القوميون البِيض وليس المحافظين الجدد!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أردنا أو لم نُرِدْ فإن الولايات المتحدة الأمريكية، أياً كان رئيسها، سوف تكون حاضرة بشدة في المشهد الدولى، وبقوة أو أكثر في الساحة الإقليمية، ولن نعدم مَن سوف يلمس وجودها على المسرح المحلى سواء كان باعتبارها قوة تضيف، أو قوة تخصم. ومادام الحال كذلك فإن الواجب يقتضى فهم تلك الدولة وتقلباتها والظلال الكثيرة التي تعتريها، هي حالة لا تكف عن التغير والتحول حتى يُصاب المتابع بالصداع، أو يُسلم بأن الأمر لم يعد ممكناً فهمه. وذات مرة قال لى سفير كندا في القاهرة- مُلخصاً حال بلاده- إنه عندما تكون نائماً بجوار الفيل، فعليك أن تكون حريصاً على فهم متى يتقلب بين الأجناب، وماذا يعترى مزاجه من اعتلال، أو يصيبه السهاد أو عادة النوم العميق. ولحسن حظنا أننا لا نجاور الفيل الأمريكى، ولا يوجد لدينا ما يجعلنا كندا ولا المكسيك، ولذلك لدينا بعض رفاهية الفهم والمراقبة والمتابعة عن بعد، ربما كما تفعل كل بلدان العالم.

الآن باتت لدينا إدارة أمريكية جديدة في دور التكوين، ولكنها كلها تدور حول شخصية الفائز الرئاسى دونالد ترامب، ومعها تفوق للحزب الجمهورى في مجلسى الشيوخ والنواب وحكام الولايات. ومَن ظن- منذ ثمانى سنوات- أن هزيمة الحزب على يد باراك أوباما الديمقراطى سوف تكون ضربة قاضية، بعد الفشل الرهيب في الأزمة المالية 2008 وكارثة الحرب في العراق وأفغانستان، فإنه لا يعلم الكثير عن الولايات المتحدة. وحتى لا يكون الجهل مطبقا فإن التاريخ لا يعيد نفسه، ومهما كان الحال عن عودة الجمهوريين فإن الخطأ سوف يكون جسيما إذا ساد الظن أن مَن عادوا هم هؤلاء الذين ذهبوا، فالحقيقة هي أن جماعة المحافظين الجدد التي صاحبت جورج بوش الابن يناصب معظمها ترامب وجماعته العداء، ليس فقط لأنه فاز على جماعتهم من المرشحين، وإنما لأنهم يعتقدون عن يقين أن القادم الجديد إلى البيت الأبيض سوف يُودِى بالولايات المتحدة إلى الهاوية.

شعار ترامب الأساسى هو «أمريكا أولاً»، ولذلك فإن مهمته هي أن يجعل أمريكا «عظيمة مرة أخرى»، وإذا كان لذلك معنى فهو أن الساسة الآخرين في «المؤسسة الأمريكية» سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين لم يجعلوا المصالح الأمريكية في المقدمة، وأنه في عهدهم لم تعد الولايات المتحدة دولة عظيمة أو عظمى. هذا التوصيف يُعَرِّف أمريكا بطريقة مختلفة، فهى تعنى الجماعة البيضاء التي تشكل 70% من الشعب الأمريكى، وذات أصول أوروبية، ومعظمها يدين بالمذهب البروتستانتى في الديانة المسيحية، والتى وجدت أكثريتها تتقلص أمام زحف الأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية وآسيوية، باعتبارهم منافسين في سوق العمل، وسوق الأصوات الانتخابية، حيث مالت الأقليات دائما للحزب الديمقراطى، أما ثقافياً فقد أوردت ثقافات إما متحررة للغاية تؤيد زواج المِثليين، أو أنها بالغة المحافظة وتميل إلى العنف والإرهاب كما هو الحال بين المسلمين.

انتخاب ترامب هو «ثورة البِيض» الأمريكيين، خاصة هؤلاء المنتمين إلى الطبقة العاملة في ولايات شمال الوسط الأمريكى، التي لم تشعر فقط بالتهديد السكانى، وإنما أيضا بأن الطموحات الدولية للديمقراطيين والجمهوريين (خاصة هؤلاء من المحافظين الجدد) خذلتهم. ولذا يختلف ترامب عمن سبقه في أن كافة الرؤساء الأمريكيين عملوا على أن تقود الولايات المتحدة النظام الدولى وتحميه، ولكن ترامب يميل إلى التخلى عن هذه المسؤولية. وخلال الحملة الانتخابية لم يتوانَ عن الهجوم على إدارة جورج بوش لقيامها بغزو العراق، وعندما قامت بالغزو لم تأخذ نصف النفط العراقى، وأخيرا إدارة أوباما لأنها انسحبت معلنة هزيمتها أمام إيران التي فازت بالغنيمة، وفى النهاية لم تحصل أمريكا على فائدة.

وعلى عكس كل الرؤساء منذ الحرب العالمية الثانية، وسواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، فإنهم كانوا من أنصار «النظام الدولى» أو Internationalism، ترامب على العكس يميل إلى العزلة Isolationaism، والاتجاه الحمائى وفرض الضرائب الجمركية والخروج من الاتفاقيات الجماعية الدولية، والوقوف أمام اتجاهات الحركة الدولية لعبور القارات والدول، وفى المقدمة منها منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات التجارة الحرة، أو رفض القبول بمزايا تنافسية لدول أخرى فيما يتعلق بأسعار عملتها مثل الصين. وأعلن، في خطاب له بعد الفوز، أنه في اليوم الأول لولايته رسميا سوف يرسل خطابا بالنوايا الأمريكية للانسحاب من تجمع «الشراكة عبر الباسيفيك»، الذي يضم 12 دولة على جانبى المحيط الهادى.

وعلى عكس ما كان الأمر مع الرؤساء الأمريكيين السابقين من النظر بعين الشك والريبة إلى روسيا، سواء كانت تحت اسم الاتحاد السوفيتى أو روسيا الاتحادية، فإن ترامب يرى أن تحقيق تفاهمات أمريكية روسية سوف يرفع عن الولايات المتحدة أعباء كثيرة تحملتها من أجل النظام الدولى، وآن أوان الاستغناء عنها. ولمَن يريد المزيد حول هذه النقطة ربما عليه قراءة مقال إيفان كروستيف وستيفين هولمز، في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية، بتاريخ 21 نوفمبر الجارى، تحت عنوان: «استعدوا لأكثر وفاق عنيف في التاريخ»، حيث يخلب لب البِيض من الأمريكيين كيف يلتقى الأبيضان وترامب وبوتين على مواجهة المسلمين من أصحاب اللون البنى. وهكذا فإن سياسة ترامب المرجَّحة في الشرق الأوسط سوف تكون في العموم عند حدها الأدنى minimalist، مع الميل لاستخدام القوة ضد ما يهدد الولايات المتحدة، خاصة الإرهاب. ولكن التفاهم مع روسيا على المنطقة سوف يكون المفتاح الذي علينا مراقبته، بعد أن عرفنا المسافة الكبرى التي قطعها ترامب بعيداً عن المحافظين الجدد!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

0 تعليق