أخبار عاجلة

نحن والقمر

نحن والقمر
نحن والقمر

أعجبتنى هذه الأبيات التى تقطر حكمة، للمرحوم- بإذن الله- الأستاذ خالد داد أغا من حلب الشهباء.

«يطلع البدر علينا مرة من بعد مرة

فيرانا فى اكتئاب ويرانا فى مسرة

بيد أن البدر يوما حين يبدو لن يرانا

سوف نغدو حين يبدو خلف آفاق المجرة».

■ ■ ■

لا أريد أن أخدش روعة الأبيات بشرحها. لكن العمود يتابعه قراء متباينو الفهم والتذوق. لذلك أقول إننى بحاجة إلى مقالة كاملة كى أشرح المعانى الكبيرة الكائنة فى تلك الأبيات الصغيرة. إنها لحظة التأمل فى مرحلة النضوج، التى يمر بها كل إنسان فى ختام رحلة العمر، يحاول فهم هذا الكون المنتصب أمامه كلغز عصى على التفسير. والعلاقة الغرائبية بين ثبات عناصر الطبيعة وتحولات الإنسان. فها هو ذا القمر، الذى يستدير بدرا مرة كل شهر، فيرنو من الأعالى لأحوال البشر، يراقبهم، يحبهم، يرثى لهم، يعجب من أحوالهم المختلفة شهرا بعد شهرا وعاما بعد عام. يعرفنا بأسمائنا. يعرفنا بملامحنا. يعرفنا بلمعة عيوننا والحزن الكامن فى الأحداق. يعرفنا بمشاعرنا التى تتغير. برغم أننا نقسم أننا لا نتغير. نظن فى أنفسنا أننا شخصيات كاملة. وأن مشاعرنا أوفت التمام ويستحيل أن تنقص أو تتبدل. لكن القمر يعلم أن عاشق الأمس هو هاجر اليوم. وأن سعيد اليوم هو تعيس الغد.

المشكلة أن القمر هو نفسه يتغير. من المحاق إلى البدر إلى الهلال إلى المحاق فى رحلة لا تنتهى. شكسبير، ذلك الأديب العبقرى الذى خلدته الأجيال، فطن إلى هذا المعنى العميق منذ خمسة قرون. فى مسرحية «روميو وجوليت» يتقدم العاشق قائلا لحبيبته: «أحبك. وأقسم على ذلك بالقمر». فهل فرحت جوليت بهذا القسم الرومانسى الأنيق! أى فتاة فى مكانها كانت تشعر بالزهو! القمر، الطبق الفضى المستدير، الذى لا يهرم ولا يكبر. القمر، رفيق العشاق الدائم فى ليلهم الطويل. القمر يرسل خيوط نور كل مساء، يتزحلق عليها حوريات السماء المكللات بالنور إلى العشاق الذين هجروا النوم وأداموا التحديق إلى السماء، منتظرين هدايا القمر.

جوليت لم تعبأ بهذا كله. لقد فطنت إلى الشرك الكامن خلف القسم الأنيق الرومانسى. قالت على الفور: «لا تقسم بالقمر فإنه يتغير». فيا لها من كلمة حكيمة لا تنخدع بالمظاهر. هى مثل كل أنثى تروم الحب الهادئ المستقر الذى لا يفتر ولا يتغير. تريد الأمان والتعود وديمومة المشاعر. والقمر لا يحقق أحلام الحب التى نسجتها من الدانتيلا.

■ ■ ■

يتحير العاشق المندفع من رد جوليت القاطع المدعم بالأدلة. يسألها فى حيرة: «فبماذا أقسم إذاً؟». فتقول جوليت على الفور: «اقسم بنفسك أيها النبيل».

لا عجب أن تسرى هذه الحرارة المدهشة فى مسرحيات شكسبير فتتحدى الزمن.

■ ■ ■

«يطلع البدر علينا مرة من بعد مرة

فيرانا فى اكتئاب ويرانا فى مسرة».

أيها البدر البعيد الذى يراقبنا. شاهدت آدم عليه السلام وهو يخرج باكيا نادما من الجنة. وشاهدت حواء تلزم الصمت الحزين. وشاهدت الأجيال المتعاقبة من بنى البشر وهى تخطو خطواتها الأولى على الأرض! فمنذ عهد الغابة حيث تجود بالثمار والخطر. إلى مكافحة الطبيعة وتجفيف المستنقعات بحثا عن المقر، إلى اكتشاف النار والزراعة. ومنها إلى الشعر والفن، ثم الصناعة. وجوه تصغر وتكبر. وتأتى وترحل. وأنت صديق الجميع تراقبهم فى صمت.

■ ■ ■

ثم تأتى النهاية المحتومة. حينما يبزغ القمر ذات يوم فلا يرانا، فيفهم أننا لحقنا بالأجداد:

«بيد أن البدر يوما حين يبدو لن يرانا

سوف نغدو حين يبدو خلف آفاق المجرة».

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق «خطورة التسرب من التعليم» في حلقة نقاشية بمركز النيل للإعلام بالإسكندرية
التالى رباط عنق أسود من فضلك