وحدة الشعب والرئيس لردع وحوش الخطاطيف

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

■ لا مفر من قطع سلسلة مقالاتى عن انتصارنا فى حرب أكتوبر تحت عنوان (من المنتصر ومن المهزوم). لماذا؟ ذلك لأنى أصبحت على يقين أن علينا أن نحتشد اليوم لننتصر فى معركة عاجلة هى معركة حياة أو موت للمرضى الذين لا يجدون دواءهم ومعركة جوع أو شبع لأعداد كبيرة من أبناء شعبنا الذين أعجزتهم الأسعار المتضاعفة كل يوم عن الحصول على غذائهم المناسب ومعركة الإحساس بالكرامة الإنسانية الناتجة عن الاكتفاء بالدخل والاستغناء أو الانكسار أمام ذل الحاجة والعوز. لقد تكون عندى هذا اليقين فى ضوء ما سمعته عن الأحوال المعيشية من الشباب المنتمى للطبقة الوسطى التى أعتبرها العمود الفقرى للبناء الاجتماعى السليم فى مصر وأحسبها فى أغلب الأحوال الطبقة الحاملة للقيم الأخلاقية والوطنية والمستعدة للاستشهاد والتضحية بأرواحها عن طيب خاطر. قال لى شبان منتمون للشرائح الثلاث المكونة لهذه الطبقة وهى الشرائح العليا والوسطى والدنيا التى تتراوح دخولها الشهرية بين عشرة آلاف وألفى جنيه أنه مع تعويم الجنيه انهارت القيمة الشرائية للمال الذى يدخرونه أو يكسبونه بمقدار النصف مع تضاعف سعر الدولار أمام الجنيه، وهو ما أدى إلى عجزهم عن الحفاظ على مستوى معيشتهم السابق على يوم التعويم. قالوا أيضا إنهم رفضوا دعوات التظاهر فى ١١/١١ لأنهم لا يريدون أن يفتحوا طريق جهنم على مصر لتنحدر من جديد إلى الطريق الذى أهلك سوريا ومزقها من قبل. قالوا لى أيضا إنهم يتفهمون ضرورة تعويم الجنيه لإصلاح المسار الاقتصادى للبلاد وأنهم متشبثون بوعد سمعوه - ولم أسمعه أنا شخصيا - من الرئيس بأن ينصلح ميزان أسعار الجنيه أمام الدولار خلال ثلاثة شهور، أى مع نهاية يناير وأن تعود أسعار السلع والخدمات بالتالى إلى وضعها الطبيعى السابق على صدمة تعويم الجنيه. غير أنهم فى نفس الوقت قالوا لى ما أدهشنى من معلومات عن الألاعيب الخبيثة التى يقوم بها التجار لاستغلال الفرصة لتضخيم أرباحهم ومنها لعبة إخفاء البضائع بدءا من الأدوية إلى الأغذية وتعطيش السوق وخلق لهفة على طلبها بأى سعر ليمكنهم بعد ذلك إظهارها بأسعار أعلى مما هو مترتب على معدلات زيادة سعر الدولار وسعر الوقود. لقد ذكرنى هذا بما هو معروف ويحدث فى السكر وتقاومه الحكومة لكنى فهمت من كلام الشبان أن الحكومة لا تقوم بأى جهد خارج موضوع السكر، وأخبرونى أن كثيرين يفكرون فى كيفية قيام المستهلكين من أبناء الشعب بحركة جماعية لردع التجار الجشعين الذين يضاعفون الأزمة والضائقة ويكوون الناس بلهيب الأسعار الظالمة.

■ توقفت باحترام وإعجاب أمام هذا الوعى القتالى عند أبناء شعبنا ضد فحش الجشع واستغلال الموقف من جانب المتاجرين وضد المظالم القاسية التى ينزلها المفسدون بالناس فى دوائهم وقوتهم. قلت للشباب إننى سأوجه نداءً لرئيس الجمهورية ليمارس سلطاته تجاه هذا البعد من الأزمة وأن يتقدم صفوف الناس الباحثين عن سبل لمواجهة وحوش الخطاطيف. لقد نطقت هاتين الكلمتين (وحوش الخطاطيف) تلقائيا كأنى أتوقع أن يفهم المستمعون قصدى، غير أن الشبان نظروا لى فى دهشة مستفسرين عما أعنيه. انتبهت أن الكلمتين قد انطلقتا من مخزون قراءاتى القديمة فى كتب التاريخ لتعبرا عن فظاعة رؤيتى للجرائم التى يرتكبها هؤلاء المتاجرون بدواء وغذاء وخدمات الشعب اليوم تحت شعار الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق تحت أعين الحكومة. قلت للشبان أنصحكم بقراءة ما كتبه المؤرخان ابن إياس وابن الأثير عن الشدة العظمى أو الشدة المستنصرية لتروا مدى الضراوة التى يمارسها بعض الناس فى أوقات الأزمات والشدائد وتعلموا أنكم على حق فى مواجهة هذا الصنف المنحط من البشر. وواصلت شارحا إن الشدة المستنصرية هى المجاعة والأزمة التى وقعت فى نهايات حكم الخليفة الفاطمى المستنصر بالله العبيدى وقد حدثت هذه الشدة نتيجة لمزيج من العوامل الطبيعية والسياسية واستمرت سبع سنوات من عام ١٠٦٥ إلى عام ١٠٧١ ميلادية. فى هذه السنوات العجاف توحش غلاء الأسعار واستفحل نقص السلع والبضائع نتيجة لضعف الإنتاج وبالتالى عمت المجاعة وتفشت الفوضى والجرائم وانتشرت الأمراض والأوبئة بين أهل مصر. حدث هذا لنقصان شديد وقع فى منسوب مياه النيل على مدى السنوات المذكورة، مما أدى إلى جفاف الأراضى الزراعية وتشققها وهلاك الزرع والضرع. غير أن ما فاقم من أثر هذه الكارثة الطبيعية وضاعف من آثارها المدمرة هو فشل سلطة الدولة المركزية فى إدارة الأزمة إدارة ناجحة، على عكس ما شهدته مصر فى شدة السنوات العجاف الشهيرة التى حدثت فى العصر الفرعونى أيام سيدنا يوسف الذى أحسن إدارة الأزمة وأنقذ البلاد من آثارها المدمرة. أما فى عهد الخليفة المستنصر بالله فقد فشلت الحكومة فى إدارة الأزمة والسيطرة عليها والحد من آثارها المخربة كما ضعفت أدواتها فى نشر العدل. فى هذه الأجواء ظهر وحوش الخطاطيف كحلقة من حلقات الفوضى التى ضربت البلاد. يصف المؤرخ ابن إياس هذه الفئة بأنهم كانوا يتربصون بالمارة الذين يسيرون فى الشوارع من فوق أسطح المنازل، حيث كانوا ينصبون عليها كمائنهم وهم يمسكون بالخطاطيف والكلاليب الحديدية فإذا مر شخص كانوا يغرسون أسنة هذه الخطاطيف فى ملابسه ولحمه ويرفعونه إلى السطح ليذبحوه ويطبخوه ويأكلوه. هناك روايات عديدة فى كتب المؤرخين المصريين لهذه الفترة تبين درجة القسوة والضراوة التى يتسلح بها هذا الصنف من الوحوش البشرية فى أوقات الأزمات والتى تسوغ لهم ارتكاب جرائم الفحش فى الأسعار لدرجة بيع رغيف الخبز مقابل بيت أو مجوهرات نفيسة. إننى أرى أن سلطة الدولة التى تراخت فى مواجهة المجرمين أصحاب الخطاطيف وأشباههم من التجار الجشعين فى عهد المستنصر عام ١٠٦٥ لا يجب أن تضعف اليوم فى عهد السيسى عام ٢٠١٦ فى مواجهة أمثالهم الذين يمصون اليوم دم الشعب بالفجور فى إخفاء السلع وفى رفع الأسعار. إننى أكرر مطالبتى للرئيس بأن يتقدم صفوف الشعب لتصفية هؤلاء الوحوش المعربدين فى مجال الغذاء والدواء والخدمات كما سبق أن تقدم هذه الصفوف فى مجال السياسة وتصحيح مسار الحكم فى ٣٠ يونيو حتى لا تعود ولو بأبسط درجة مشاهد تلك الوحوش من أصحاب الخطاطيف وأشباههم على أرض مصر الحبيبة. إننى أتمنى أن يسجل المؤرخون بعد ألف عام من الآن أن شدة ٢٠١٦ مرت على مصر هينة نتيجة لكفاءة رئيسها وإدارته وإدراكه حجم معاناة الناس وتلاحمه مع قوى الشعب لتخفيف هذه المعاناه بعيدا عن الإدارة الفاشلة للشدة المستنصرية وتصرفات حاكم مصر آنذاك.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق