أخبار عاجلة
ارتفاع عدد الإسلاميين المعتقلين في ألمانيا -

«مناظرات فى الأقصر».. من «الانسداد» إلى «الانقياد»

«مناظرات فى الأقصر».. من «الانسداد» إلى «الانقياد»
«مناظرات فى الأقصر».. من «الانسداد» إلى «الانقياد»

لا يكاد يمر عام من دون زيارة أقوم بها إلى الأقصر.. تلك البقعة بالذات ليست الأعز أو الأمجد فقط بين بقاع الوطن، ولكنها أيضاً بين الأكثر قدرة على الإلهام.

هى «طيبة»، أو «مدينة الشمس»، حيث يوجد ثلث آثار العالم، وأكبر عدد من مقابر الملوك والملكات، وشواهد لعاصمة دولة قوية، ظلت غالبة لأكثر من تسعة قرون. «طيبة»، التى سماها العرب «الأقصر»، لكثرة عدد القصور بها، هى نفسها المدينة التى ذكرها «هوميروس»، فى النشيد التاسع من الإلياذة، قائلاً: «هناك فى طيبة تلمع أكوام الذهب.. طيبة ذات المائة باب».

كنت فى الأقصر الأسبوع الماضى، مدعواً من المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، وشعبة المحررين الاقتصاديين، للمشاركة فى فعاليات ندوة حملت عنوان «مناظرات خارج البرلمان»، وهى ندوة تم إعدادها بعناية، لتوفير أجواء حوار جدى ومثمر بين نواب يعكسون مواقف سياسية متباينة فى «البرلمان»، وسياسيين ومفكرين وتكنوقراط من خارجه.

على مدى ثلاثة أيام انخرط المشاركون فى نقاشات، سبقتها عروض توضيحية، حول القرارات الاقتصادية الأخيرة، وسبل التعامل مع آثارها، وقانون الاستثمار، والحكم المحلى، ومستقبل الإعلام، وغير هذا من السياسات والتطورات التى ينشغل بها المجتمع ويدرسها «البرلمان». لقد عقدت تلك الندوة فى فندق كبير داخل جزيرة «البياضية» الشهيرة بالأقصر، وتلك الجزيرة تعد إحدى المحميات الطبيعية المصرية، بالنظر إلى ما تتوافر فيها من زهور ونباتات نادرة، وبسبب تلك الطبيعة، وبسبب الموقع الخلاب، وبسبب الفساد فى عهد مبارك، فقد حصل أحد رجال الأعمال البارزين على جزء كبير من أرضها بثمن بخس، وبات مالكاً للفندق، الذى يقع على مساحة عشرات الأفدنة، فى قضية فساد شهيرة تورط فيها رئيس وزراء ونائب رئيس وزراء سابقان. تلك وقائع معلنة، والجميع يعرف أسماء أبطالها، لكن الأسماء لا تمثل شيئاً ذا أهمية فى سياق هذا العرض، وربما الأهم من ذلك أن أشير إلى أن آخر ندوة شاركت فيها فى هذا الفندق بالذات انتهت أعمالها قبل يومين من اندلاع الانتفاضة فى يناير 2011. نعم كنت فى هذا المكان، عشية «ثورة يناير»، وقد التقيت بعض الذين كانوا معى آنذاك فى ندوة «المناظرات»، حيث تبادلنا حديث الذكريات، عن وقائع النقاش الذى جرى قبل خمس سنوات، وعن مآلات ما قلناه وتوقعناه.

ما يمكن أن أتذكره من نقاشات يناير 2011، فى الفندق الفخم «المسروق» بالفساد آنذاك، والواقع فى الجزيرة «المغتصبة»، فى بلد «المائة باب»، أن الرأى العام يغلى، وقطاعات الشباب تبدو محبطة ومعزولة، والفساد يهيمن، ومعدلات الثقة العامة تتهاوى، وأن النظام لا يسمع.

لا أزعم أن أحداً ممن حضر فى يناير 2011، وبينهم مفكرون وسياسيون ومحللون بارعون، قد تنبأ بما جرى لاحقاً، بل على العكس ثمة من توقع حالة من الإحباط والانسحاب والركود بفعل العجز، لكن الأكيد أن الجميع عبر عن «قلق» و«عدم ارتياح» و«مخاوف»، وأن العنوان المهيمن على الرؤية الجمعية للحياة السياسية آنذاك كان «الانسداد». تلك وقائع تغاير ما جرى فى مناظرات «طيبة» 2016، فقد اندلعت الانتفاضة فى 2011، وحدثت التغيرات والتطورات المفاجئة والحادة، وحوكم رجل الأعمال مالك الفندق، ومعه رئيس الوزراء ونائبه، ومازالت القضية تُنظر فى المحاكم.. وبالمناسبة، فإن جلسة قادمة لنظر القضية تحدد لها موعد فى ديسمبر.

لكن مصالحة جرت بين الدولة ورجل الأعمال مالك الفندق، وهى مصالحة يمكن أن تكون نموذجاً لمصالحات أخرى كثيرة تجرى مع رجال ونساء آخرين، كانوا سبباً وجزءاً من الانسداد الذى قاد إلى الانتفاضة.

فى «مناظرات خارج البرلمان» لم يكن هناك اختلاف يعكس التباين المبدئى فى المواقع والمواقف، بل على العكس تماماً، قيلت عبارات حادة، وتم التوصل إلى استخلاصات موجعة، ولم يكن ثمة من يدحض. ومن ذلك، أن «الإدارة الأمنية للسياسة مصيبة»، وأن «ثمة هيمنة كاملة للمكون الأمنى على المكون السياسى فى الحكم»، وأن قانون الجمعيات الأهلية الأخير «مؤامرة على النظام»، و«عمل تخريبى» يضر بسمعة البلد ولا يخدم الأمن والاستقرار.

من بين أهم ما قيل بخصوص القرارات الاقتصادية الأخيرة إنها «أفعال كاشفة وليست أفعالاً منشئة»، أى أنها عبرت عن العرّض وليس عن المرض، وهى وإن «كانت حتمية، فإن السياسات التى قادت إليها لم تكن بالضرورة حتمية، كما أن توقيتات القرارات وطريقة عرضها على الجمهور غير موفقة».

ثمة تحذيرات واضحة من «أنين اجتماعى يتصاعد»، وسقوط الملايين تحت «خط الفقر»، أو بتعبير آخر «تحت خط الكفر»، وأن الحكومة «تدعو إلى التقشف، لكن لا تتوقف عن الفشخرة»، وأن «ثورات الجياع ليس لها مواعيد». كان هناك نقد ذاتى «برلمانى»، فـ«البرلمان» بتشكيله وأدائه الراهن «لم يرض طموح الشارع»، و«إذا عبث الأمن بانتخابات المحليات، وجاءت بشكل مماثل، فسيعود الناس إلى الخمول السياسى.. انتخابات المحليات فرصة أخيرة، والعبث الأمنى بها خطر كبير».

فى «المناظرات خارج البرلمان» تأكيد على خطورة التحولات الدولية والإقليمية، وتشديد على الاستقرار ومساندة الدولة ودور الأمن فى مواجهة الإرهاب ومخاطر الانفلات، ورغبة فى الخروج من «حالة الانقياد»، التى تبدو فيها الحكومة مضطرة دائماً لاتخاذ قرارات «حتمية»، أدت إليها «سياسات لم تكن حتمية». فى تلك المناظرات ثمة توافق على أن الدولة تعمل بلا رؤية ولا سياسات، وأن القرارات والإجراءات الفعالة يجب أن تسبقها رؤية طموح وواقعية فى آن.

من «انسداد» فى 2011 إلى «انقياد» فى 2016، تبدو أمامى الصورة، وأنا أغادر تلك الجزيرة الساحرة، التى كانت مغتصبة بالفساد، ولم تعد بعد التصالح معه.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق رئيس جامعة الزقازيق يهنئ السيسي والأمة الإسلامية بالمولد النبوي
التالى رباط عنق أسود من فضلك