أخبار عاجلة
سويسرا تمدد تجميد أصول مبارك عامًا إضافيًا -

لأ مش أنا اللى أبكى

لأ مش أنا اللى أبكى
لأ مش أنا اللى أبكى

أذكر أننى عندما أصبحت مراهقا، وراحت الهرمونات القلقة تتدفق فى دمى، تلهمنى بالحب واكتشاف الدهشة- وقعت يومها فى غرام المطرب العبقرى «محمد عبدالوهاب». كنت مجرد فتى يحلم بالحب واكتشاف ذلك العالم السحرى الذى لم يفصح عن رموزه بعد. وكانت بضاعتى شحيحة من الذكريات. لكنى كنت أملك نفسا مرهفة تتأثر بأبسط شىء، حتى الهواء العابر يجرحنى. من جملة الأغانى التى أحببتها أغنية «لأ مش أنا اللى بابكى»، التى غناها بصوته الرجولى العريض، الأجش نوعا، والذى يمتلئ بالعزة والكبرياء. ومن أين لى أن أعلم وقتها إن عبدالوهاب يجيد استخدام الطبقات الموسيقية الملائمة للصوت ومعانى الأغنية؟ وأن ذلك كان سلاحه الذى يرفع به من يشاء من المطربين والمطربات ويخسف به من يشاء؟ بل يقولون إنه قضى على منيرة المهدية حين شاركها فى «أوبريت كليوباترا»، فاختار لها طبقة لا تلائم صوتها، واختار لنفسه الطبقة المناسبة التى تبرز محاسن صوته، فبدت جواره كأنها تنشز، ولم تقم لها بعدها قائمة.

■ ■ ■

لم أكن أعرف ذلك كله وقتها. لكننى فتنت بجو الأغنية، أنا ذلك الفتى الحالم الذى لا بضاعة له من قصص الحب والهجر والوصال!

ما زلت أذكر الموسيقى الفخمة التى تمهد لطوفان من الحزن والعتاب. ثم ينطلق صوته العريض الرجولى:

«لأ مش أنا اللى أبكي/ ولا أنا اللى أشكي/ إن جار عليا هواك.

ومش أنا اللى أجري/ وأقول عشان خاطري/ وأنا ليا حق معاك.

تبقى أنت هاجرني/ وأنت اللى ظالمني/ وفاكرنى حاترجاك!

أنا قلتها كلمة/ وكل شيء قسمة/ كل شيء قسمة/ ودى قسمتى وياك.

وكفاية قلبى انشغل؟ على قلب خالى الأمل.

وعايزنى ارجع تانى لا».

■ ■ ■

يا الله! كم فعلت بى هذه الأغنية وقتها، وما زالت تفعل! ويا لصوته الرجولى الذى يمتلئ بالعزة والكبرياء. كان يلوم الحبيبة التى أهملت مشاعره حتى ذوت. فعرفت منه أن زهرة الحب تحتاج إلى سقيا حتى لا تموت.

■ ■ ■

ويرق صوته نوعا وهو يتملى ذكريات الحب، برغم أنه كان يعلن نهايته.

من كم سنة لمَا/ دار الهوى بينَا/ فاكر احنا قلنا إيه؟

مش دى راحة قلبي/ ولا ده أمل حبي/ اللى اتفقنا عليه

■ ■ ■

لم أكن قد جربت بعد عهود الوفاء. لم تكن لدىّ أدنى خبرة بالآمال العريضة التى يبعثها الحب، ولا بالعالم السحرى الذى يستحوذ على قلوب العاشقين. لم أكن أدرك وقتها أن العاشق أسير اللحظة، يعتقد بكل إخلاص أنها ستدوم.

■ ■ ■

لكن اللحظة السماوية لا تدوم، والدليل ما يقوله المطرب العبقرى الآن:

«اشمعنى أنا عهدك/ صنته ورعيت ودك/ والعمر داب حواليه

لكن اللى بيحبك/ مالوش ثمن عندك/ والغالى يرخص ليه».

ثم يمتلئ صوته بالمرارة وهو يقول:

«أنا راح زمانى هدر/ ولا كانش عندك خبر».

لماذا يتغير المحبون؟ سؤال أوقفنى فى مقام الدهشة. وأظننى حتى الآن لا أدرى إجابته. وأعتبره إهانة لإنسانيتنا، لنفخة الروح فينا، أن نحب من أعماق قلوبنا، ثم يأتى يوم نتلاقى فيه كالغرباء.

أتراها القسوة هى التى تغير الإنسان وتباعد بين المحبين؟ ربما كانت الإجابة صحيحة خصوصا أن عبدالوهاب يؤكدها فى المقطع الأخير من الأغنية:

«غيروك/ علموك/ تنسى وتبيع اللى كان

بعته ليه؟/ تنسى ليه؟/ فين حبيبى بتاع زمان؟»

■ ■ ■

ولكن يبقى السؤال الحائر: لماذا يقسو العاشق على من بادله عهود الوفاء؟ وكيف منح أذنيه للآخرين ليغيروا مشاعره؟ ألا يعنى ذلك أنه لم يكن من الأصل حبا بكل تأكيد؟!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق فاروق الفيشاوي: تصوير «قصر العشاق» نهاية ديسمبر
التالى مقتل جندي بحرس الحدود السعودي بانفجار لغم أرضي زرعه الحوثيون بجازان