فردوسٌ هو الآخر... وهو خيرٌ لكم

فردوسٌ هو الآخر... وهو خيرٌ لكم
فردوسٌ هو الآخر... وهو خيرٌ لكم

«الجحيمُ هو الآخر» حين يتكبّر ويتجبّر ويُنصِّبُ نفسَه ديّانًا عليك، يفتّش فى نواياك جاعلاً منكَ خطّاءً ذميمًا، زاعمًا أن اللهَ منحه توكيلاً مباشرًا يعذّب بموجبه الناسَ فى الأرض عِوضًا عن حساب السماء. قيل هذا المعنى فى مسرحية «لا مَخرَج»،No Exit، للفرنسى جان بول سارتر. لكن سياق المسرحية لم يحتمل أن يقدّم الآخر «الآخرَ». ذلك المحبُّ العطوف الذى يمد لك يدًا حانية تشدّ من أزرك. الآخرُ الذى يستوعب لحظاتِ انكسارك، فيقوّيك لئلا تنكسر، ويجعل من نفسه صخرةً تتكئ عليها إذا ما هدّك التعب. آنذاك، تتحوّرُ العبارةُ الشهيرةُ المخيفةُ لتغدو: «الفردوسُ هو الآخر»، حين يؤمنُ ذلك الآخرُ أنه إنسانٌ مثلك، وليس ظلاً لله على الأرض.

هذا «الفردوسُ» غمرنى فى صورة «آخرين» تحلّقوا حولى على مدار العام الماضى العسِر. محوا بأياديهم الطيبة ركاكة «الجحيم» الذى تسلّل إلى حياتى فى صورة «آخر» لا أعرفه؛ نذر حياته لتكدير حياتى.

فردوسٌ أنيقٌ كلُّ من رفع يدَه للسماء يدعو اللهَ لى، وكلُّ من ذكرنى فى صلواته. فردوسٌ واعٍ هم أصدقائى الأدباء والفنانون الذين قاتلوا لحماية مشاعل التنوير التى حاول الظلاميون إطفاءها. فردوسًا ذكيًّا كان القراءُ المثقفون الذين دافعوا عن صخور القوى الناعمة التى جاهد أعداءُ مصر من أجل تفتيتها. فردوسٌ طيّبٌ هم الرائعون الذين التقيتُهم فى الغُربة بدولة الإمارات النبيلة، فهوّنوا علىّ مشقّة البعد عن وطنى وجعلوا من قلوبهم الغنيّة أوطانًا دافئة تحتوينى. فردوسٌ مثقفٌ كلُّ قلم نبيل فى يد كاتب راح يُذّكر الناسَ بتاريخى ويدعمنى بحروفه الطيبة. فردوسٌ مزهرٌ كلُّ ريشة فى يد فنان تشكيلى نحتت ملامح وجهى على صفحة الخلود. فردوسًا مرحًا كان كلُّ كاريكاتور صوّر لمحةً من قضيتى بريشته الساخرة. فردوسٌ مقيمٌ هى أسرتى الجميلة المثقفة التى دعمتنى وآزرتنى فى كل لحظة من كل يوم من أيام العام الماضى الذى مرّ كما الدهر علىّ وعليها. فردوسًا كان فريق المحامين الذى سخّر علمَه وخبرته ووقته ليكتب مذكرة دفاع رفيعة أوضحت إيمانى الخالص ببراءتى من أباطيل ألصقها بى حاقدٌ مُزايدٌ، انشغل بأمرى عن أمره، وبتقواى عن تقواه، وتشاغل بعلاقتى بربّى عن علاقته هو بربّه؛ حاول أن يُكمل نواقصه من امتلائى ويعزّز فقرَه الروحى من غناى، فما زاد هو إلا نقصًا وما زدتُ أنا إلا امتلاءً وثراءً.

وفردوسًا كان، على غير ما أراد، ذلك الشخص «الكريم» الذى رفع ضدى تلك الدعوى القضائية لكى يُكدّر صفو حياتي؛ فكان سببًا فى عثورى على كل ما سبق من فراديس ونعماء، وأصدقاء جدد ساندونى ودعموا قلبى لئلا يُكسر. كان فردوسًا على غير رغبته إذ قصد بى شرًّا وحزنًا، لكن اللهَ بعدله ورحمته وكرمه استبدل بالحزن فرحًا كثيرًا، واستبدل بالشرّ المُضمَر لى، خيرًا وفيرًا من ثروات إنسانية هائلة ما كنتُ أكتسبها ولو عشتُ ألفَ عام. وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم.

سأُغنى يا حبيبى، رغمَ النِّصالِ تتحلّقُ حولَ جسدى من كلِّ صوب، مثل ذِبحٍ بائسٍ لا يقدرُ أن يقولَ: أحسِنوا الذَّبحَ يا جماعةَ الخير؛ فأنتم تجعلونَ السماءَ تبكى! يُشهرون رماحَهم أمامَ عينى حتى أخاف، ويتلعثم النغمُ فوق أوتارِ قيثارتى فأصمت عن العزفِ، ولا أغنى. لكنهم ينسونَ أنَّ مالكَ الحزين لا يصدحُ بالنغمِ أجملِه؛ إلا والدمُ يقطرُ من بين ريشِه حارقًا، وأن الأوتارَ لا ترجِفُ بالموسيقى، إلا والعنقُ المذبوحُ ينزفُ القَطْرَ أحمرَ قانيًا من فرطِ الوجع، وأن البجعةَ لا تُجيدُ الرقصَ كالغيدِ على صفحةِ الماء؛ إلا حيَن تحينُ ساعةُ رحيلِها عن الدنيا، أو عن الوطن. إن مزّقوا دفترَ أشعارِى وأطبقوا شفتىّ ليصمتَ صوتى عن الغناء سأُغنّى بقلبى حتى تطيرَ الفراشاتُ من حولى وتحطَّ فوق كتفى بلادى. سأغنّى لضفائرها، حتى تتواثبَ خُصلاتُ شعرِها، فوق موجِ النسيم فيأتى الربيعُ قبلَ موعدِه. سأغنّى لعينيها حتى تُشرقا للنورِ من جديد، ثم تغفوَا على وهادِ جواباتى وقراراتى. سأغنى لقلبِها المصدوعِ حتى يُحبَّنى أكثر.

twitter:@fatimaNaoot

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك