إنسانية على كف عفريت

المصرى اليوم 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لعل أدق تعبير أطلق بعد انتخاب ترامب رئيساً ما قالته المطربة مادونا على صفحتها ويعنى «ولّعت». فمجىء هذا الوجه الصريح جداً فى تعبيره عن الرأسمالية الشرسة سيجعلنا نسمى كل شىء باسمه. وهو أمر سبقه ما حدث فى إنجلترا وفرنسا.. بل العالم من انتصار اليمين بعامة. ويعيدنا إلى أوائل القرن، حيث عُقد مؤتمر الطب النفسى الشهير بسويسرا الخاص بمناقشة ظاهرة «الإدمان».. قدمت أوراقا كثيرة موجزها أن «الإنسان صار يعانى فقدان الثقة فى الحياة بعد أن فقد الثقة فى الأفكار».

ملحوظة: ناقش المؤتمرون فى منتدى دافوس بعدها بسنوات كيف أن 1% من السكان ينعمون بـ70% من ثروات الكوكب وما يترتب على ذلك اجتماعياً من تفكك أسرى وطلاق... إلخ.

يعنى العالم اليوم يضرب يقلب حتى إن نشرات الأخبار صارت إحصاءً يومياً بعدد القتلى والجرحى والمشردين. غليان واحتجاج وحروب وغضب طبيعة. بصورة لا يشعر معها البنى آدمين بجدوى البناء والتراكم، وحتى ليس هناك أمل. بل إن النوستالجيا التى تتكرر فيها عبارة «الزمن الجميل» لا تقال فى مصر وحدها بل فى العالم كله. وكأن أفضل سنين هو ما مضى وليس ما هو آت. طبعاً الشرق بزيادة شويتين. حيث بات الإنسان مجتاحاً بغرائزه الأولية.. مرتداً إلى أفكار وأخلاق قديمة كان قد تجاوزها. مرتداً إلى الثقافات القديمة.

حالة لم ينجُ منها الأثرياء. فكل من الأغنياء والفقراء مصابٌ بفقد الشعور بالأمان- وأنا الآن ألخص وثائق المؤتمر- لا يجمعهم شعور أن الإنسانية كلها فى مركب واحد. الزواج يتضاءل والطلاق يزداد. علاوة على هستيريا الجنس، التى بات معها البشر مثل قرود ما قبل الزلازل. أيضاً معدل الانتحار يرتفع، وقبله نوع الجرائم الغريبة. يصاحب ذلك انغلاق على الذات وانسحاب من المشاركة فى الحياة العامة - رغم أن كل الناس يتكلمون فى القضايا العامة وكل الناس يشكون - بعدما فقد الناس الثقة فيما كان مستقراً من (أفكار كلية وأيديولوجيات) سواءً اشتراكية أو رأسمالية أو وجودية أو حتى دينية. وإننا بصدد حالة تاريخية من التوهة والشعور بالعبث وعدم الانتماء إلى فكرة. اضطراب أدى إلى زيادة معدل الإدمان فى العالم كله، وإدمان الجنس أحد أشكاله وأرخصها.

عجزت الأيديولوجيات التقليدية عن إمداد الإنسان بالثقة فى الحياة. وأن إعادة هذه الثقة لن تكون مهمة الأفكار لربع قرن قادم. إنما مهمة الفنون والآداب. وحدها من سيعيد الشعور بالأمل فى الحياة. مع توصية- لا تلزم أحداً- بالاهتمام بالفنانين والأدباء والمطربين... إلخ، الجادين طبعاً. بما أنهم المبشرون بالحياة.. مجرد الحياة. قدروا ربع قرن إلى أن يقدم المفكرون والسياسيون من جديد أنظمة فكرية تمسك بوجود الإنسان. أفكار كلية تخلو من استغلال إنسان لإنسان. أفكار غير تلك التى حملتهم على أجنحتها ولبست بهم فى الحيطة.. حيطة الوجود.

جاء المؤتمر قبل الهنا بسنة بعد ما عوّلت الإنسانية على الرأسمالية فى حل مشاكلها فزادتها معاناة. لذا رأى مسؤولية تقليل الإدمان وإنقاذ الإنسان يقع على عاتق الفنون.. لتقليل هرب الإنسان من الحياة والمواجهة.. أليس لمجىء ترامب وما يمثله علاقة بكل ذلك؟!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق