أخبار عاجلة
مقتل 30 شخصًا جراء انفجار شاحنة صهريج في كينيا -
وضع 10 أشخاص قيد الاحتجاز إثر هجومي إسطنبول -

«المصري اليوم» ترصد من داخل 3 بيوت: «ميزانية الشهر» تغرق في دوامة «أزمة الاقتصاد»

«المصري اليوم» ترصد من داخل 3 بيوت: «ميزانية الشهر» تغرق في دوامة «أزمة الاقتصاد»
«المصري اليوم» ترصد من داخل 3 بيوت: «ميزانية الشهر» تغرق في دوامة «أزمة الاقتصاد»

بتاريخ الثالث من نوفمبر لهذا العام، استيقظ جموع المصريين على قرار فارِق من البنك المركزى المصرى بتحرير سعر الصرف للدولار مُقابل الجنيه، ما بات يعنى تراجُعًا حتميًا في قيمة العُملة المحليّة، مُنذرًا بموجة غلاء جديدة تصدّرها رفع أسعار الوقود، وامتدت لتطول أغلب السلع والخدمات، محدثةً تصدُعًا في بنيان ميزانيّات الأُسر المصرية، التي كانت قد تجرعت على مدار عدّة أشهر تبِعات التأزم الاقتصادى.

في أكتوبر من عام 2015، ووفقًا للموقع الرسمى للبنك الدولى تم رفع حاجز خط الفقر العالمى، في توازى مع ارتفاع التكلفة المعيشية حول العالم، ليصل لحاجز 1.90 دولار يوميًا للشخص الواحِد. وبحساب متوسط سعر الصرف للدولار الأمريكى الواحد بـ17 جنيها مصريا، ليصبح دخل المصريين لدى مستوى خط الفقر العالمى 969 للفرد الواحِد شهريًا، بينما يظلّ عدم ثبات قيمة العملة في السوق المصريّة عاملاً مُهددًا لقطاع كبير من الأسر المصريّة بملامسة خط الفقر العالمى في أي لحظة. كانت صحيفة «تايم» البريطانيّة قد رصدت في تقرير لها في نوفمبر الجارى مدى معاناة أفراد الطبقة المتوسِطة مع التغيُرات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الأزمة الاقتصاديّة، وفقًا لبرنامج دعم أسر الطبقة المتوسطة الذي دشّنه بنك الطعام، وتضمّن من بين أعماله توزيع 100 ألف صندوق سلع غذائية لا يحمِل علامة بنك الطعام على أسر من الطبقة المتوسِطة لتجنُب إثارة حرج تلك الأسر، منذرةً بنزوح موجة من الأسر من رحاب اليُسر إلى الفقر المُعتعفِف الذي يستقبل مُساعدات المؤسسات الخيريّة، في صورة سلع غذائية «غير مُعلّمة» بختم المؤسسة الخيرية.

في هذا التحقيق، «المصرى اليوم» رصدت معاناة الأُسر المصريّة في ظل التأزُم الاقتصادى، وكفاحها في الحفاظ على القدر الأدنى من الحياة المُلائمة لأفرادها في ظل تدهور القدرة الشرائية للجنيه المصرى، فضلاً عن أنماط التكيُف الاقتصادى التي تتبعها الأُسر المُختلفة.

بحلول الواحِدة ظهرًا، كان «إبراهيم»، الموجه أول بوزارة التربية والتعليم، قد أنهى برنامجه اليومى للتفتيش على أساتذة أحد اللُغات الأجنبية بمدارِس منطقة وسَط المدينة. إبراهيم ليس الاسم الذي يتعامَل به الموجه الأول بصفة يوميّة مع المدرسين الذين يضطلع بالتفتيش عليهم، وإنما هو اسم مُستعار تخيّرته «المصرى اليوم» له بِناءً على طلبه. لن يعود إبراهيم مُباشرةً في تلك النقطة من الظهيرة لمنزِله، فعليه التوجُه لمُتابعة سير العمل في متجر بقالة متواضَع يضطلع بإدارته نيابةً عن إخوته، مُستعينًا بما يوفره من دخل إضافى على الظرف الاقتصادى الخانق. في الطريق، عرج إبراهيم على ترزى كلاسيكى خاص وفاءً لموعِد «بروفة» بدلة جديدة، تُعينه في أوقات الصباح على الاحتفاظ بمظهر اجتماعى لائق.

إبراهيم، موظّف خمسينى، ينتظر خلال سنوات معدودة الإحالة للمعاش، وعلى ذلك، يظلّ هو العائل الوحيد لأسرته المكوّنة منه وزوجته وابن وابنة. رغم إشرافه على عقده الثالث من العُمر، إلا أن ابنه تعثر في الحصول على وظيفة تؤمِن مورِد أسرى مساعِد أو بديل. شقيقته كذلك، لاتزال تعتمِد مصروف الوالِد لتلبية احتياجاتها الشخصية، رغم اجتيازها وشقيقها مرحلة التعليم الجامعى. لايزال إبراهيم مضطلع بتنسيق مصروفه المنزِلى كما اعتاد منذ ثلاثين عامًا، إلا أن تغيُر الظرف الاقتصادى، يُحتم عليه إجراءات تقشفيّة من نوع خاص.

من وجهة نظر إبراهيم، تعثُر الميزانيّات المنزلية لأسر الطبقة المتوسِطة، لم يبدأ من أشهُر قليلة، وإنما يؤرخ لبداية الظرف الاقتصادى بعامين سبقا. «اللى كُنا بنعمله مرتين في الأسبوع بقينا بنعمِله مرّة واحدة»، يُلخص إبراهيم استراتيجيّة أسرته العامة للتحايُل على ارتفاع الأسعار، وعدم تناسُب الدخل مع متطلبات المعيشة الأساسية، في حين تضاعفت الالتزامات المادية المُحصَلة من قبل الحكومة على مدى العامين «النور كنت بدفع 40 جنيه بقوا 200 جنيه رغم إنى معنديش تكييفات، والغاز كنت بدفع 12 جنيه بقوا 40 جنيه». إلى جانب مصروفات السكن الأساسيّة، ارتفعت تكلفة الخدمات والسلَع، لتثقل أغلب التفاصيل اليوميّة التي اتسمت ببساطة سابِقة «حتى المكواة كنت بدفع 15 جنيه في الشهر كحد أقصى، دلوقتى بدفع لوحدى 40 جنيه»، في تمثيل من إبراهيم لإحدى الخدمات البسيطة، التي لا غنى عنها.

أمام العاصِفة، تعتمِد الأُسرة نمطا استهلاكيا جديدا شعاره «كُل حاجة بحساب»، ليتحوّل طبق الفاكهة المُنوّع إلى رفاهية يتعذر المصروف عن توفيرها، ليكتفى الأب بشراء نوع واحِد من الفاكهة أسبوعيًا، فيما أصاب البروتين الحيوانى مصيرا مُشابها «ما عادش ينفع لحمة أو فراخ أو سمك كُل يوم». أُسرة إبراهيم ليست الوحيدة بين الأسر المصرية التي تعتمد ترشيد الاستهلاك كآلية للتحايُل على عدم كفاية الدخل لتوفية الاحتياجات، فبحسب إحصاء مرصد الأسرة المصريّة التابع لمجلوس الوزراء، 58.4% من الأسر يقومون بترشيد استهلاكهم في حالة عدم كفاية دخلهم لاحتياجاتهم، جاء ذلك في تقرير معلوماتى منشور على الموقع الرسمى لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بعنوان «الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأسرة المصرية بعد ثورة 25 يناير 2011».

على نحوٍ إدارى يتشارَك وزوجته تحديد بنود ميزانية البيت، فنصف راتِب إبراهيم الذي يُقدَر بأربعة آلاف جنيه مصرى فقط لا غير، يذهب مُباشرة لربة المنزل لتوفير السلع الأساسية، بينما يسكُن النصف الباقى جيبه لأجل مصروف الأولاد، واللبن والخبز الفينو والفاكهة الذين وصفهم إبراهيم بـ«مصاريف رجالى»، فضلاً عن مصروفه الشخصى الذي يموّل جلسات المقهى والمواصلات، فيما يعمَل مصروفه الشخصى كاحتياطى أسرى لتعثُر مصروف البيت لدى طلبات الإعانة من ربة المنزل «بديها اللى هي عايزاه، وأنا بكيّف نفسى».

يستعِد إبراهيم لإغلاق متجره الموروث عن والِده، الذي باتَ يشكل عبئًا ماديًا إضافيا في الأشهر الأخيرة، خاصةً مع أزمات اختفاء السلع المُتكررة ومضايقات التأمينات والصحة والتموين المُكلِفة «المحل ما بقاش بيجيب تلاتين جنيه في اليوم»، لتذبُل وديعة الوالِد التأمينية قبل انتقال عائدها للأحفاد «لو ابنى أو بنتى هيتجوزوا دلوقتى أنا معرفش هجيب منين، وكل اللى جاى على قد اللى رايح».

على غير عادة الآباء، لا ينصرِف الشيخ أحمد إلى عمله في الصباح الباكر، بينما يختلف أفراد الأسرة إلى مشاغلهم التعليمية، ففى ببعض الأحيان يمكُث الأب الأربعينى في المنزل، منشغلاً لبعض أمهات الكُتب والمراجع الفقهية استعدادًا لمناوبة عمله التي تبدأ مع أذان المغرب من كُل يوم. أما في الظهيرة، فيُعين الشيخ أحمد، إمام مسجد شهير وخطيب بالأوقاف، ربّة منزله على شؤونها، فيضطلع بمهام التبضُع، ويعود مُحمّلاً بالزاد اليومى على اختلاف ملامحه.

قد يتخلف الشيخ أحمد عن أداء واجباته المنزليّة في أيام، فهبة حلاوة صوت الخطيب الأربعينى منحته مصدرا آخر للرزق بتلاوة القرآن في المحافِل العامة والخاصة يتحايل به على تواضُع راتبه الحُكومى، الذي يدفعه وأغلب زملائه لاتخاذ وظيفة ثانية. ورغم إجهاز الوظيفتين على مُعظم وقت الشيخ، إلا أن الأولاد لا يُبارحون ذهنه، يبذل قصارى جُهده لتدبير النفقات اللازمة لأولوية أُسرية، هي توفير حد أدنى من التعليم الجيد للأبناء الأربعة.

يقطُن الشيخ أحمد عوض بمنطقة المرج الجديدة، في أسرة قوامها الأب والأم والجدة وأربعة من الأبناء، وتقدِر له الحكومة بوصفه موظفا على الدرجة الأولى بوزارة الأوقاف زهاء 2600 جنيه من الراتب الأساسى والحوافز التحسنية. لم يكُن الدخل الحكومى للشيخ أحمد ليفى بمتطلبات الأبناء الأربعة في غير وجود مصدر آخر للرزق من العمل الحُر يضيف لميزانيته الشهرية في أفضل الأحوال 5 آلاف جنيه، وبخاصة في ظل تمسُك الأسرة بإلحاق الأبناء الأربعة بالتعليم الخاص، الذي يُكلِف الأسرة الشِق الأكبر من ميزانيتها.

يُلاحق لوم الجيرة والعائلة الشيخ أحمد على اختياره المُكلف، حيث تبلُغ مصاريف الابن الواحد 2500 جنيه للعام الدراسى، إلا أن رب الأسرة لديه قناعة غير مشروطة بأولوية التعليم «من غير التعليم الإنسان ما يسواش حاجة»، وبناءً عليه يعمد الأب على تسخير القسم الأكبر من مقدرات الأسرة الشهرية لحساب «جمعية» مخصصة لمصروفات المدارس الخاصة.

وفق التقرير المعلوماتى «ملامح نمط إنفاق الأسرة المصرية» الصادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، فإن الشيخ أحمد حالة من الحالات الشاذة بالنسبة لنمط الإنفاق على التعليم، حيث يعتبر التقرير أن بند الإنفاق على التعليم من بين أقل البنود التي تودع الأسرة المصرية فيها أموالها، بنسبة مئوية لا تتجاوز 3.4% من إجمالى النفقات في مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2008 2008 الذي أعده الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

يضطر الشيخ أحمد أحيانًا، وعلى خلفيّة تردى الأحوال الاقتصاديّة بوجه عام لبضع إجراءات لتخفيض النفقات، تتمثّل في هجر الدرس الخصوصى في حالات الضيق، الأمر الذي يتقبله الصغار فيبذلون مجهودات مضاعفة لاستذكار المواد العلمية بشكل منفرِد. في المواسم الدراسيّة، يعفى المعسكر التعليمى المنصوب بدار الشيخ أحمد من نفقات التنزُه والترفيه بداعى الاستذكار، مخففًا الحمل من على الميزانية المُثقلة. في سياق آخر، يدرِس رب الأسرة جيدًا خياراته الشرائية، ففى حين لا يجد غضاضة في الاستثمار في حاسوب شخصى للأولاد مسخر لأنشطة التعلُم واللهو الصيفى، يقتنص الشيخ عروض السلاسل التجاريّة لتدبير المواد الغذائية بكُلفة أقل، فضلاً عن اعتماده على أسواق موفِرة في معرض تدبير كسوة الأطفال.

هذا العام، وعلى خلفية تضاعُف أسعار ملابس المدارِس، اضطُر ثلاثة من الأبناء اعتماد الزى القديم للعام الجديد، فيما آثرت الأسرة شراء الجديدة للبكرية آية، التي انتقلت لمرحلة دراسية جديدة تستلزم زيًا مخالِفًا، وعلى ذلك، لم يتأفف الصغار لاعتماد الأب والأم استراتيجية تربوية «الأولاد راضيين لأننا معيشينهم معانا، وبنقولهم معلش استحملونا عشان نقدر نعدى بيكم المرحلة دى».

لا يضطلع الشيخ أحمد بمهمة عبور المرحلة الخانقة منفردًا، فتعاونه زوجته بوصفها وزيرة مالية الأسرة، ويقع على عاتقها إدارة مصروف البيت الذي يُقدره الأب بـ1000 جنيه شهرى لحصة المواد الغذائية، فضلاً عن بند مُستقِل لمصروفات السكن كالغاز والكهرباء ومصروفات كسح الصرف الصحى التي يتشاركها مع جيرانه في النطاق الجغرافى، لتتعثّر الميزانية في شهور، وتفيض في أخرى، ليُصبح اللجوء للمدخرات المحفوظة للزمن منقذًا للموقف، إلا أنه حتى في أسوأ الظروف لا يجزع الأب من ضيق الحال «أنا عندى رسالة عاوزة اوصلها، وربنا هيفتحلى الأبواب».

بحُكم عملها في إحدى الجمعيّات الأهليّة المعنيّة بالطفولة، تمتلك سمر بابًا سريًا على شرائح اجتماعية مُتباينة من الطبقة المُتوسِطة، وفى حين تختلف المفردات الاستهلاكيّة لكُل شريحة على حِدة، إلا أنها ترصُد عاملاً مُشتركًا بينها جميعًا، وهو عدم الشعور بالأمن الاقتصادى، يصحبُه صراع يومى للحفاظ على ملامح الطبقة الاجتماعية للأسر، وعدم الانزلاق إلى شرائح أدنى بفعل التأزم الاقتصادى.

تختبِر سمر، فتاة في أواخر العشرينات، حاصِلة على ماجيستير في العلوم السياسية، الشعور ذاته بعدم الأمان. فعلى الرغم من استقرارها الوظيفى، إلا أن الظرف الاقتصادى، فضلاً عن إقبالها على الزواج، تداخلا مُخلفين صعوبة في الإبقاء على مستوى وضعها الاجتماعى المُعتاد، فضلاً عن ملامح تأسيسها لحياتها المُستقبلية، والحد الأدنى من الجودة المقبولة لمعيشتها.

تقدر سمر بمُتوسِط راتِبها الشهرى بأحد عشر ألف جنيه، تفقد منهم تلقائيًا ألفى جنيه نظير قسط التأمينات الاجتماعيّة، يليهم قسم أكبر مقابل قسط منزلها الزوجى المُرتقب، ثم ضرورات منزليّة تتقاسمها وشقيقتها، كفتاتين مستقلتين في المدينة، بينما تدُب جذورهما لعائلة مازالت تقطُن بأقصى الصعيد.

منذ عامٍ واحِد، بدأت سمر تختبر عجز ميزانيتها الشخصية عن توفية بنود أولوياتها، مما اضطرها للجوء لوظيفة إضافية، توفى الاحتياجات المُتبقيّة، إلا أنها اضطرت رغم ذلك إلى خفض معدّل فُرصها للتنزُه الشهرية، ورحلاتها السياحيّة السنوية، بوصفها «رفاهيّات»، على حد تعبيرها، إلى جانب التخلى عن حلم تجديد السيّارة لأجل غير مسمى، على خلفية الزيادة الأخيرة في أسعار السيارات. إعادة النظر في قائمة أولويّات سمر الإنفاقية ليست خيارًا لجأت إليها منفردة، فبحسب تقرير «الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأسرة المصرية»، نسبة 57.1 % من الأسر المصرية تخصص أكثر من نصف ميزانيّتها للطعام والشراب فقط.

تحاول سمر أن تبنى حائط صد أمان أمام التراجُع الحادّ في قيمة العملة، والذى يؤثر بالسلب على قيمة مُدخراتها، لتتحايل على ذلك بدولرة أي فائض من الميزانية أولاً بأول، فضلاً عن نصحها المتواصل للأهل والأصدقاء باتخاذ ذات التدبير لحفظ مدخراتهم «قررت أشيل الجنيه المصرى من تعامُلاتى العقلية».

تجتهد سمر للوفاء بحق الوظيفتين، الأمر الذي يُقلِص من المساحة اليوميّة الحُرة ووقت الفراغ، فضلاً عن الوقت المخصص لتطويرها الذات والأداء المهنى بحضور ورش أو دورات تدريبيّة «أنا خايفة بعد خمس سنين ما يبقاش عندى حاجة أديها لحدّ». في سياق متصل، تقوم سمر بخطوات عمليّة استعدادًا لزفافها، الخطوة التي لم تكُن لتتحق لولا مُساعدات الأهل، ممثلة في تنازل الوالِد عن القسم الأكبر من مدخراته لقاء توفير مقدمة عشها الزوجى «والدى كان موظفا مهما بوزارة الثقافة ورغم كده معاشه الشهرى ألف وميتين جنيه»، الأمر الذي يحملها التزامًا أخلاقيًا تجاه توفير المال في حالات الطوارئ الصحيّة لأحد والديها.

كنتيجة مُترتِبة على عملها اليومى في حقل التنمية المُجتمعية، تستطيع سمر أن تتلمّس بشىء من البصيرة السلوك العام لأعضاء الطبقة الاجتماعيّة التي تنتمى إليها، مُختزلةً حالتها في فعل «صراع البقاء»، حسب تعبيرها بإنجليزية أنيقة، فجراء الضغوط المادية المتواصلة، تتراجع مُفردات المعيشة وأمارات الانتماء لطبقة اجتماعية بعينها مع انتقال حتمى لشريحة أدنى، بينما يتحوّل شغل الأفراد الشاغِل إزاء هذا الصراع الكفاح لأجل إبطاء حلول مصير التدنى لطبقة اجتماعية أقل. تفتقر سمر الأمان المهنى، بحُكم خبرة لم تُعززها مسيرتها المهنية فحسب، وإنما كذا مسيرة والدها المهنيّة التي آلت لدخل تقاعُد ضئيل لا يعِد بحياة كريمة، الأمر الذي يدعوها لانتهاز أقرب فُرصة للهجرة وتدشين مسار مهنى بالخارِج، يعِد بظروف أكثر ربحيّة واستقرارًا «طول الوقت بقيت عاوزة أطلع برة».

الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسى، يُشرّح السلوكيات المصريّة للتكيُف مع الأزمات الاقتصاديّة من منظور علمى، فيعتبر أن «جودة نوعيّة المعيشة» تقف في مُقدمة المتأثرين بالضغط الاقتصادى المُتتالى الذي تُجابهه الأُسر المصريّة. ويُدلل صادق على التأثر المعيشى بتداعيّات ارتفاع أسعار السلع الغذائية، التي تأكل ما يزيد على نصف ميزانية الأسر المصريّة، على حد وصفه، على تدنى جودة نوعية الطعام التي تقدمه الأسرة لأفرادها، فضلاً عن كميّات الطعام، المُنذرة بموجة من التضرر الصحى بسواد «سوء التغذية».

وفى ضوء إحصائية صدّرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار عن التدابير المُختلفة التي تتبناها الأسر في حالة عدم كفاية دخلها احتياجاتها، والتى جاء في مقدمتها «ترشيد الاستهلاك» بنسبة 58%، إضافة للجوء بعض الأسر لمساعدات الأهل بنسبة 23.3%، أو اتخاذ عمل إضافى كمورد جديد لكسب الرزق بنسبة 4.5%، أو تلقى مساعدات أهل الخير بنسبة 3.3%، يوضح صادق الدلالات الاجتماعية لهذه التدابير ومدى انتشارها، فيعتبر أن الاعتماد على دعم الأهل المادى للأُسر الناشئة عامِلا مُهددا لاستقلالية هذه الأُسر من المُتزوجين حديثًا، فضلا عن وشايته بتلاشى ما يُعرف بـعصر «الذكورية الأبويّة»، خاصةً في حالات اعتماد الأُسرة على المُساعدات القادِمة من أهل الزوجة.

بينما يعتبر صادق الطبقة المتوسِطة طبقة غير مُرشحة للتلاشى، فإنه لا ينفى تعرض أفرادها لموجات عنيفة من المُعاناة، تضطر أغلَب عوائل الأسر للاعتماد على أكثر من وظيفة لتوفير الدخل المُناسب، وعلى ذلك، فبتردى الأوضاع الاقتصاديّة، تُدفع الأسر إلى مناخ مهنى أكثر ضغطًا. وفى حين تتميّز الطبقة المتوسّطة بالميل إلى الاستثمار في التعليم، يعتبر صادق أن تظاهُرات طُلاب الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة مؤخرًا على خلفيّة ارتفاع قيمة الدولار، والتى تصدّرتها لافتات الطُلاب أن «أهلى مش حرامية»، تشير لتحوُل مُجتمعى خطير، ينبئ بتبُدل أولويّات الأُسر، واحتماليّة عدولها عن تبنى الاتجاه الداعم لجودة التعليم، وبالتالى توقّف الطبقة المتوسِطة عن مدّ المُجتمع بمهنييه وأكاديمييه.

أما عن العُملة المحليّة، وصورتها الذهنيّة لدى الجماهير، فيستبعِد صادِق فقدان المواطنين الثقة تمامًا في العُملة المحليّة باللجوء لدولرة المدّخرات، فيما يرجّح تفسير ركون المواطنين لحسابات أكثر واقعيّة ومنطقيّة، عن طريق مُقارنة الأوضاع الاقتصاديّة الحاليّة، بالأوضاع الاقتصاديّة قبل عام 2010، ليصل المواطِن لنتيجة مفادها شِبه استحالة انفراج التأزُم الاقتصادى، وبالتالى تبنيه لاستراتيجيّات حماية لمُدخراته، حتى ولو في غير صالح العُملة الوطنيّة.

أرقام من ميزانيّة الأسرة المصريّة

• 57.6 %

من الأسر المصرية لا يكفى دخلها احتياجاتها.

58.4%

من الأسر يقومون بترشيد استهلاكهم في حالة عدم كفاية دخلهم احتياجاتهم.

57.1%

من الأسر يتجه أكثر من نصف إنفاقها إلى الطعام والشراب.

1265

جنيها متوسط الإنفاق الشهرى للأسرة المصرية.

80.3%

من الأسر في مصر تمتلك بطاقات تموينيّة.

1345

جنيهًا متوسط إنفاق الأسر سنويًا على التعليم 32.7% منها يُنفق على الدروس الخصوصية.

■ المصدر: تقارير معلوماتية لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أبو بكر الجندي: لابد أن يعي الشعب مشكلة الزيادة السكانية
التالى 5 فوائد صحية لتناول خليط العسل والقرفة يوميا