أخبار عاجلة

الأمة بين الوحدة والتعدد

الأمة بين الوحدة والتعدد
الأمة بين الوحدة والتعدد

الوحدة والتعدد ليسا مقولتين فلسفيتين مجردتين، بل هما تنظير لعديد من المستويات الدينية والفلسفية والنفسية والاجتماعية. فالله واحد والكون متعدد. الخالق واحد والمخلوقات متعددة. الإيمان واحد ومضمونه متعدد. والنبوة واحدة والأنبياء متعددون. والوحى واحد ومراحله متعددة. وفى الفلسفة الحقيقة واحدة ورؤيتها وتجلياتها متعددة. والواحد واحد وتكراره فى الحساب متعدد. والحرف واحد وتكراره فى اللفظ متعدد. والكلمة واحدة وتكرارها متعدد فى الخطاب. وفى علم النفس الوعى الإنسانى واحد ومظاهره متعددة فى وحدة القول والعمل والفكر والوجدان وإلا وقع الإنسان فى النفاق. يقول ما لا يفعل. ويفعل ما لا يقول. ويفكر فى شىء لا يشعر به. ويشعر بشىء لا يفكر فيه. وفى علم الاجتماع الأسرة واحدة بالرغم من تعدد أعضائها: الأب، والأم، والأولاد، ذكورا وإناثا، والأقارب. والمجتمع واحد بلا أغنياء وفقراء، وحكام ومحكومين، وأحرار وعبيد، ومستكبرين ومستضعفين. والأمة واحدة بالرغم من تعدد أقوامها ولغاتها وطوائفها. فالوحدة على مستويات وحدة الفرد، ووحدة الأسرة، ووحدة المجتمع، ووحدة الأمة.

وفى السياسة، الوحدة على ثلاثة مستويات: الأول، الوحدة القطرية. فكل قطر واحد مستقل عن الأقطار الأخرى المجاورة بالرغم من وحدة اللغة والثقافة، وبالرغم من الحدود المصطنعة، والمصالح المشتركة، والتكامل بينها فى العلم والسواعد والطاقة والزراعة والصناعة والدفاع. والثانى، المستوى القومى وهو العروبة. وقد كانت رد فعل على الدولة العثمانية التى ضحت بالتعدد فى سبيل الوحدة فى وقت كان الأعداء والدول الكبرى الغربية تريد تفتيت «الرجل المريض» ووراثته بعد القضاء عليه. فاضطهدت الأرمن والأكراد والتركمان والعرب. فتعددت الأمة دون وحدة. وتركتها أقواما وطوائف تتقاتل فيما بينها حتى الآن. فإذا كان العثمانيون قد ركزوا على الوحدة دون التعدد فإن الأقوام الناتجة عن سقوط دولتهم ركزوا على التعدد دون الوحدة. والثالث، الوحدة الإسلامية من جديد فى نظام الخلافة الذى عاد إلى النظام العثمانى مركزا على الوحدة الإسلامية دون التعدد. فاعتبرت القطرية والعروبة كفرا يجب محاربته حتى قبل أن تحارب إسرائيل وتحرر فلسطين وكما يحدث الآن.

والجمع بين الوحدة والتعدد فى النظم السياسية هو النظام الفيدرالى الذى يجمع بين وحدة المركز وتعدد الولايات. وهو النظام الذى حافظ على كيان عدة دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية نظرا لاتساعها، وإنجلترا، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا. وقد تطور هذا النظام إلى نظام الاتحادات مثل الاتحاد الأوروبى الذى يقوم على إلغاء الحدود بين أقطاره وحرية الحركة والتبادل التجارى، والاتحاد السوفيتى مع احتفاظ كل دولة بسلطتها المركزية فى الخارجية والدفاع وإن أمكن التنسيق بينها.

وهو نظام ليس غريبا عن الثقافة الإسلامية كما هو معروف فى «ميثاق المدينة» الذى أمر الرسول بكتابته. وهو يعترف بكل قوم. فالمسلمون أمة. والنصارى أمة. واليهود أمة. والمجوس أمة. وكلها متساوية فى الحقوق والواجبات. والإسلام هو الرابط بينها فى الأمة الواحدة التى هى انعكاس لله على الأرض «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون». وقد كان قبل الإسلام نموذج التعدد دون الوحدة، تعدد القبائل دون الوحدة بينها. وهو ما رُوى عن الواقعة الشهيرة التى كادت القبائل العربية تقع الحرب بينها حول من ينال شرف إعادة الحجر الأسود مكانه بعد غسيل الكعبة. لولا أن دخل «الصادق الأمين» ففرش عباءته، وطالب كل قبيلة بإمساك طرف منها ثم أخذها هو ووضع الحجر الأسود مكانه. وهو نظام الخلافة ومركزها فى المدينة ثم دمشق ثم بغداد ثم استانبول. وضعفت الخلافة فى بغداد أيام العباسيين فبدأت الأمصار فى الاستقلال وأولها مصر للإخشيديين والطولونيين والأيوبيين والفاطميين.

