أخبار عاجلة
الأهلى يحشد قوته الهجومية لتخطى طموحات سموحة -
أوكسفام: سكان اليمن يعيشون خطر جوع كارثي -

فى شأن الذى جرى فى الولايات المتحدة؟!

فى شأن الذى جرى فى الولايات المتحدة؟!
فى شأن الذى جرى فى الولايات المتحدة؟!

لن يختلف أحد على أن الولايات المتحدة دولة ذات أهمية خاصة للعالم ولمصر بحكم وزنها فى النظام الدولى والعالمى. ولن يختلف أحد أيضا أن انتخاب الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب سوف تتيح فتح صفحة مختلفة عن إدارة أوباما فى العلاقات المصرية الأمريكية. وحتى يمكن الولوج إلى هذه المرحلة الجديدة بما يعظم من المصالح المشتركة بين البلدين، وحتى لا تكون التوقعات أكثر مما تحتمل العلاقة، فلابد لنا أن نعرف نوعية ذلك القادم الجديد إلى الساحة السياسية الأمريكية بعنفوان وحزمة من الأفكار المثيرة. والخطوة الأولى لفهم ترامب هى أن نعرف كيف نجح الرجل فى تجاوز كل النجوم اللوامع من الحزب الجمهورى لكى يكون مرشحا للحزب، ومن بعدهم يقوم بهزيمة واحدة من أهم الشخصيات السياسية وأكثرها خبرة فى الساحة الأمريكية خلال العقود القليلة الماضية. وأكثر من ذلك فإن الرجل لم يفز وحده وإنما حمل معه إلى سفينة القيادة الأمريكية موجة كبيرة من الفوز الجمهورى سواء فى الكونجرس أو بين حكام الولايات.

كيف يمكن تفسير هذا الانقلاب فى السياسة الأمريكية؟ هناك ثلاث حلقات من الحزم التفسيرية: الأولى متعلقة بالحملة الانتخابية، والثانية بتغيرات هيكلية جرت فى الولايات المتحدة، والثالثة تتعلق بالتغيرات فى النظام الكونى، وبالتحديد تأثيرات العولمة. حزمة الانتخابات من التفسيرات التقليدية والتى يمكن أن يكون لها بعض التأثير؛ وكلها تدور حول ما هو معروف بالدورة الانتخابية أو Electoral Cycle، وما حدث ليس بداية دورة جديدة بقدر ما هو نهاية دورة كان نجمها الديمقراطى هو باراك أوباما. وأحيانا فإن مثل هذا يسمى بنظرية «البندول» الذى ما إن يجنح يسارا فإنه لا يلبث أن ينتقل إلى الناحية الأخرى فيجنح يمينا؛ وكان ذلك هو الذى حدث عندما نجح ترامب فى وضع كلينتون فى حزمة واحدة مع باراك أوباما. وبشكل من الأشكال فإن الحملة الانتخابية الديمقراطية دارت حول الدفاع عن أوباما، وإنجازاته، وباختصار فإن هذه الإنجازات لم تكن لترضى أغلبية كافية من الأمريكيين.

وحزمة ثانية من التفسير تدور حول مفهوم «التغيير»، وهو مفهوم حاكم فى كثير من التصرفات الأمريكية، بل أحيانا موقفها من الأحوال فى العالم الخارجى. وقد نجح ترامب فى أن يضع نفسه رسولا للتغيير، وبشكل جذرى أحيانا، فى أمور تخص ما اعتاد عليه الأمريكيون فى السياستين الخارجية والداخلية؛ بينما كانت كلينتون هى رسول الثبات، و«المؤسسة» التى ظلت أفكارها الأساسية كما هى منذ الحرب العالمية الثانية وتحالف الأطلنطى بعدها خلال الحرب الباردة، والاقتصاد الحر المدعم بما هو معروف بالصفقة الجديدة أو The New Deal التى تعطى للحكومة الفيدرالية دورا فى اعتدال الميزان. ترامب طرح من الأفكار ما جاء كالزلازل التى تهز الثوابت كلها من الأعماق، سواء ما تعلق بحلف الأطلنطى، أو الموقف من المهاجرين، أو بناء الحائط مع المكسيك، أو العلاقات مع اليابان والصين، أو التعامل مع المشكلات المزمنة للمدن الأمريكية.

وهناك حزمة ثالثة متعلقة بآليات الانتخابات ذاتها، فلا شك أن نظام المجمع الانتخابى كان أكثر ملاءمة لترامب أكثر منه لكلينتون التى فازت بالفعل بأصوات الناخبين، وبفارق قدره قرابة ٨٠٠ ألف صوت. والثابت أنه مع اقتراب يوم الانتخاب فإن الفارق فى استطلاعات الرأى العام بين كلينتون وترامب كان قد ضاق إلى درجة الوقوع فى هامش الخطأ الممكن والذى لم يزد على ٢ نقطة خاصة فى الولايات المتأرجحة التى حسمت النتيجة فى النهاية وهى بنسلفانيا، وميتشجان، وأوهايو، وويسكونسون، وشمال كارولينا. هذا الفارق لم يكن له أن يصمد خاصة بعد إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالى عن إعادة فتح قضية استخدام كلينتون لسيرفر خاص ببريدها الإلكترونى مع احتمال تهديد ذلك للأمن القومى الأمريكى.

ولكن الولايات المتحدة مثلها مثل غيرها من الدول تتعرض لتغيرات هيكلية تتعلق ببنيتها الديموغرافية الاقتصادية والاجتماعية. وهنا فإن حزمة من التفسيرات تبرز لكى تؤكد أن فوز دونالد ترامب ما هو إلا تعبير عن «ثورة البيض» الذين باتوا يشعرون بتقلص ثقلهم السكانى من ٧٤٪ منذ عشر سنوات إلى ٧٠٪ الآن؛ ومع استمرار الزيادة فى الأمريكيين من أصل أفريقى إلى ١٣٪، ومن أصول لاتينية إلى ١١٪، ومن أصول آسيوية إلى ٤٪؛ كل ذلك أصبح يشكل قاعدة قابلة للزيادة عن طريق الهجرة ويكون مقدمة لتغييرات سياسية وثقافية أيضا. وتلك المتغيرات السياسية كان لها علاقة بالتصويت حيث مالت الأقليات دائما للحزب الديمقراطى؛ أما ثقافيا فقد أوردت ثقافات إما متحررة للغاية تؤيد زواج المثليين، وتعارض المثل البروتستانتينية المتجذرة فى المجتمع الأمريكى؛ أو أنها بالغة المحافظة وتميل إلى العنف والإرهاب كما هو الحال بين المسلمين، أو هكذا يعتقد ترامب وأنصاره.

هذا التفسير عززه تفسير آخر وهو التغير فى البنية الصناعية للولايات الأمريكية، وبينما تغير بعضها إلى اقتصاد الخدمات المالية والقانونية (نيويورك)، واقتصاد المعرفة والمعلومات (كاليفورنيا)، فإن عددا من الولايات ظل على حاله من صناعات تقليدية مرتبطة بالاستخراج للثروات الطبيعية، وتصنيعها مثل الحديد والصلب والألومنيوم وغيرها من الصناعات الثقيلة، وهذه يقع فيها جميعا الولايات المتأرجحة السابق ذكرها جميعا حيث الطبقة العاملة الصناعية البيضاء ويمثلون (٣٤٪) من الناخبين فى الولايات المتحدة.

الاعتقاد الشائع أن ظاهرة «العولمة» هى ظاهرة أمريكية أصيلة، ولكن الحقيقة هى أنه رغم أن الولايات المتحدة ساهمت بشدة فى انتشار العولمة سواء فيما تعلق بالاقتصاد الدولى أو السياسة الدولية أو حتى فى انتقال الثقافات؛ فإن الولايات المتحدة مثلها مثل غيرها تأثرت بالعولمة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وهذه عمقت من التغيرات الهيكلية المذكورة من قبل. هنا فإن العولمة أثرت فى الولايات المتحدة من حيث عجزها عن المنافسة فى ظل اقتصاد عالمى مفتوح مما ترتب عليه انتقال الصناعات من ولايات أمريكية إلى الدول البازغة مثل الصين والهند والمكسيك وغيرهم. وفى العموم فإن البيض من الطبقة العاملة الأمريكية كانت أكثر تضررا من عضوية أمريكا فى منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات المناطق الحرة مثل «نافتا»، والشراكة فى الباسفيك. وسياسيا فإن العولمة أعطت للعديد من الدول فرصة البزوغ، والغنى، والحصول على عناصر للقوة المعرفية، ومن ثم بدأت تبحث لنفسها عن دور فى العلاقات الدولية مثل الصين والهند وجنوب أفريقيا، وفى بعض الأحيان جاء ذلك على حساب الولايات المتحدة. وسياسيا أيضا فإن التبشير الأمريكى بالعولمة، جعلها خاصة فى ظل أوباما أكثر ميلا للتعامل مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وهذه باتت تمثل حكما على أمريكا لم يتعود عليه الناخب الأمريكى. وثقافيا فإن العولمة جلبت من الأفكار العادات والتقاليد ما يهدد البنية الفكرية والقيمة الأمريكية، خاصة بين البيض والعمال منهم تحديدا، سواء ما تعلق بقيمة العمل، أو القيم المتحررة الشائعة فى أمم أخرى، أو تلك المحافظة للغاية عنفا وإرهابا. وفى النهاية فإن العولمة ولدت بطبيعتها عولمة أخرى يمكن تسميتها «بضد العولمة»

وهى التى أخذت تظهر مؤخرا فى كثير من الدول الغربية الصناعية التى لديها ملامح مشابهة لتلك الموجودة فى الولايات المتحدة. وهذه تقوم على العزلة وكراهية المنظمات الدولية العابرة للحدود والدول، كما حدث مع سياسة «البريكسيت» فى المملكة المتحدة، وكما هو موجود لدى كثير من الأحزاب اليمينية والمحافظة فى فرنسا وهولندا والنمسا والمجر وألمانيا واليونان، وكلها تقدم مزيجا من سياسات «العزلة» والتعصب ضد الأجانب، وكراهية المهاجرين؛ والاعتماد على «الشعبوية» والديماجوجية فى نشر دعايتها السياسية، وكل ذلك مصحوب بكم هائل من الغضب. كل ذلك أعطى ترامب ذخيرة لكى يفوز، وأفكارا لكى يحكم؟!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق موت في البيانات الرسمية
التالى معركة الأحمر والأخضر!