أخبار عاجلة
مستشار لـ«ترامب» يصل موسكو -
ارتفاع سعر الدولار في البنوك الكبرى -
ضبط 5 آلاف لتر وقود بالسوق السوداء في مطروح -

معجزات السيسي و«قيراط الحظ»

معجزات السيسي و«قيراط الحظ»
معجزات السيسي و«قيراط الحظ»

(1)
السيسي محظوظ، وقيراط حظ خيرٌ من فدان شطارة

(2)
قالها سائق التاكسي، والسَبَّاك وهو يصلح «سيفون» الحمام الذي يتعطل كل يومين، وبائع الصحف المتذمر على رصيف فارغ إلا من الإعلانات بميدان لبنان، وزوجة الضابط المتقاعد، وبقال التموين، وامرأة شعبية كانت تبتسم للكاميرا بنصف أسنان وهي تحتضن كيسا من السكر، والموظف الذي صلى العشاء ثم جلس على الـ«فيس بوك» ليكتب أن الله أحرق الزرع في فلسطين رداً على منع الصهاينة لرفع الآذان في المسجد الأقصى.

(3)
قالها كثيرون وكثيرون، وظني ان الرئيس بنفسه يصدقها، حتى لو لم يقلها بالحروف.

(4)
تعجبني مدرسة علم الاجتماع التي تقول بصياغة متعالية: «تنال الشعوب ما تستحقه دائماً»، لذلك فإن مصر تنال ما تستحقه من تعليم ومن شوارع ومن طعام ومن مرافق ومن رئيس أيضاً

(5)
قد يفهم بعضكم أن العبارة المتعالية مجرد مقدمة للنقد واللوم، وهذا صحيح، لكنه ليس قصدي، لأن العبارة تصلح أيضاً كمقدمة للتطبيع بين رئيس وشعب يشبهه، وهي الأرضية التي تنمو فيها فرصة السيسي كرئيس مناسب لهذه المرحلة، ولهذا الشعب، في هذه الظروف، فالطيور على أشباهها تقع كما يقولون، أو كما يقولون بتعبير عامي أجمل وأدق «كل شيلُّو يشبهلو»، ومعناه بالفصحى الذي خففها العامة لتسهيل النطق وجماليات الموسيقى «كل شيء له يشبه اللي له»، أو على رأي عم نجم «أصل الشيلو يشبه ليللو»، فالسيسي هو رئيس الضرورة، ونحن ايضا شعب الضرورة، وكما تعرفون فإن الضرورات تبيح المحظورات، فبيننا من يرتشي عشان يِسَتَّر البِتْ، ومن يبنى على الأرض الزراعية عشان يِجَوِّز الواد، ومن يستولي على الرصيف لتوسيع المحل، ومن يدق الخوازيق في الشارع ليسبق جيرانه في حجز مكان لسيارته، ومن يُقَتِّر على أولاده لكي يدفع أقساط السيارة التي اشتراها حتى لايصير أقل من الجيران، ومن يؤمن بالسحر وقوة الخرافة في تحقيق الأحلام المؤجلة، فلا يخطط لشئ، لكنه يردد دوما أنه «أحسن الناس» وهيبقى «سيدهم كلهم».

(6)
في هذه النظرة التشابهية تكمن فرصة السيسي في تحقيق معجزة، ففي مجتمع مثل هذا، لاقيمة للعقل والتخطيط، ولا قيمة لفكرة الزمن والخطوات والمسارات، يكفي أن يكون لديك حلم كبير، ولا يهم أن تملك القدرة على تحقيقه، أو السعي والدأب من أجل ذلك برؤية واضحة، فالحظ فجأة سيضعك في طريق «محسن بيه».. وهوووب تطلع فوق، أو تكتب كلمة «دريم» أو حلم في مسابقة تليفزيونية فيتحقق حلمك، أو يأتيك هاتف في المنام ويعطيك خمس أغلفة شمعدان أزرق وخمسة أحمر، أو علية مسحوق غسيل سحرية، فتحصل على الشقة أو السيارة التي تلمع في الصورة التليفزيونية واستولت على كل تفكيرك و«ماسيجاتك».

(7)
أتذكر كيف كان ذلك الروائي المشهور في بدايته.. ركيكا جداً ومعدوم الموهبة واللغة، وأتذكر كيف التقيت ذلك الفنان التشكيلي في ورشة أخشاب وهو يشف رسومات رديئة على ورق مشبع برائحة الجاز، ثم يلونها بألوان رخيصة ومتنافرة، وأتذكر بدايات ذلك الصحفي النجم الذي وصفته بأنه دليل على انحطاط المهنة التي استوعبته، فتصدر الصفوف وسبق عشرات الموهوبين... أتذكر صعود الكثير من هؤلاء، وأتذكر معهم فيلم «انتبهوا أيها السادة» الذي لم ينبه السادة فاكتسحهم العبيد، وفيلم «أهل القمة» الذين تدحرجوا من القمة إلى السفح بقسوة درامية موجعة، ليحتل النشال «زعتر النوري» مكانهم، وأتذكر أنني تناقشت في ذلك يوما مع العزيز محمود أمين العالم (رحمة الله عليه) فقال لي بصوته الحنون وابتسامته الوديعة: في عصور الانحطاط تسود الركاكة، حتى تصبح أسلوباً يألفه الناس ويقبلون عليه، وأحيانا يضطر المثقف إلى مجاراة الجماهير فيتعامل مع هذه «الركاكة» ويحاول أن يستخرج منها الجماليات..!

(8)
أستعيد تعبير «يضطر المثقف» في نقاشي مع العالِم، وأهمس لنفسي مفتقدا ذلك الزمان: امممم.. كانت الضرورة في ذلك الزمان أيضا.. يبدو أن الضرورات تلازمنا في كل زمان، وهذا يفسر كيف تتكاثر في مجتمعاتنا المحظورات، فالضرورات كما تعرفون تيبح المحظورات، ولذلك عندما تتحطم قواعد التفكير والتخطيط، وتتراجع شروط العقل، وتنهار مبادئ الأخلاق والروح الإنسانية، وتنتشر الخرافة والغيبيات والعشوائية، فإن هذا الانتشار الكاسح بين الجماهير، يضع المثقف أو المواطن العقلاني أو الأخلاقي في مأزق: هل يجاري ويتعامل ويتخرج الجماليات الشكلية والوقتية من القبح والركاكة، أن ينعزل عن الجموع التي شربت من نهر الحماقة؟

(9)
السؤال يطرح ثنائية قديمة وبغيضة، قدمها اليمنى في زمن أبي ذر الغفاري الذي يمضي وحده في طريق الحق.. لقلة سالكيه، وقدمها اليسرى في «زمن الترافيك» وعصر الجماهير الغفيرة المحكومة عن بعد بمفاتيح خفية تحركهم حسب مشيئة من يملك «الريموت كونترول».. من يملك جهاز السيطرة والتحكم.. من يملك سلطة الإيحاء والتوجيه والإغواء.. ويحضرني في ذلك وصف صلاح عبدالصبور:
«صَفُّونا.. صفّاً صفّاً/ الأجهرُ صوتاً والأطول وضعوه في الصَّفِّ الأول/ ذو الصوت الخافت والمتوانى وضعوه في الصف الثانى/ أعطوا كُلاً منا ديناراً من ذهب قانى برَّاقا لم تلمسه كفٌ من قبل/ قالوا: صيحوا.. زنديقٌ كافر/ صحنا: زنديقٌ.. كافر/ قالوا: صيحوا، فليُقتل إنَّا نحمل دمه في رقبتنا/ فليُقتل أنا نحمل دمه في رقبتنا/ قالوا: امضو.. فمضينا/ الأجهرُ صوتاً والأطول يمضى في الصَّفِّ الأول/ ذو الصوت الخافت والمتوانى/ يمضى في الصَّفِّ الثانى»

(-)
أتوقف الآن عن كتابة المقال، لأنني رأيت «جرامشي» مقطب الجبين، يذرف الدمع في صمت، ثم يمزق أوراقه عن «المثقف العضوي»، وينقسم مثل هاملت في حيرته: هل أواصل العراك في الشوارع بين الجماهير.. وسط كل هذا الخبل والحمق والانقسامات والتحرشات؟، أم أصعد إلى البرج العاجي بصحبة واصل بن عطاء والمعري وسانت بيف، واغني مع أبوفراس: «إذا مت ظمآنا فلا نزلَ القَطْرُ؟!»
الركاكة مستمرة، لذا.. استمر في الحديث، لنا عودة

جمال الجمل
[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق «الاشتراكي الأوروبي»: الاتحاد الأوروبي مهدد بسبب السياسات الليبرالية الجديدة
التالى رباط عنق أسود من فضلك