أخبار عاجلة
تارانتينو مخرجاً للعالم -

أنبياء مُزيَّفُون

أنبياء مُزيَّفُون
أنبياء مُزيَّفُون

في أزمنة الارتياب والشك، يظهر الطفيليون والممرُورون من سفلة القوم، الذين يملأ صدورهم الطمع والجشع، ويعتلون المقاعد، ويحتلون أماكن لا يمكن أن تكون لهم، لو أن الأمور موضوعة في نصابها، وأن كل شىء في مكانه الصحيح، ويظهر معهم أيضًا بشرٌ لديهم قدرٌ من العلم يدَّعُون بالكذب والضلال والغرُور بالنفس أشياء لا يمكن تصورها أو قبولها، وأعتبرها ضربًا من الخبل والجنون، والشُّعور بعظمة النفس، لديهم حب المنصب والسيادة والوجاهة وجمع المال، ومنها ادَّعاء النُبوَّة، متصورين أنهم يرتفعون على الأرض والبشر معًا، بما أوتوا من بعض العلم، وغالبًا ما يكونون من أهل الدين أو قريبين منه، ومن ثَمَّ يمكن للناس أن يصدِّقُوهم، ماداموا قد صدَّقوهم في الدعوة المباشرة من فوق منبرٍ أو غيره من وسائل الدعوة والاتصال بالأنصار والمؤيِّدين.

وقد حدث ذلك منذ الجاهلية، وفى صدر الإسلام، وفى عصر الدولة الأموية، وفى عصر الدولة العباسية، وحتى زماننا هذا، وقد حصرتُ ما يزيد على خمسين ممن ادَّعوا النبوَّة من الذين اشتُهروا وعُرفوا، وذاع صيتهم بين القبائل، وصدَّقهم الناس أو بعضهم، ومنهم مَن صار له أتباع، يصل أعدادهم إلى الملايين.

فمنهم مَن رأى نفسه «مدينة العلم»، أو أنه الواسطة الكبرى بين الله والناس، أو أنه مبعوث من الله، وأنه الباب الأول والنهائى للجنة، ولا جنة من دون الاعتماد عليه وتصديقه، والدخول في «دينه»، أو أنه مُصطفى من الخالق من دون سائر الخلق، وأنه السفارة بين الله وعباده، المرتفع عن سواه من الخلق، وأنه يحمل رسالةً من الله، وينبغى عليه تبليغها، ولذا يعلن لمَن حوله، بعد أن يستيقظ من نومه، أنه صار نبيًّا، لأنه شُرِّف عليهم، باعتباره مرتفع الشأن والقدْر، وأن لديه رسالةً حتميةً، وعلى الناس تصديقها، كى ينجوا من الشرور والأسقام والمهالك، وأنه مختارٌ من الله للإخبار عن الحقائق الإلهية، كأنهم لا يعرفون أن النبى هو مَن يصطفيه الله، لا مَن يفرض نفسه بالقوة والجهل والتطاوس على الله والناس، بحجَّة أنه العارِف العالِم، ولا يجُوز له أن يكون كالكافة من الناس، وعليه أن يكون مميزًا، فيختار لنفسه أن يكون إلهًا أو نبيًّا أو مهديًّا منتظرًا، سواء من وازع لفت الانتباه، أو تصوُّر أنه نائبٌ عن الله، أو أنه ليس أدنى من النبى محمَّد في شىءٍ، ومعظم- إن لم يكن كل- مَن حصرتُهم ممن ادَّعوا النبوَّة على مدار التاريخ، لديهم معرفة وعلم بالدين، بل منهم مَن بلغ مرتبة وشأوا.

ومع ذلك كأنهم لا يدركون أن «النبوة هبةٌ لا تُنال بالكسب» {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} سورة الأنعام، الآية 124.

ففى أزمنة التشدُّد والغُلو، يكفُر الناس ببعض مَن يدَّعُون الألوهية أو النبوَّة، أو أنهم قريبون أو ممثلون عنهما، ويدسُّون السمَّ في الدسم، من فرط ما يرونه من أعمال الجهالة والخداع والحيل والسخف، وغريب سلوك هؤلاء المُدَّعين، المُصابين بمسٍّ في عقولهم، المُسيئِين لأنفسهم وللدين الذي يعتنقونه، وعادةً ما يصاحب الادَّعاء التزوير والتزييف والكذب والبُهتان والتلفيق، لأن أمر الدين شأنٌ لا التباس فيه ولا غموض، إذْ كل شىء جلىٌّ وواضح، مكشوفٌ لا نقصان فيه، وعلى الرغم من أن الآية الثالثة من سورة الجمعة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قاطعة وحاسمة ولا ريب فيها، ولا حِجاج حولها أو جدال، فإن دعاوى النبوَّة لم تتوقف، ويبدو أنها لن تتوقف في أزمنةٍ غاب فيها الحق، واختفت الحقيقة، وعمَّ الهرج والمرج، وتم تمويه الباطل وتزيينه، وتفشَّى الباطل والكذب والرياء والنفاق، والافتراء، والتحريف، وانتشر الجهل والدجل والشعوذة والظلم والاستبداد.

والذى يدَّعى بشىء ليس فيه هو عندى فقيرٌ في عقله ورُوحه، فاسق، والفاسق مَن عصى وجاوز حدود الشَّرع، وخرج عن طاعة الله، وانغمس في الملذَّات، والضلال، وعلى هؤلاء أن يفرِّقوا بين النبوَّة والمُبشِّرات، أي الرؤيا الصالحة التي يراها الرجل أو تُرى له.

وأنا لا أتصور أن مؤمنًا عابدًا ورِعًا تقيَّا يمكن أن يدَّعى النبوَّة، لأن المؤمن الحقَّ لا يهدف إلى التكسُّب والشهرة ولفت الأنظار ولا يتقن الادِّعاء والكذب، ولا يُسيِّس الدين، ولا يُديِّن السياسة، وليس قبليًّا أو عرقيًّا، ولا يمكن له أن يقول إن النبى فلانا خرج من قبيلة كذا، وقبيلتى أفضل من قبيلته، وأنا أعلى منه شأنًا ومرتبة، وأغنى منه مالا، فلماذا لا أكون أنا النبى؟ والرسول نفسه قال في حديث له: «.. سيكون في أمتى كذَّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبىٌّ، وأنا خاتم النبيين، لا نبىَّ بعدى..»، فاستشراء الطائفية والقبلية والشعوبية في مجتمع ما من شأنه أن يصيبه بالانقسام والفوضى والتصدُّع والتفكُّك والانهيار ومن ثَمَّ الزوال، وتتخذ كل قبيلة صنمًا تقف عنده لتعبده، كما كان العرب في جاهليتهم الأولى، التي صرنا نرى جانبًا منها على يد قُساة القلوب من تجَّار الدين وبائعيه، ولكن بصورٍ أكثر غلظةً وجلافةً وشراسةً ودموية، لا تعرف غير الذبح والسَّفك واستحلال أرواح المسلمين، كأنهم مبعُوثون لتشويه الدين، وتسويد صفحات النبوَّة، وتقديم إسلامٍ آخر جديدٍ لا علاقة له بالقرآن والسنَّة الصحيحة، أو أن من ورائهم قوى أخرى- وهذا مؤكَّد ومُثبت- تهدف إلى الحرق والتدمير والتشويه للدين وأهله.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك