وليام ليوجراند يكتب: إرث «كاسترو» فرصة وعقبة أمام مستقبل كوبا

وليام ليوجراند يكتب: إرث «كاسترو» فرصة وعقبة أمام مستقبل كوبا
وليام ليوجراند يكتب: إرث «كاسترو» فرصة وعقبة أمام مستقبل كوبا

نقلًا عن مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية

أثناء محاكمته، عام 1953، لقيادة هجوم للمتمردين على الحامية العسكرية «مونكادا» فى سانتياجو، قال فيدل كاسترو، المحامى الشاب حينها، دفاعاً عن نفسه: «وجهوا الإدانة لى. لا يهم. فالتاريخ سيبرئنى»، والآن بعد وفاته، قد حان الوقت لحكم التاريخ.

وبالنسبة لفيدل فإن الخطوط العريضة لإرثه واضحة للغاية، فقام بالثورة لحصول على الاستقلال الحقيقى لكوبا، وتخليص البلاد من الوصاية السياسية والاقتصادية الأمريكية، ولإدخال قدر من العدالة الاجتماعية إلى النظام الاجتماعى الفاسد فى البلاد.

ولكنه قرر أن الطريق الوحيد المؤدى إلى هذه الأهداف هو تبنى الاشتراكية، فقاد الاتجاه القومى، والثورة المضادة للاستبدادية للانتصار على نظام باتيستا عام 1959، وفى العقود الأولى للثورة، تمكن كاسترو من تحقيق هدفيه، حيث خلص كوبا من نفوذ الولايات المتحدة بتأميم الاستثمارات الأمريكية، ما أزعج صناع القرار فى واشنطن، الذين لم يتمكنوا من التسامح مع مثل هذا التحدى.

وحوّل «كاسترو» كوبا إلى المجتمع الأكثر مساواة فى أمريكا اللاتينية، بفضل الإصلاحات الاقتصادية التى أدت لإعادة التوزيع بشكل جذرى، وتأميم الاقتصاد بأكمله، وتقديم الرعاية الصحية، والتعليم، والضمان الاجتماعى مجانًا للجميع، وعمل على تقليص التفاوت فى الدخل، كما ضاقت الفوارق فى الأجور، وتوفرت السلع الأساسية، بينما توقف النمو تقريبًا، فحتى يخلق كاسترو اقتصادًا اشتراكيًا، سحق البرجوازية، وحينما أصبح اتجاه الثورة واضحًا، بدأت الطبقات العليا والمتوسطة الهجرة التاريخية إلى المنفى، ففى العقد الأول من حكمه، فر أكثر من 250 ألف كوبى، وعلى مدى العقود التالية، فر نحو مليون آخر.

وشعر «كاسترو» بعدم الثقة فى المؤسسات الكوبية، فكان يرى أنه أفضل من يفهم تطلعات شعبه من أى هيكل رسمى، وهدم المؤسسات التى بناها حينما كانت تعمل بطريقة تضر برؤيته لمستقبل كوبا. وترك إرثًا من الضعف المؤسسى قضى شقيقه العقد الماضى بأكمله فى محاولة إصلاحه، وارتبطت السلطة السياسية به بشكل مباشر، وخلال العقدين الأخيرين من قيادة كاسترو، برز عدد من الشباب بشكل واضح فيما اختفى آخرون على أساس علاقاتهم الشخصية به، واعترف راؤول بأوجه القصور المؤسسية للدولة بدعوته إلى تجديد الحزب الشيوعى، وتمكين المؤسسات السياسية. ولم يكن كاسترو يتقبل أى معارضة، ويعتبرها «معادية للثورة»، ولتعزيز السيطرة، أغلق جميع قنوات التعبير السياسى المستقل، وتعامل بلا رحمة مع المعارضين. ومكنته قبضته على السلطة من النجاة من عشرات محاولات الاغتيال، ومن التعايش مع نصف قرن من العداء الأمريكى، فقد كان التهديد الأمريكى هو الحجة التى استخدمتها المؤسسات الأمنية لقمع الحريات المدنية، والسياسية، وترك غياب الصحافة المستقلة، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدنى، الدولة من دون آليات التصحيح الذاتى لمجتمع ديمقراطى تعددى.

وفى أواخر الستينيات، احتضن كاسترو رؤية تشى جيفارا لـ«الاشتراكية الجديدة»، وتمت إعادة صياغة السياسة الاقتصادية لتغيير الفوارق فى الأجور، ولوقف الربط بين الدخل والإنتاج، وتوقف كثير من الناس عن العمل، وانخفض الإنتاج، وفى العقد التالى، تم استبدال تلك السياسة بنموذج آخر مأخوذ من الاتحاد السوفيتى، يقوم على أساس الحوافز المادية، والذى أدى لزيادة معدل الفساد.

وأجبرت تجربة الستينيات، كاسترو على الاعتراف بأن الكوبيين لم يكونوا على استعداد للعمل مثل المواطنين فى المدينة الماركسية الفاضلة، وفى 1986 أوقف كاسترو النموذج السوفيتى، وشن حملة لـ«تصحيح الأخطاء والميول السلبية»، مما يعنى الابتعاد عن استخدام آليات السوق مجددًا، مما خلق ركودًا اقتصاديًا.

وانتهت هذه التجربة الاقتصادية الجديدة بانهيار الشيوعية الأوروبية فى الفترة 1989-1991، والتى أغرقت كوبا فى الاكتئاب العميق المعروف باسم «الفترة الخاصة»، حيث أدى فقدان كوبا لـ3 مليارات دولار أمريكى كمساعدات اقتصادية سنوية من السوفيت إلى انخفاض قدرة البلاد على الاستيراد بنسبة 75٪، وتسبب نقص المواد الخام مثل الوقود والأسمدة فى خسائر إنتاجية ضخمة، ما أدى إلى دوامة الهبوط الاقتصادى، وبين عامى 1989 و1993، انخفض الناتج المحلى الإجمالى 35٪، وانخفضت الأجور، واختفت جميع السلع الاستهلاكية من المتاجر، وانتشر الجوع.

وفى البداية، كان كاسترو يرد على هذه المشاكل بتحد، وكان يختتم خطاباته بقوله «الاشتراكية أو الموت» ولكن البقاء كان يتطلب تنازلات اقتصادية، وبعد إلحاح شقيقه، وافق فيدل، بتردد، على إعادة إدخال آليات السوق لإعادة تشغيل الاقتصاد، ولإضفاء الشرعية على الأسواق الحرة، والشركات الصغيرة، وخففت الحكومة القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبى المباشر لجذب رأس المال اللازم لتحديث السياحة، وقننت حيازة الدولار، ما شجع الأمريكيين الكوبيين على إرسال التحويلات المالية، لكن فيدل لم يكن مرتاحًا لهذه الإصلاحات، واعتبرها مؤقتة، وقال «لقد اتخذت هذا الطريق لأنه كان البديل الوحيد لإنقاذ الثورة»، وتعافى الاقتصاد تدريجيًا فى أواخر التسعينيات.

وبحلول الوقت الذى تولى فيه راؤول المسؤولية من كاسترو المريض عام 2006، واجه الاقتصاد اختلالات هيكلية خطيرة، فقد كانت المشكلة انخفاض الإنتاج، وأطلق راؤول «تحديثًا» للسياسة الاقتصادية، واعتمد على آليات السوق لرفع كفاءة الاقتصاد.

وكانت تكلفة تحرير كوبا من الهيمنة الأمريكية هى تحالفها مع الاتحاد السوفيتى، ما جعل البلاد نقطة محورية فى الحرب الباردة، ولكن فى حين أن السياسيين الأمريكيين كانوا ينددون بكوبا باعتبارها دمية فى يد موسكو، لم يكن فيدل يتلقى أوامر من أحد. وكان يرى الثورة الكوبية باعتبارها كفاحاً من أجل التحرر الوطنى فى العالم الثالث، وكانت لديه طموحات تتجاوز جزيرته الصغيرة، ومثل لاعب الشطرنج الجيد الذى لديه قدرة خارقة على توقع التحركات المقبلة لخصومه، ولذا كان يستبق الأحداث ويحولها لمصلحته الخاصة، وكانت فطنته السياسية تسبب الإحباط الدائم لصناع القرار الأمريكى، الذين لم يتمكنوا أبدًا من معرفة كيفية إجباره على الانصياع لهم.

ولكن الأهداف التى قام كاسترو بالثورة من أجلها باتت تواجه تحديات حقيقية، فتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، إذا استمر فى رئاسة دونالد ترامب، يمثل انتصارًا وخطرًا فى آن واحد: انتصارًا لأن واشنطن ستكون اعترفت أخيرًا بالثورة الكوبية، وخطرًا لأنه سيفتح الأبواب لعودة النفوذ الاقتصادى الأمريكى.

ومهمة كوبا الآن هى التكيف بين الاشتراكية الكوبية والواقع المعاصر، مع الحفاظ على القيم الأساسية للسيادة الوطنية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية التى دفعت كاسترو إلى حمل السلاح منذ أكثر من نصف قرن، ولعل أعظم إنجازاته هى إعلاء هذه القيم بالشكل الكافى لتمريرها للأجيال القادمة، وتطلب مهمة إرساء القواعد لاقتصاد منتج وكفء، وجود حكم ديمقراطى أكثر انفتاحًا، وإما أن يمثل إرث كاسترو الأساس الذى ستتمكن البلاد من البناء عليه، أو أن يمثل عقبة فى طريق تقدمها، والجواب على هذا سيحدد ما إذا كان التاريخ سيبرئه أم لا.

ترجمة- فاطمة زيدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك