانية الدولة مثل: (إلغاء الصناديق الخاصة، إلغاء مستشارى الحكومة، تطبيق الضرائب التصاعدية، وترخيص جميع المحلات فى المناطق العشوائية ومصانع بئر السلم، ترخيص التكاتك، تطبيق قانون المصالحة فى البناء، تعديل قانون المحاجر الموضوع منذ خمسينات القرن الماضى، تنمية الصناعات التعدينية).

رابعاً وضع سياسات زراعية وصناعية تهدف لزيادة الإنتاج وتقليل الفجوة بين الصادرات والواردات ووضع حد لانهيار قيمة الجنيه المصرى وضمان الاستقلال السياسى المصرى بعيدا عن المنح والقروض التى لا فائدة منها سوى إرهاق البلاد فى المزيد من الضغوط الاقتصادية وعدم القدرة على الاستقلال بالقرار.

يا سادة، الإصلاح جراحة لابد منها لكن تحتاج لجراحين مهرة والعبقرية ليست فى قدرة الطبيب على الإمساك بالمشرط وإنما فى قدرته على وقف النزيف إن حدث لا قدر الله.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك