أخبار عاجلة
شروط القاهرة والرياض تؤجل انهاء الخلافات -
إزالة 279 منزلاً وتعويض أصحابها برأس غارب -

الإدارة العلمية للسياسات العامة وجذب الاستثمار: دروس للاستفادة

الإدارة العلمية للسياسات العامة وجذب الاستثمار: دروس للاستفادة
الإدارة العلمية للسياسات العامة وجذب الاستثمار: دروس للاستفادة

كتب: احمد شهاب الدين

أن ينصب تركيز الإعلام والرأى العام على المسائل الآنية هو أمر قد يبدو منطقياً إذا ما تم دون مبالغة أو تهوين، إلا أن السعى نحو إحداث طفرة فى مستويات التنمية وتحقيق معدلات نمو يتطلب- ضمن أمور عديدة- التدقيق فى العلاقات المتبادلة بين مجالات السياسة العامة وارتباطها بقرارات الاقتصاد والتجارة والاستثمار، فقد بات تقييم تلك العلاقات المتبادلة وأثرها فى رسم صورة للدولة على المستويين الاقتصادى والاجتماعى والسياسى أيضاً من الأمور الأكثر إلحاحاً، خاصة عند قيام إدارة حكومية أياً كانت مرتبتها باتخاذ قرار يبدو فى ظاهره متناغماً مع المشاعر الوطنية وأهداف الدولة، إلا أن مضمونه قد ينطوى على مشكلات قانونية وفنية يكون من شأنها إحداث أثر عكسى.

وتتعدد الأمثلة وتتنوع، فمن إجراء ترويجى فى مجال التجارة ينطوى على إخلال محتمل بالتزام دولى، إلى إجراءات من شأنها إثارة منازعات تجارية واستثمارية، إلى مسائل من الممكن تفاديها لو تصدى لها متخصصون بحق وبمنهج علمى سليم، فهناك من الأحداث فى العالم ما هو جدير بالمتابعة والتحليل للتعرف على آثاره على إدارة السياسة العامة بمختلف جوانبها، والاستفادة بها فى المستقبل.

على مدار أكثر من ثلاثة أعوام انشغلت وسائل إعلام ودوريات متخصصة بتحليل نزاع شركة فيليب موريس (هونج كونج) مع أستراليا، وكذلك نزاع فيليب موريس (سويسرا) مع أوروجواى. ربما لا يستوقف ذلك متابعى الشأن العام فى مصر، وإن كان منتظراً من المتخصصين ذلك، وذلك لما فى النزاعين وما تمخضت عنه وسائل تسويتهما من دروس مستفادة فى مجال إدارة أولويات الدولة وقراراتها.

1- ففى حالة أستراليا، ودون الخوض فى تفاصيل فنية معقدة، قررت الحكومة عام 2011 أن تصدر قانوناً تُجبر بمقتضاه الشركات المنتجة للسجائر على شكل موحد لتغليف العبوات، اعتباراً من عام 2012، وذلك فى إطار سياسة عامة تهدف إلى تقليص أعداد المدخنين وتنفيرهم من التدخين، للحصول على مجتمع أفراده أصحاء بدنياً. وكرد فعل منطقى، اعتبرت شركة التبغ أن هذا الإجراء إخلال بحقوقها المترتبة على التزامات أستراليا الدولية، سواء ما يتعلق بالتجارة وحماية العلامات التجارية أو ما يتصل بأحكام اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار المبرمة بين أستراليا وهونج كونج. وقد اتخذ النزاع مسارات متعددة للتقاضى (المحكمة العليا بأستراليا- تحكيم دولى- منازعة بمنظمة التجارة العالمية حرَّكتها عدة دول ضد أستراليا).

ربما يرى البعض أن النزاع قد حُسم بحكم هيئة التحكيم بعدم اختصاصها بناء على اعتبار زمنى Temporal حيث قبلت دفع أستراليا بأن هناك محاولة لإساءة استخدام الإجراءات، فى ضوء أن شركة فيليب موريس (هونج كونج) قد استحوذت على حصة فى شركة فيليب موريس (أستراليا) «بعد نشوب النزاع»، ولغرض إخضاع النزاع لأحكام اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار الموقعة بين أستراليا وهونج كونج عام 1993. إلا أنه فى المقابل، وبناء على مضمون القرار، لو أن للمدعى تلك الحصة «قبل نشوب النزاع» فإنه كان من المرجح أن ترفض هيئة التحكيم مثل هذا الدفع.

2- أما فى نزاع فيليب موريس وأوروجواى، فإن أهم النتائج القانونية لتحكيم الاستثمار قد تكون الاتجاه غير النمطى، حيث قُبلت دعاوى مضادة counter claims من جانب أوروجواى، وأقرت- بناء عليها- هيئة التحكيم بأحقية أوروجواى فى تعويضات مالية، وذلك على الرغم من أن نفس الهيئة قد رفضت دفع المدعى عليه (أوروجواى) بعدم الاختصاص، وأقرت بالتالى باختصاصها. ومن ثَمَّ، فالقراءة المتأنية لهذه القضية تحديداً توفر فرصا جيدة لواضعى السياسات والمشرعين ورجال القانون للاستفادة منها عند التصدى لموضوعات تتعلق بالاستثمار والتجارة وعلاقتها بجوانب من السياسات العامة كالصحة والبيئة.

يطرح المثالان السابقان نموذجاً حياً لتفاعل العديد من الأبعاد عند اتخاذ السلطة التنفيذية قراراً أو القيام بإجراء أو اقتراح تشريعات، فكل من الدولتين استندت على دراسات لتحقيق أهداف رفع مستوى الصحة، وهو ما تراه شركات التبغ افتئاتاً على حقوقها ويحرمها من التمتع بمزايا تنافسية. أما بالنسبة للقواعد القانونية، التى كانت أساساً لموقف الدولتين، وكذا شركات التبغ، فقد تنوعت ما بين الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ فى إطار منظمة الصحة العالمية، واتفاقية الأوجه التجارية للمِلكية الفكرية فى إطار منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار الموقعة، وتفاعلاتها مع مبدأ سيادة الدولة وسلطتها فى اتخاذ إجراءات تعتقد أنها تحقق مصلحة أو غرضا عاما.

مما سبق، يبقى أهم الدروس المستفادة هو كيفية صنع القرارات والدفاع عنها، والأخذ فى الاعتبار أن للمستثمر حقوقاً ومصالح لابد ألا يتم الاعتداء عليها دون سند قانونى وأساس سليم وواضح، لأن للأخير دوماً حقاً فى إبداء وجهة نظره، بل التقاضى للحفاظ على ما يعتقد أنها حقوقه بكافة الوسائل القانونية بحسب الأحوال.

فى النهاية، قد يتعين التنويه بأنه أصبح لزاماً على الدول الراغبة فى استقدام استثمارات أجنبية أن تعمل جاهدة على أن تكون سياساتها وقراراتها وتشريعاتها على مستوى من الإتقان والحرفية لمراعاة- قدر الإمكان- مصالح المستهدفين بها ومَن قد يصيبهم ضرر ما، مع عدم إغفال ضرورة رفع الوعى العام، وتحديث مناهج التعليم بجامعاتها ومعاهدها، فالمستقبل قد يحمل متغيرات على مستوى التنظيم الدولى، والإشارات متعددة، خاصة بعد إعلان المؤتمر الوزارى لمنظمة التجارة العالمية فى نيروبى 2015 أن مستقبل النظام التجارى متعدد الأطراف قد يتشكل بمفاوضات بشأن مسائل الاستثمار والبيئة والاقتصاد الرقمى.

* ماجستير قانون الأعمال الدولى- جامعة لايدن بهولندا

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق قراءة في رواية «رحلة الدم.. القتلة الأوائل» لإبراهيم عيسى (4- 4)
التالى «طاهر» يتفقد مشروعات الصرف الصحي المعالج ثلاثيًا للإسماعيلية الجديدة