أخبار عاجلة
وزير النقل: 700 مليون جنيه استثمارات الطرق -

نصرى الصايغ يكتب: كاسترو.. الديكتاتور الجميل

نصرى الصايغ يكتب: كاسترو.. الديكتاتور الجميل
نصرى الصايغ يكتب: كاسترو.. الديكتاتور الجميل

نقلاً عن جريدة «السفير» اللبنانية

مائة ساعة مع فيدل كاسترو، روت سيرة قائد وشعب بصوتين اثنين. حدث ذلك منذ عشرة أعوام. لقاء رئيس تحرير «لوموند ديبلوماتيك» آنذاك إيناسيو رامونيه بالزعيم الكوبى، انتهت بكتاب من 700 صفحة. كاسترو وإيناسيو صوتان يقولان ويسجلان المسيرة منذ بداياتها بتحدياتها وجسامتها: الانتصارات الصعبة، فى لحظة انفجار كونية كان فيها العالم على وشك حرب نووية، بين العملاقين الأمريكى والسوفيتى، بسبب كوبا، إحدى أصغر الدول التى قالت لا لأمريكا، وهى على مرمى قذيفة من حدودها.

ماذا قال كاسترو؟، أكتفى بالنهاية فقط. الثورة التى انتصرت حرَّرت كوبا. يستحيل أن تعود مستعمرة أمريكية.

يستحق كاسترو أن يُفرد له مكان شاسع فى التاريخ. هذا حق اكتسبه من دون توصية من أحد، ومن دون اقتحام من فوق. هو تاريخ بطريقة مختلفة. يكفيه أنه ظل صامداً فى فم التنين، لأكثر من ستين عاماً. تعب التنين ولم يتراجع كاسترو. ظلت كوبا عصية على أمريكا. قاومت غزوها مراراً. قاومت حصارها نصف قرن. قاومت عصابات «الكوبيين المتأمركين» المدعومين من أجهزة المخابرات ومسيَّرة منها. يقال: لا أحد يستطيع إحصاء محاولات الاغتيال التى نجا منها. هى 600 محاولة. بل هى ألف. بل قيل أيضاً إنها ما يقارب 2600 محاولة.. أبرز ما أنجزه فى أزمة الصواريخ السوفيتية أنه منع الولايات المتحدة من غزو كوبا مقابل تفكيك الصواريخ السوفيتية وإعادتها من حيث أتت. الجزيرة الصغيرة كانت كبيرة جداً. هذا ما صنعه كاسترو والرفاق.

خاب كنيدى. صفّق خروتشوف. فيما مضى كاسترو ورفاقه لبناء شعب قادر أن يصد أى عدوان. «كل السلاح لكل الشعب». نظرة واحدة إلى الخريطة تبرز صمود كوبا وسط المخاطر.

بعض سيرته موقّع ببنادق الثورة، بالخطب المطوَّلة، بصداقة تشى جيفارا. هذا الذى مارس الثورة مثل كتابة الشعر. أجمل القصائد هى جيفارا. «الحالم بعالم حقيقى لإنسان يستحق أن يتطلع إلى الشمس، ويرمق الدنيا بملء قلبه».

لم يكن موسكوبيًّا، برغم يساريته وشيوعيته. لا يشبهه أحد من قادة العالم. إنه مزمن وحقيقى ودائم.. جاء النضال من وجع المظلومين وقهر المضطهدين وجوع الكادحين وكرامة المهانين. لم يولد من كتاب أو من عقيدة. هذه جاءت إبان النضال وبعده. من عائلة ميسورة الحال كان. صفق الباب خلفه ومضى لمواجهة البؤس، بثورة البؤساء. انتمى إلى شعب يعمل ولا يأكل، يتعب ولا يرتاح، بقاؤه حيَّا فى مثل ظروف الاستعباد عقوبة. الموت أكثر إشفاقاً على أناس عراة متروكين طعاماً للمرض والإهمال والتمييز. باتيستا كان يجمع الثروة. مع حفنة من مصاصى الدماء، ويوزعها على قراصنة السياسة فى واشنطن. ينعتهم الكاتب السويسرى جان زيجلر بالمتوحشين أو المفترسين.

انتمى كاسترو لغير طبقته. قال: زمن الاستغلال والاستعباد انتهى. امتشق السلاح ليسقط الطاغوت المحلى المرتبط بالطاغوت العالمى. كان العالم مظلماً جداً. ثورة كاسترو وجيفارا أضاءت القارة اللاتينية. انتقلت العدوى إلى الحديقة الخلفية للبيت الأبيض. خافت أنظمة. اندفعت واشنطن بأنيابها للدفاع عن حصتها الكبرى فى القارة اللاتينية اليتيمة. أفضل خيارات أمريكا، عسكر وإقطاع وأصحاب أموال. هؤلاء هم الحكام فى «المدن الأمريكية الفاضلة» التى تدر لبناً وعسلاً وطاعة.

فى كتاب رامونيه سؤال ختامى: «البعض يتساءل عما إذا كان المسار الثورى فى كوبا مهدّداً بالاندثار».

جواب كاسترو مقلق: «لقد طرحت هذا السؤال على نفسى مراراً. اسمع جوابى (يا رامونيه) الأمريكيون لا يستطيعون تدمير المسار الثورى فى كوبا، لأن شعبنا كله سيحمل السلاح. وبرغم كل أخطائنا المستوى الثقافى للشعب الكوبى هو بحيث لا يترك أبداً أى فسحة ليعود هذا البلد مستعمرة أمريكية. ولكن، هل تستطيع هذه الثورة (الكوبية) أن تدمر ذاتها؟. نعم. نحن نستطيع أن ندمرها. وهذا الخطأ سيكون خطأنا. هذا ما سيحصل إذا لم نصحح أخطاءنا، وإذا لم نوقف المثالب التى هى بحجم كبير».

هذا القائد الفذ كان ديكتاتوراً جميلاً. الديكتاتوريون الآخرون فى غاية البشاعة. يحاكمون كوبا عبر مقارنتها بدول تقدمت اجتماعياً وعلمياً وتقنياً. صحيح ذلك. ولكنه يخفى آفات ما تعرضت له مجتمعات متقدمة جداً ومُمَكننة حديثاً ومطابقة للمعايير الدولية الرسمية. ليس صحيحاً أبداً أن تقوم المقارنة على ذلك. العولمة طردت من طريقها شرائح ازدادت فقراً. الثروات المليارية تزداد، وعدد الفقراء والمعوزين بالمليارات أيضاً. هذا تقدم متوحش. الإنسان فيه أخير.

فى كوبا، المسألة تختلف، برغم فداحة الافتقار إلى الحرية. يبدو كأن الحرية والعدالة الاجتماعية لا تلتقيان. فحيث تسود الحرية يستفيد الرأسمال منها. ماذا تفيد العبد حريته إذا كان جائعاً؟. سيضطر إلى بيع حريته والقبول بقيود العمل المجحفة والقاتلة.

اليوم يتغير العالم عن جد. هناك عصر مضى. عصر من العظماء الخالدين: جف العالم عندما مات مانديلا. تغيّرت فيتنام بعد «هو شى منه». أظلمت أمريكا اللاتينية بعد استشهاد جيفارا. تيتمت شعوب بعد موت الأم تيريزا. انحذفت أمة بعد موت عبدالناصر. ضاعت قضية بعد عرفات وحبش. كل هؤلاء حركهم الإحساس بالظلم. كلهم سمعوا: «ارفع رأسك يا أخى». فارتفع المارد وأطاح استعماراً واستبداداً من سيحكم العالم غداً؟.

لا أسماء علم. شركات عملاقة بحواسيب نقالة. مصارف عابرة للقارات. دولار يقتات من دم العملات المحلية. مؤسسات ذات إمرة دولية.. مداميك السلطة غداً، أرقام بلا أسماء ولا شعوب. إنه عالم فى غاية البشاعة.

فى مثل هذا اليوم، يطيب لنا أن نتذكر الأحلام ومهم جداً أن نستعيدها. قد لا يكون جيفارا الأخير. قد لا يكون كاسترو قد مضى. قد لا يكون ناصر قد انتهى.. العالم اليوم ماضٍ إلى مصائر جديدة بشعة. ترامب فى أمريكا. اليمين المتطرف فى كل مكان، الحروب الدينية عندنا.

يستحيل أن يستمر ذلك. علينا أن نعقد صفقة مع الأحلام.

فهى يقظة الغد.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق وفاء سالمان وكيلاً لشؤون البيئة بكلية التجارة في جامعة الزقازيق
التالى رباط عنق أسود من فضلك