لقد جربنا فى تاريخنا المعاصر النظام القطرى «مصر أولا»، «الأردن أولا»، «الكويت أولا». فكانت النتيجة أن القطر لم يستطع أن يقوم بنفسه. فالعدوان عليه سهل مثل العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا. واقتصاد كل منها متعثر خاصة مصر، وليبيا. أما السياسة فكما أن القطر نتيجة لتفتيت الدولة العثمانية فى الماضى فهى الآن تتفتت فى الحاضر. فالصغير يصبح أكثر صغرا. تفتت العراق إلى ثلاث دويلات: شيعية فى الجنوب، وسنية فى الوسط، وكردية فى الشمال. وتتفتت الآن سوريا مثل العراق بين سنة وشيعة وعلوية وأكراد. وتتفتت اليمن إلى سنة وشيعة، زيدية وشوافع، وليبيا إلى عدة قبائل متناحرة. والخوف على مصر من انفصال سيناء عن الوادى كما حدث فى 11/11، والنوبة تتحرك بعد ضعف الشمال، والسودان بعد انفصال الجنوب عن الشمال، يتفتت الجنوب الآن شمالا وجنوبا، والسودان شرقا، كردفان ودارفور، غربا. فالتعدد يصل إلى مداه بحيث تنتهى الوحدة.

وجربنا فى حياتنا المعاصرة الوحدة بلا تعدد فى عصر القومية العربية فى الستينيات ابتداء من الجمهورية العربية المتحدة 1958-1961 وإسقاط اسمى مصر وسوريا، الأسماء القطرية، فى سبيل القومية العربية. وكانت النتيجة التآمر على الوحدة، والعودة إلى الانفصال. ثم الوحدة بين مصر وسوريا والعراق، ثم مصر وسوريا والعراق واليمن، ثم مصر وليبيا على الورق أيضا. وكانت النظم الجديدة مركزية مثل مصر. وكانت المركزية تعنى الاستبداد. وهناك الجامعة العربية التى تحاول الجمع بين الوحدة والتعدد ولكنها وحدة شكلية وتعدد فعلى. فهى عاجزة عن إيقاف الحروب العرقية والطائفية والقبلية بين الأقطار، اتحادات وروابط وجمعيات. وهذه الإخفاقات كلها طرحت البديل الثالث وهو الخلافة الإسلامية فى شكل جماعات إسلامية «تكفيرية» مثل «داعش» كمستقبل للأمة بديلا عن القطرية والقومية. تقطع الرؤوس للمخالفين، تدمر وتغتال. وجرب الناس الحكم الإسلامى فى إيران وأفغانستان وباكستان وتركيا أيام أربكان والجزائر أيام جبهة الإنقاذ ومصر إلا أنهم لم يكونوا سعداء. فكانت النتجية أن انقلبت عليهم الجيوش مساندة للشعب. وأصبحت ذكرى الحكم الإسلامى غير سارة. مازالت تعتمد على كتب الفقه القديمة التى بها فصول عن عقاب المرتدين الكفرة، وأحكام الصلب والرجم والجلد وقطع اليد والسبايا والرق ونكاح الجهاد وإرضاع الكبير ونكاح الوداع للزوجة المتوفاة والجزية لغير المسلمين مما دفعهم إلى مغادرة العراق.

إن البديل عن هذه الخيارات الثلاثة التى جربناها، الخيار القطرى، والخيار القومى، والخيار الإسلامى- هو النظام الفيدرالى الذى يجمع بين الوحدة والتعدد. لا يحتاج إلى قوة عسكرية بل يحتاج إلى خيال، واستعادة تجاربنا السابقة، وتجارب الغرب الحديث. وقد نجحت تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة فى نظام أشبه بالنظام الفيدرالى حتى لو كان الأمير غير منتخب، بل أتى بالوراثة من الشيخ إلى الأمير. وتذوب الهجرات الآسيوية من الهند وباكستان والفلبين فى المحيط العربى دون خوف من ضياع الطابع العربى للخليج. كما يذوب التمركز الشيعى فى الخليج فى أرجاء الوطن العربى كله. والإمام الحسين، والسيدة زينب ومعظم آل البيت مدفونون فى مصر التى كانت فى يوم ما شيعية أيام الفاطميين والحاكم بأمر الله. فلا يُخشى على عروبة الخليج ولا من أطماع إيران القطرية الشيعية على العراق وسوريا واليمن.

فى الدولة العربية الفيدرالية تكون الخارجية والدفاع فى عاصمة الاتحاد. أما باقى الأنشطة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والقضائية، فتكون فى يد الدولة القطرية. تعطى الدولة الفيدرالية الأمن فى الدفاع، والسياسة الواحدة فى الخارجية تعبر عن وزنها فى منطقة الشرق الأوسط، بدلا من مشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد بزعامة أمريكا وإسرائيل لتملأ فراغ المنطقة.

وهى دولة شعب لا حكومات طائفية أو عرقية، عسكرية أو دينية، بدلا من الأوطان الطاردة لشعوبها فى هجرات شرعية أو لا شرعية والموت غرقا فى البحار. يعود العرب إلى وطنهم. فلا هجرة بعد الفتح. ويعود اليهود إلى أوطانهم، بدلا من التمركز فى فلسطين.

وذلك يستدعى تحولا ديمقراطيا. فلا اتحاد يقوم على الاستبداد. والانتخاب على كل المستويات، مستوى الرئيس الفيدرالى، ومستوى رئيس الدول القطرية، والمحافظين والمديرين ورؤساء الجامعات والعمداء والأقسام. فيشعر الشعب أنه يشارك فى الحكم.

عيبنا غياب الخيال السياسى والوصول إلى تصورات جديدة للنفس وللمنطقة، للماضى والحاضر والمستقبل.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك